أخبار عاجلة

آية المباهلة

[ A+ ] /[ A- ]

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وهي قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (1).

فقد أجمع المفسرون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم بنزولها في الخمسة الأطهار: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام.

فهناك رجال الصحابة برمتهم، فلم يدع أحدا ” منهم غير علي والحسنين عليهم السلام من الرجال.

ثم هناك أمهات المؤمنين، والهاشميات، فلم يدع منهن واحدة سوى بضعته الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام من النساء.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن المراد من الأنفس هنا: هو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إذ جعله الله تعالى في هذه الآية الكريمة نفس محمد صلى الله عليه وآله.

ولعمر الله إنها لفضيلة عظيمة، خصهم الله بها دون من سواهم من الأمة، فقد ذكر ابن حجر في صواعقه رواية عن الدارقطني: أن عليا ” يوم الشورى احتج على أهلها، فقال لهم:

أنشدكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله في الرحم مني، ومن جعله صلى الله عليه وآله نفسه وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري ؟

قالوا: اللهم لا، الحديث (2).

وقال الشاعر في مدح الإمام عليه السلام:


وهو في آية التباهل نفس ال‍ * مصطفى ليس غيره إياها

ثم إن حديث المباهلة معروف مشهور، وقد ذكره المفسرون والمحدثون، وأهل السير والأخبار، وكل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة، وهي سنة المباهلة.

قال الرازي بعد إيراده في تفسيره الكبير: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث… الخ (3).

وذكر الزمخشري في تفسيره (الكشاف) (4): حول تفسير آية المباهلة، قال: وروي أنهم لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر. فلما تخالوا، قالوا للعاقب (5)، وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ! ما ترى ؟ فقال:

والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا ” نبي مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا ” قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضنا ” الحسين، آخذا ” بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران (6): يا معشر النصارى ! إني لأرى وجوها ” لو شاء الله أن يزيل جبلا ” من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

فقالوا: يا أبا القاسم ! رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا.

قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم.

فأبوا، قال: فإني أناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا ترددنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا ” عادية من حديد.

فصالحهم على ذلك، وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا “، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا).

وعن عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرجل (7) من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا “) إلى أن قال بعد ذلك: وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام (8).

أقول: فيا لها من مكرمة تنبلج لها الصدور، ومنقبة عظيمة لم ينلها أحد قبلهم ولا بعدهم.
واعلم أن الأحاديث المعتبرة الواردة متواترة في نزول هذه الآية الشريفة، في شأن أهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وذكرها المفسرون والمحدثون، وأهل السير والأخبار، وكل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة، وهي سنة المباهلة، وها أنا ذا أقدم لقارئنا الكريم – لزيادة الاطلاع – بعض من أورد ذلك من أئمة أهل السنة والجماعة، فمنهم:

1 – الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد – وتقاربا في اللفظ – قالا:

حدثنا حاتم – وهو ابن إسماعيل – عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا “، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال:

أما ما ذكرت ثلاثا ” قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة أحب إلي من حمر النعم – إلى أن قال -:

ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ” وفاطمة وحسنا ” وحسينا “، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (9).

2 – ومنهم: أحمد بن حنبل في كتابه المسند (10): حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له، وقد خلفه في بعض مغازيه – إلى أن قال -:

ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ” وفاطمة وحسنا ” وحسينا “، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

3 – ومنهم: الطبري في تفسيره فقد أخرج أحاديث كثيرة في ذلك من طرق عديدة، عن زيد ين علي، وعن السدي، وقتادة، وعن ابن زيد، وعن اليشكري (11).

4 – ومنهم السيوطي في (الدر المنثور) عن جابر، وقال في آخره: قال جابر: (وأنفسنا وأنفسكم) رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي (وأبناءنا) الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة (12).

5 – ومنهم: الواحدي في (أسباب النزول) وقال في آخره: قال الشعبي: (أبناءنا) الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة (وأنفسنا) علي بن أبي طالب رضي الله عنهم (13).

6 – القندوزي الحنفي في (ينابيع المودة) من طرق شتى على أن عليا ” عليه السلام نفس رسول الله حسب نص الآية الكريمة (14).

7 – ومنهم: الشبلنجي في نور الأبصار (15) أن المراد بنسائنا فاطمة، وبأبنائنا الحسن والحسين، وبأنفسنا نفسه صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام.

8 – ومنهم: الطبري في ذخائر العقبى (16).
9 – ومنهم: الگنجي الشافعي في كفاية الطالب (17).
10 – ومنهم: الحاكم في المستدرك (18).
11 – ومنهم: أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة (19).
12 – ومنهم: البغوي صاحب معالم التنزيل (20).
13 – ومنهم: فخر الدين الرازي في تفسيره (21).
14 – ومنهم: الذهبي في تلخيصه، ط. ذيل مستدرك الحاكم (22).
15 – ومنهم الجزري الشهير بابن الأثير في كتاب أسد الغابة (23).
16 – ومنهم: سبط ابن الجوزي في التذكرة (24).
17 – ومنهم: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (25).
18 – ومنهم: البيضاوي في تفسيره (26).
19 – ومنهم: ابن حجر العسقلاني في الإصابة (27).
20 – ومنهم: الشيخ محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (28) فإنه قال ما لفظه: أما آية المباهلة، فقد نقل الرواة الثقات والنقلة الأثبات نزولها في حق علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، إلى آخر ما قال.

ومنهم، ومنهم، ومنهم، إلى كثير وكثير مما لا يسعنا درج أسمائهم في مؤلفنا هذا، فإن هؤلاء جميعا ” أثبتوا في مؤلفاتهم بطرق عديدة معتبرة أن هذه الآية الكريمة نزلت في الخمسة الأطهار عليهم السلام (29).

هذا وقد تعرض سيدنا الإمام البحراني في (غاية المرام) ص 300 لآية المباهلة، ونزولها في علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام، فأورد في ذلك تسعة عشر حديثا ” من طرق أهل السنة والجماعة، كما أورد خمسة عشر حديثا ” من طرق الشيعة.

وقد ذكر سيدنا الأجل آية الله الحجة، السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري رحمه الله كثيرا ” من أئمة السنة والجماعة الذين تطرقوا إلى مدارك نزول آية المباهلة في شأن الخمسة الأطهار عليهم السلام فراجع (30).

أقول: فظهر من هذه الآية الشريفة أن الخليفة يجب أن يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب عليه السلام حيث جعله الله نفس محمد صلى الله عليه وآله بعلمه وأخلاقه، وكرمه وشجاعته، وحلمه ووفور أخلاقه الحسنة، ومواهبه الكريمة، وعطفه على الضعفاء، وشدته على ذوي الظلم والطغيان، ومنزلته الرفيعة التي أقامه الله بها ما عدا النبوة بدليل قوله صلى الله عليه وآله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي) (31) فلا يجوز تقديم أحد عليه مطلقا “، لأن المتقدم عليه كالمتقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا غير سائغ شرعا “، فتنبه وانصف.

الهوامش

الهوامش

1 – { آل عمران }.
2 – الصواعق المحرقة: 154 (ط. عبد اللطيف بمصر).
3 – تفسير الرازي: 8 / 85 (ط. البهية بمصر).
4 – { الكشاف: 1 / 482 }.
5 – العاقب: الذي يخلف السيد، وهو ثانية في الرتبة.
6 – { قوله: (فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى) أي حبرهم عبد المسيح، انتهى } عن هامش التفسير.
7 – المرط: كساء من صوف أو خز كان يؤتزر به.

قال في مجمع البحرين: 5 / 381: مرط مرحل: الموشى المنقوش عليه صورة رحال الإبل.
وروي (مرجل) بالجيم: عليه صور المراجل، وهي القدور.

ونقل عن كتاب العين في باب الحاء المهملة (المرحل): ضرب من برود اليمن سمي مرحلا ” لأن عليه تصاوير الرحال وما يشبه، انتهى.
والمرجل من الشعر: المسرح.
8 – تفسير الكشاف: 1 / 368 (نشر آداب حوزة).

تقدم حديث الكساء ص 106 بتخريجاته، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة، وغفل الحاكم فاستدركه.

9 – صحيح مسلم: 15 / 175 (ط. بيروت).
10 – مسند أحمد بن حنبل: 1 / 185 (ط. مصر).
11 – { تفسير الطبري: 3 / 192 } ط. مصر.
12 – الدر المنثور: 4 / 38 (ط. مصر).
13 – أسباب النزول: 74 (ط. الهندية بمصر).
14 – ينابيع المودة: 52 و 244 و 295 (ط. اسلامبول).
15 – { ص 101 }.
16 – ص 25 (ط. مصر سنة 1356 ه‍).
17 – { ص 54 }.
18 – ج 3 ص 150 (ط. حيدر آباد).
19 – ص 297 (ط. حيدر آباد).
20 – ج 1 ص 302، عنه إحقاق الحق: 3 / 50، ورواه العلامة المذكور في كتاب مصابيح السنة: 2 / 204 (ط. الخيرية) قال: من الصحاح عن سعد بن أبي وقاص، وذكر الحديث.

21 – { 8 / 85 } ط. البهية بمصر.
22 – ج 3 ص 150 (ط حيدر آباد).
23 – ج 4 ص 25 (ط الأول بمصر).
24 – ص 17 (ط. النجف).
25 – ج 3 ص 104 (ط. مصر).
26 – ج 2 ص 22 (ط. مصطفى محمد بمصر).
27 – ج 2 ص 503 (ط. مصطفى محمد بمصر).
28 – ص 7 و 8 (ط. طهران).
29 – قال المؤلف رحمه الله: لا غرابة في نزول هذه الآية وغيرها في حق من خصهم الله بها، ولقد أجاد العلامة الحجة السيد الكاشاني في كتابه (مصابيح الجنان) حيث قال في ص 167:

إن الخمسة أصحاب الكساء هم الذين طهرهم الله تعالى من الرجس، وعصمهم من الزلل، وجعلهم حججا ” على العالمين، وبعثهم إلى الخلائق أجمعين، وارتضاهم أئمة للمؤمنين، وقدوة للمسلمين، ولأجلهم خلق السماوات والأرضين، وجعلهم سبله وذرائعه، وأبوابه التي يؤتى منها، وأنواره التي يستضاء بها، وأمناءه على بلاده، وحبله المتصل بينه وبين عباده.

30 – أخرج في كتاب إحقاق الحق: 3 / 46 – 75 و ج 9 / 70 – 91 و ج 14 / 131 – 148 و ج 18 / 389 و ج 20 / 84 – 87 عن جملة من كتب العامة التي أثبتت نزول هذه الآية في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وقد ذكر المؤلف هنا قسما ” منها.

وإليك عزيزي القارئ قسما ” آخر منها:

أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: 2 / 16، الثعلبي في تفسيره كما في العمدة لابن البطريق: 95، البغوي في مصابيح السنة: 2 / 204، الأندلسي المالكي في أحكام القرآن: 1 / 115، ابن الأثير في جامع الأصول:

9 / 470، الطبري في الرياض النضرة: 188، النسفي في تفسيره:

1 / 136، الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح: 568، والخازن في تفسيره: 1 / 302، وابن كثير الدمشقي في تفسيره: 1 / 370، وفي البداية والنهاية: 5 / 52، وابن الملك في مبارق الأزهار: 3 / 356، والكاشفي في معارج النبوة: 1 / 315، والسيوطي في تاريخ الخلفاء 115، والإكليل:

53، والحلبي في السيرة المحمدية: 3 / 35، والدهلوي في مدارج النبوة:

500، والترمذي في المناقب المرتضوية: 44، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف: 5، والشوكاني في فتح القدير: 1 / 316، والآلوسي في تفسير روح المعاني: 3 / 167، والطنطاوي في تفسير الجواهر 2 / 120، والحضرمي في رشفة الصاوي: 35.

31 – يأتي الحديث: 225 بتخريجاته.

المصدر: كتاب لماذا اخترت مذهب الشيعة للشيخ الأنطاكي

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

الجدال في المفهوم القرآني

الجدال في المفهوم القرآني

الجدال في المفهوم القرآني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *