أخبار عاجلة

آية التطهير

[ A+ ] /[ A- ]

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وهي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1).

آية التطهير ففي تفاسير الشيعة أنها نزلت في أهل البيت عليهم السلام خاصة لا يشاركهم فيها أحد، وكذا جاء في تفاسير أهل السنة، غير أنهم يعترفون وينحرفون في معناها ! ! فمرة يخصونها بهم، وأخرى يشاركون معهم نساء صلى الله عليه وآله، ومرة أخرى يخصونها بهن (2) ! !

وهذا يخالف اللغة العربية قطعا “، لأنه لما خاطب الله جل وعلا نساء الرسول صلى الله عليه وآله أتى بضمير التأنيث قبل الولاية وبعدها، ولما أراد سبحانه أن يذهب الرجس عن أهل البيت، أتى بضمير التذكير، وهو (عنكم) و (يطهركم) وهذا يعرفه صغار الطلبة، ومن له أقل شئ من العلم والأدب، بل أكثر العوام.

وبعبارة أخرى: لو أن الله تعالى أراد بالآية المباركة نساء النبي صلى الله عليه وآله جميعا ” لأنث الضمير، ولقال عز من قائل (عنكن) و (يطهركن) كما أنث الضمائر المتقدمة والمتأخرة لما خاطب النساء بها، فتذكير الضمير أكبر دلالة على خروج الأزواج من الآية الشريفة.

وقد جاء في تفسير علي بن إبراهيم (3) عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال: إن جهالا ” من الناس يزعمون أنه إنما أراد الله بهذا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وقد كذبوا وأثموا، وأيم الله لو عنى بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله لقال: (عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا) ولكان الكلام مؤنثا “، كما قال: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) (4) و (لا تبرجن) (5) و (لستن كأحد من النساء) (6).

إذن فلا يجوز أن تكون الآية في نساء الرسول صلى الله عليه وآله حتى ولا إشراكهن معهم، لأن الله قد هددهن قبل آية التطهير، بقوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ” جميلا ” * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ” عظيما ” * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا”) (7).

وأيضا ” هددهن الله بقوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ” خيرا ” منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا “) (8).

هذا منطوق الآيات، وأما مفهومها فهكذا: يا نساء النبي ! أنتن لستن بمؤمنات، ولا قانتات، ولا تائبات من ذنوبكن، ولا عابدات ولا سائحات… الخ، وذلك إن بقيتن على إيذائه صلى الله عليه وآله (9). وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله قد هجرهن شهرا ” لإيذائهن له صلى الله عليه وآله (10)، راجع تفاسير السنة أجمع، ومن الواضح أن فيهن من حاربت عليا ” والحسن والحسين عليهم السلام وحربهم حرب الله بنص من رسول الله (11)، ولا تنسى أن عائشة لما قادت قوة مسلحة في تشييع الحسن عليه السلام لمنعهم من دفنه مع النبي صلى الله عليه وآله (12) ولو بقيت ليوم الحسين عليه السلام لربما انتدبها ابن ميسون لحرب الحسين عليه السلام لما يعلم من رأيها في الخروج لقتال أهل البيت عليهم السلام للإصلاح بين الأمة، لذلك خاطبها ابن عباس (رض) كما في الصوارم بقوله:


تجملت تبغلت ولو عشت تفيلت * لك التسع من الثمن وبالكل تملكت
(13)

أي تملكت حجرتك مع أن لك تسع ثمنها وباقي الثمن لزوجاته صلى الله عليه وآله وسبعة أثمانه لفاطمة عليها السلام، ثم لولدها عليهم السلام فإذا كان بعض نسائه سامحها الله هكذا، فكيف يدخلن في آية التطهير من الذنوب ؟ !

وقد ورد أن عائشة قالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم أنك نبي الله (14) ! !

فبالله عليك أيقال مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أفيليق مع أفعالهن المخالفة لآداب الزوجية، فضلا ” عن كونه رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشركن أهل البيت في التطهير من الرجس وهن منغمسات فيه ؟ !

ولو كانت شاملة لنساء النبي صلى الله عليه وآله خصوصا ” عائشة، لطبلت وزمرت، وأسمعت الأحياء جميعا ” حتى الموتى، ثم لو أريد الأزواج منها على نحو الاختصاص أو الاشتراك مع الخمسة، لكانت أم سلمة أحق بالدخول لمنزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله ونزول الآية في بيتها (فلما لم يردن) أخرجها رسول الله صلى الله عليه وآله بجذب الكساء (15) من يدها – وبقوله حينما سألته: ألست من أهلك ؟ -: (لا، قفي مكانك وأنت إلى خير) كما أخرج عائشة وزينب بمنعهما من الدخول معهم وأجابهما بمثل ما أجاب به أم سلمة.

وما غشى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ” وفاطمة والحسنان بالكساء، وألوى يده عليهم مخاطبا ” لهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “) إلا ليفصلهم عن غيرهم من المسلمين أجمع، أزواجه وغيرهن.

وقوله: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وفي رواية: أهلي) أي لا غيرهم، فالمفسر للآية رسول الله صلى الله عليه وآله فأي تفسير يقبل بعد تفسيره ؟

أيخرج نساءه من جاء بالقرآن، ويدخلهن من لا يعلم تأويله ؟ !
وأيضا ” أن أكبر دليل على عدم كون نساء النبي صلى الله عليه وآله من أهل بيته عدم إخراجه لهن يوم باهل نصارى نجران، وكان قد وعدهم بإخراج نسائه على ما حكاه القرآن بقوله: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) (16).

كما خطب سيد النصارى حزبه، فقال: إن خرج محمد صلى الله عليه وآله بأهل بيته، فلا تباهلوه، وإن خرج بأصحابه فباهلوه.

وبإجماع من المفسرين والمؤرخين أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج معه للمباهلة سوى (علي وفاطمة وابنيهما الحسنين عليهم السلام) فانجلى أنهم أهل بيته دون غيرهم، ولو وجد سواهم لأخرجه النبي صلى الله عليه وسلم يباهل به في أعظم موقف تنازع فيه الحق والباطل.

فهؤلاء الذين باهل بهم النبي صلى الله عليه وآله نصارى نجران هم الذين أذهب الله عنهم الرجس في القرآن المجيد، على أن المتبادر من لفظة (أهل البيت) عند إطلاقها: العترة الطاهرة عليهم السلام وهم: (علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام) ولا دخل للأزواج فيها، ولذا أطلقها النبي صلى الله عليه وآله عليهم مذ أوصى بهم، وأبان فضلهم في أحاديثه المتواترة المروية في صحاح المسلمين ومسانيدهم، ولم يحتمل أحد دخول الأزواج تحت تلك الأحاديث، فمنها الحديثان العظيمان المعتبران، اللذان رواهما جمهور المسلمين:

الأول: حديث (الثقلين) (17) وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا “) (18).

الثاني: حديث (السفينة) (19) وهو قوله صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى) (20).

هذا وقد أصبح ذلك أمرا ” مفروغا ” منه لدى المسلمين، فتراهم ينادون في محافلهم بمديح أهل البيت عليهم السلام، ويطلقونها عليهم، ولا يخطر ببالهم شمولها للأزواج. وقد نظم شعراء الفريقين أشعارا ” في مدح أهل البيت عليهم السلام، وخصوها بالخمسة أهل الكساء ليس إلا، ولم نسمع شاعرا ” واحدا ” أدخل في شعره غير هؤلاء الخمسة الأطهار. أنظر إلى تصريح الإمام الشافعي في قوله:

يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
(21)

ويقصد من أهل البيت (علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام) وهكذا غيره من الألوف المألفة من أئمة السنة والجماعة، فإنهم صرحوا أيضا ” بأن المقصود منها (عترة المصطفى، وسلالة المرتضى) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا “.

نعم أتانا حثالة من حثالة القوم كعكرمة البربري، ومقاتل وغيرهما ممن عرفوا بالكذب على صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله ودسوا أحاديثا ” مفتعلة كثيرة، فإليك يا رب المشتكى منهم، ولقد صح عنه صلى الله عليه وآله: (ستكثر علي الكذابة) (22) وقال صلى الله عليه وآله: (من كذب علي متعمدا ” فليتبوأ مقعده من النار) (23).

وظاهر أن اختصاص الأزواج أو إشراكهن مع أهل البيت في هذه الآية الكريمة مفتعل ضد أهل البيت عليهم السلام، وكثيرا ” ما أتوا بما يضاد أهل البيت بالمفتعلات، والأمر واضح، فيجب حذف تلك الأحاديث المدخولة من الوضاعين الدجالين، وتطهير كتب السير والتواريخ منها.

إذن يتحتم أن تكون (آية التطهير) وإذهاب الرجس عنهم خاصا ” بأئمة الهدى من العترة الطاهرة عليهم السلام، الذين هم ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته، فهم أحق بها وأهلها، وتفيدنا أيضا ” لفظة (إنما) المفيدة للحصر إيضاحا “.

وقد ظهر أيضا ” بوضوح أن هذه الآية الكريمة دالة على تنزيه عترة النبي صلى الله عليه وآله الأدنين، وهم أهل بيته (علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام) من العيوب وعصمتهم من الذنوب، وسيأتي في كتابنا هذا أن الإمامة لا تليق إلا بمن كان نزيها ” كذلك من كل عيب وذنب، فثبتت بذلك إمامة علي عليه السلام وبنيه عليهم السلام قاموا بالأمر أم قعدوا لعدول الناس عنهم، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) (24) يعني أنهما منصوبان من قبل الله تعالى ومن كان كذلك لا يخدش بإمامته عدول الناس عنه، وتوليتهم الأمر لغيره، فإن الإمامة ليست بتولية الناس، بل بنص الله وتوليته.

وقد أورد الإمام البحراني في (غاية المرام) أكثر من مائة وعشرين حديثا ” في حصر أهل البيت عليهم السلام بهم دون نساء النبي صلى الله عليه وآله، ثلثها تقريبا ” من طرق السنة، فراجع.

وقد روى السيوطي في تفسير الدر المنثور (25) على أن نزول الآية في الخمسة (أهل الكساء) وذلك بعشرين طريقا “.

كما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) (26) بستة عشر طريقا “، وقد ذكر السيد الأجل آية الله النسابة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري رحمه الله روايات عديدة، وأحاديث كثيرة (27)، كلها من طرق السنة والجماعة على أنها نزلت في الخمسة أهل الكساء.

ورواها جل المفسرين والمؤرخين، وأهل السير، وعولوا عليها في تصريحاتهم باختصاص الآية الشريفة بالخمسة (أهل الكساء) ولزيادة الإيضاح وتتميما ” للفائدة نذكر ما يتيسر لنا ذكره من تلك الأحاديث هنا إن شاء الله.

أخرج الإمام أحمد في مسنده (28) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمر ببيت فاطمة عليها السلام ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر، فيقول: (الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “) انتهى.

وأخرجه الواحدي في تفسير الآية من كتابه (29).
وأخرجه ابن جرير في تفسير الآية من تفسيره الكبير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والطبراني وغيرهم.
وأخرج الترمذي، والحاكم وصححاه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عديدة، عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت هذه الآية، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وآله بكساء كان عليه، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا “) انتهى.

وأخرج مسلم في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام من صحيحه (30) عن عائشة، قالت: خرج رسول الله غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “).

وهذا الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة في مسنده، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصاحب الجمع بين الصحيحين، وصاحب الجمع بين الصحاح الستة، ومن أراد المزيد فعليه ب‍ (رشفة الصادي) لأبي بكر شهاب الدين، على أن في هذا المقدار كفاية لأولي الألباب، ولسيدنا الشريف المفدى الإمام شرف الدين بيان وبرهان في اختصاص آية التطهير بالخمسة أهل الكساء في صفحة 12 من كتابه (الكلمة الغراء) فراجع.

ولا بأس في هذا المقام أن نذكر نبذة من النصوص المصرحة بخروج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن الآية الشريفة، ولا ينافي بين هذه النصوص والتي مضت في اختصاص الآية في الخمسة عليهم السلام وإنما أوردناها هنا لما فيها من تصريح النبي صلى الله عليه وآله في إخراج أزواجه منها:

روى أحمد بن حنبل في مسنده (31) عن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رياح، قال: حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة (32) فدخلت بها عليه، فقال لها: (ادعي زوجك وابنيك).

قالت: فجاء علي والحسن والحسين، فدخلوا فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان (33)، وتحته كساء خيبري، قالت: وأنا أصلي في الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “).

قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا “)، قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال: (إنك إلى خير، إنك إلى خير).

وقال أحمد بعد إيراده الحديث: قال عبد الملك: وحدثني أبو ليلى، عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء.
قال عبد الملك: وحدثني داود بن أبي عوف الجحاف، عن حوشب، عن أم سلمة بمثله سواء.
وأورد هذا الحديث ابن كثير في تفسيره (34).
وأورده عن عطاء الواحدي في (أسباب النزول) (35).
وأورده عن الواحدي ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) (36).
وأورده في (الطرائف) ص 30 عن الثعلبي، ومسند ابن حنبل بتفاوت يسير في بعض ألفاظه.
وقال السيوطي في الدر المنثور (37): أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن أم سلمة (رض) زوج النبي صلى الله عليه وآله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بيتها على منامة له، عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ادعي لي زوجك وابنيك حسنا ” وحسينا “).

فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “). فأخذ النبي صلى الله عليه وآله بفضلة إزاره، فغشاهم إياه، ثم أخرج يده من الكساء، وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا “) قالها ثلاث مرات.

قالت أم سلمة (رض): فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا معكم ؟ فقال (إنك إلى خير) مرتين.

وروى هذا الحديث سيدنا ومولانا الإمام الأكبر السيد المحسن الأمين في (أعيان الشيعة) (38) عن أسد الغابة.

وقال في الدر المنثور (39) أيضا “: أخرج الطبراني، عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: (آتيني بزوجك وابنيه)، فجاءت بهم، فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم كساء فدكيا “، ثم وضع يده عليهم، ثم قال:

(اللهم إن هؤلاء أهل محمد – وفي لفظ: آل محمد – فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) قالت أم سلمة رضي الله عنها: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: (إنك على خير).

وأورد هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (40) عن أم سلمة، وأورده أيضا ” الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) (41) عن أحمد في وأورده الطبري في (ذخائر العقبى) (42) وقال بعد إيراده: أخرجه الدولابي في (الذرية الطاهرة).

وأورد أيضا ” هذا الحديث [المتقي الهندي] في (كنز العمال) (43) وابن كثير في تفسيره (44) وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) (45) والترمذي في صحيحه (46) والقندوزي الحنفي في (ينابيع المودة) (47) والشبلنجي الشافعي في (نور الأبصار) (48) والشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) بهامش نور الأبصار (49) وغير هؤلاء من أعاظم علماء السنة، ممن يطول الكلام بتعداد أسمائهم، وذلك بتفاوت يسير في بعض ألفاظ الحديث (50).

ففي هذه النصوص الصحيحة المتواترة، المروية لدى عامة المسلمين، دلالات واضحة، وحجج قاطعة، وبراهين ساطعة، على خروج أزواج النبي صلى الله عليه وآله من الآية الشريفة، ونزولها في الخمسة: أصحاب الكساء دون غيرهم، ولا ينكر ذلك إلا متعصب لغير الحق.

وما أوردناه هنا من خروج الأزواج من آية التطهير، ونزولها في الخمسة (أهل الكساء) عليهم السلام كاف في رد من زعم أنها في الأزواج على نحو الاختصاص أو الاشتراك، وأن أردت المزيد على ما قدمنا لك فعليك بمراجعة كتابنا (الشيعة وحجتهم في التشيع).

أقول: فقد ثبت مما ذكرنا أن آية التطهير مختصة بالخمسة أصحاب الكساء، ودالة أيضا ” على عصمتهم من جميع الذنوب والآثام، مما ينغمس فيه غيرهم من كبائر الذنوب وصغارها، وتحقق وثبت أيضا ” أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل هو علي بن أبي طالب عليه السلام وبعده الحسن، ثم الحسين، ثم التسعة من ولد الحسين متتابعين حسب النصوص الثابتة لدى الفريقين، ودليلنا على مدعانا أمران:

الأمر الأول: العصمة، فهي شرط في الإمام عند الشيعة إذ أن الإمام الذي يقتدى به، ويؤخذ منه بعد النبي صلى الله عليه وآله إن لم يكن معصوما ” لم يحصل الوثوق بقوله، ولا الاطمئنان بصدقه، وثبوت عصمة الإمام هو ثبوت عصمة النبي صلى الله عليه وآله.

وقد دلت الآية على عصمة الإمام أمير المؤمنين وولديه الحسنين عليهم السلام فتعين أن تكون الخلافة لهم دون غيرهم، وهم الأئمة والخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكل واحد منهم نص على الإمام من بعده، وهكذا إلى الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه، فيجب الأخذ بقولهم، مع أن غيرهم ليس بمعصوم، وإذا انتفت العصمة ثبت الخطأ والصواب، فلا يصح أن يكون خليفة يتصرف بشريعة الرسول صلى الله عليه وآله.

الأمر الثاني: إن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد تكرر منه ادعاء الخلافة لنفسه في مواطن كثيرة في كتب التاريخ كما ثبت عنه في خطبته (الشقشقية) الثابتة لدى جمهور المسلمين إذ يقول فيها: لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلى الطير (51).

وأيضا ” ادعى الخلافة لأمير المؤمنين علي عليه السلام بنت الرسول وبضعته الزهراء الطاهرة المطهرة الصديقة سيدة نساء العالمين، وابناها الحسن والحسين والتسعة من أولاد الحسين عليه السلام فيجب على الأمة جمعاء تصديقهم لعصمتهم، ولا يجوز عليهم الكذب إذ أن الكذب رجس، وهو منفي عنهم بالآية الشريفة، فظهر بوضوح ثبوت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام.

هذا ولم تنحصر أدلة الخلافة بهذه الآية الشريفة فحسب، بل إنه قد استفاضت الأدلة، وتواترت الحجج والبراهين بكثرة لا تحصى حتى اعترف بها المناوئ لهم وعرفها القريب والبعيد، وألف فيها المؤالف والمخالف سلفا ” وخلفا ” كتبا ” بكثرة لا تحصى.

وقد جمع مولانا شيخ الشيعة، وإمام الشريعة، آية الله العظمى الإمام محمد بن يوسف بن المطهر المشتهر: بالعلامة الحلي) رحمه الله ألفي دليل بأن عليا ” عليه السلام هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك ألفا ” من الأدلة العقلية، وألفا ” من الأدلة النقلية، وأسماها (الألفين) فراجع.

الهوامش

الهوامش


1 – الأحزاب: 33.
2 – قال المؤلف: ورواية اختصاص الآية بهن من أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، وقد ذكره ابن حجر في صواعقه عند ذكر آية التطهير، فراجع !

أقول: ولعمري إنها لمهزلة، وشهادة أخرى يدلي بها ابن حجر على نفسه لإثبات عقم تفكيره وجهله، وقلة باعه في التفسير، وإن الحقد والعصبية قد أعميا قلبه عن كل حق وصحيح وعدل، وإلا فبرك أيها القارئ المنصف المدرك، ماذا ستقول له عندما ستقف – بعد قليل – على عشرات المصادر المعتبرة – من تفاسير وصحاح ومسانيد وسنن – وفيها ما يؤكد على اختصاصها بأهل البيت عليهم السلام ونزولها في حقهم ؟
3 – { ص 531 }.
4 – الأحزاب: 34.
5 – الأحزاب: 33.
6 – الأحزاب: 32.
7 – الأحزاب: 27 – 30.
8 – التحريم: 4 – 5.
9 – قال المؤلف: لا يخفى على من تتبع سيرتهن أن المراد منهن مجموعهن لا جميعهن.
10 – أنظر تفسير الكشاف للزمخشري: 4 / 563 والتخريجات التي بهامشه.
11 – روى أحمد في مسنده: 2 / 442 بإسناده إلى أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمة، فقال:
(أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم).

12 – روى أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر: 1 / 183 قول عائشة: البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه ! ! عنه إحقاق الحق: 11 / 179.

13 – الصوارم المهرقة: 158، جاء فيه:… مع أن احتمال ملكية الأزواج لبيوتهن مما أبطله إنشاد ابن عباس (رض) على عائشة حين مجيئها راكبة على بغلة لمنع أن يطاف بجنازة الحسن عليه السلام في حجرة النبي صلى الله عليه وآله وذكر البيت.

وتجدر الإشارة إلى أن كتاب (الصوارم المهرقة) هو للعلامة المجاهد القاضي نور الله التستري الملقب (الشهيد الثالث)، ألفه ردا على كتاب (الصواعق المحرقة) لابن حجر الهيثمي، وهو أول رد على (الصواعق) بأسلوب متين رصين يعضده قلمه رحمه الله البالغ قمة مراتب البلاغة وجودة التقرير، فهو والحق يقال سفر نفيس، ومؤلف نافع، وكتاب شريف، فلله دره وعليه أجره.

14 – { أوردها الغزالي في الباب الثالث من الجزء الثاني من (إحياء العلوم) وفي الباب الرابع والتسعين من كتابه (مكاشفة القلوب) }.

15 – أنظر حديث أم سلمة وذكرها لحديث (الكساء) ص 106 وما بعدها.
16 – سورة آل عمران: 61.
17 – يأتي بتمامه وتخريجاته ص 203.
18 – قال المؤلف: هذا الحديث أخرجه أكابر علماء السنة قديما ” (2) وحديثا ” في كتبهم من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والتفاسير، والسير، والتواريخ، واللغة، وغيرها كصحيح مسلم: 7 / 122، وسنن الترمذي: 2 / 307، وسنن الدارمي: 2 / 332، ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 14 و 17 و 36 و 59، وغيرهم.

19 – يأتي بتمامه وتخريجاته ص 232.
20 – قال المؤلف: رواه جماعة كثيرة من أعاظم علماء السنة منهم الحاكم في المستدرك: 3 / 343.
21 – أورده الحنفي القندوزي في ينابيع المودة: 2 / 354 (انتشارات الشريف الرضي).
22 – قال المؤلف: إنما أتى النبي صلى الله عليه وآله بسين التقريب لعلمه أن سيكون ذلك فور موته.

أقول: وهذا ما حدث بالفعل، بل وقبيل وفاته صلى الله عليه وآله ألقى (البعض) بذرة الفتنة والخلاف، وذلك ساعة قال رسول الله صلى الله عليه وآله قبيل رحيله: (ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا ” لن تضلوا بعده).

فقالوا: إن رسول الله يهجر ! ! ! فمنعوه من تدوين الحقيقة… وهذا حديث مشهور، رواه البخاري في صحيحه: 2 / 85 و ج 6 / 11، ومسلم في صحيحه: 3 / 1259 ح 20، وأحمد في مسنده: 1 / 222، وكذا الطبري وابن بطة وغيرهم، فكان ابن عباس بعد ذلك يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسوله الله صلى الله عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، انتهى.

وقد روي عنه صلى الله عليه وآله في حجة الوداع أنه قال: (قد كثرت علي الكذابة، وستكثر…) على ما رواه الطبرسي في الإحتجاج.

23 – أورده ابن الأثير في النهاية: 1 / 159 عن النبي صلى الله عليه وآله.
وقاله رسول الله صلى الله عليه وآله ضمن خطبته في حديث (غدير خم) على ما رواه الشيخ الطوسي في آماليه ص 227 المجلس الثامن.

24 – روى الحمويني في فرائد السمطين (مخطوط) عنه إحقاق الحق: 5 / 56 بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قوله ضمن حديث (الحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل الجنة).
25 – { المجلد الخامس ص 198 }.
26 – { الجزء الثاني والعشرين ص 502 }.
27 – { المجلد الثاني: ص 502 }.
28 – { الجزء الثالث ص 259 }.
29 – { أسباب النزول: ص 267 }.
30 – الجزء الثاني: ص 331 }. ويأتي الحديث ص 118 بتخريجاته.
31 – { المجلد السادس: ص 292].
32 – البرمة: القدر من الحجر. والخزيرة: مرقة، وهي أن تصفى بلالة النخالة، ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة والخزيز: الحسا من الدسم والدقيق. والحريرة أرق منها.

33 – الدكان – واحد دكاكين (فارسية) -: شئ كالمصطبة يقعد عليه. (المنجد مادة دكن).
34 – { المجلد الثالث: ص 484 }.
35 – { ص 267 }.
36 – { ص 8 }.
37 – { المجلد: ص 198 }.
38 – { المجلد الثاني: ص 433 }.
39 – ج 5 ص 198.
40 – { الجزء السادس: ص 323 }.
41 – { ص: 228 }.
42 – { ص: 21 }.
43 – { ج 7 ص 103 }.
44 – { ج 3 ص 484 }.
45 – { ص 7 }.
46 – { ج 2 ص 308 }.
47 – { ص 78 }.
48 – { ص 102 }.
49 – { ص 104 }.
50 – نورد لك عزيزي القارئ أسماء عدة من أعلام القوم – إضافة لما ذكره المؤلف – ممن صرح بنزولها في حقهم واختصاصها بهم، منهم:

ابن داود في المسند: 8 / 274، وأحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 331، الحافظ محمد بن عثمان في مسنده على ما في كتاب فلك النجاة: 43، والنسائي في الخصائص: 4، وابن جرير في تفسيره: 22 / 5، والطبراني في معجمه كما في الصواعق: 85، والحاكم في المستدرك على الصحيحين: 2 / 416 و ج 3 / 146، والمؤيد بالله في الأمالي: 23، والبيهقي في السنن الكبرى: 2 / 149، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج 10، وابن عبد البر في الإستيعاب: 2 / 460، والواحدي النيشابوري في كتاب أسباب النزول: 267، والبغوي في مصابيح السنة: 2 / 204، والزمخشري في الشاف: 1 / 193، وابن عساكر في تاريخ دمشق: 2 / 204 – 206، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة: 2 / 12، وسبط الجوزي في تذكرة الأئمة الباب التاسع: 244، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 14 / 182، والبيضاوي في تفسيره لسورة الشورى: 387، والطبري في ذخائر العقبى: 21، وأبو الفداء الدمشقي في تفسيره: 3 / 483 (بطرق مختلفة وأسانيد متعددة) والهيثمي في مجمع الزوائد: 9 / 166 – 168، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 7 – 8، والعسقلاني في الإصابة: 2 / 502، وفي فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 3 / 2422، والذهبي في تاريخ الإسلام: 3 / 6، ونظام الدين القمي في تفسيره الشهير بتفسير النيسابوري: 3 (في ذيل آية التطهير من سورة الأحزاب المطبوع بهامش الطبري) والسيوطي في الدر المنثور: 5 / 198 – 199 وخواند مير في حبيب السير: 1 / 407، وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة: 85، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال (المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل): 5 / 96، والدهلوي في مدارج النبوة: 589، والشبراوي المصري في الإتحاف: 5، واليماني في الروض النضير: 1 / 106، والآلوسي البغدادي في تفسير روح المعاني: 22 / 14، والمالكي في مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار: 84، والنبهاني في الشرف المؤبد لآل محمد صلى الله عليه وآله: 6.

51 – راجع شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده: ص 84 (ط. بيروت).

المصدر: كتاب لماذا اخترت مذهب الشيعة للشيخ الأنطاكي

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 3 أصوات)

شاهد أيضاً

الجدال في المفهوم القرآني

الجدال في المفهوم القرآني

الجدال في المفهوم القرآني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *