أخبار عاجلة
الرئيسية » المقالات الإسلامية » أهل البيت عليهم السلام » إطلالة على حياة الإمام الصادق (ع)

إطلالة على حياة الإمام الصادق (ع)

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

الشيخ أحمد الكرعاوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنّ الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، هو بالحقيقة حديث عن سنة ربانية ترتبط بالهداية من جانب وبإقامة الحجة بكلا نوعيها التشريعي الذي يرتبط بالتبليغ والتكويني الذي يكون وجود الإمام (عليه السلام) رافعاً للعذاب وسببا في بقاء الدنيا من جانب آخر. حيث اقتضت سنة الهداية الربانية أن يسند عقل الإنسان عن طريق الوحي ومن خلال الهداة الذين أختارهم الله لتولي مسؤولية هداية العباد وقد حمل الأنبياء والأوصياء مشعل الهداية منذ فجر التأريخ وعلى مدى القرون ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية ونور مضيء كما أكدت نصوص الوحي مؤيدة لدلائل العقل إن الأرض لا تخلو من الحجة وإن الإمام الصادق (عليه السلام) أحد هذه الحجج وسنتناول هذه الشخصية العظيمة ضمن مراحل متعددة يترتب بعضها على بعض.

 

المرحلة الأولى: مرحلة التلقي

إطلالة على حياة الإمام الصادق (ع)هذه المرحلة مرتبطة بعلم الإمام (عليه السلام) وأنه يتلقى فهم الرسالة بشكل كامل من خلال الإمام الذي قبله أو من خلال الإلهام ، وللتفصيل في علم الإمام مقام آخر لعلنا نوفق إليه في المستقبل .

والمقصود من التلقي هو الفهم الواقعي والحقيقي لمراد المولى وأنه لا يغيب عنه شيء مذكور في كتاب الله وعنده إحاطة بجميع تفاصيل الشريعة وتطبيقاتها وهذه المرحلة تسمى بحسب التعبير القرآني بالوراثة (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) ، فالآية تتحدث عن الاصطفاء ولكن بنفس الوقت تتحدث عن الوراثة أي الانتقال ولم تتحدث عن الوحي لأن المعروف أن الذين يصطفيهم المولى يوحي إليهم وهم الأنبياء ، ولعل المراد من الآية أن بعض من اصطفى المولى ألهمه ولم يوحي إليه ولم ينزل عليه كتاب وهذا المعنى ينطبق على الأئمةF وكذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (والله لقد أُعطينا علم الأولين والآخرين).

والكلام عن أهل البيت (عليه السلام) بصورة عامة وعن الإمام الصادق (عليه السلام) بصورة خاصة من نافلة القول، لأنه أمر ثابت بل ومسّلم بين جميع المسلمين ولا ينكره إلا مكابر وإليك أقوال بعض أعلام السنّة في حق الإمام الصادق (عليه السلام):

أ‌. مالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي (…كان لا يخلو عن إحدى ثلاث خصال إما صائماً وإما قائماً وإما ذاكراً ، وكان من عظماء العباد وأكابر الزهاد الذين يخشون الله عز وجل وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد ).

ب‌. أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد (عليه السلام) ). وقال: ( لولا جعفر بن محمد ما علم الناس مناسك حجهم ) .

ج. قال شمس الدين محمد الجزري: ( وثبت عندنا أن كلاً من الإمام مالك وأبي حنيفة صحبا الإمام (عليه السلام) أبا عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) حتى قال أبو حنيفة : ما رأيت أفقه منه).


المرحلة الثانية: مرحلة الإبلاغ

وهذه مرحلة تحتاج الى عناية ربانية خاصة والاحاطة بتفاصيل الشريعة بشكل واقعي اي نفترض انه لا يخطئ في الاحاطة بهذه التفاصيل ومن ثم نقل الرسالة الحقّة إلى الناس لأن الغرض من الامامة امتداد الهداية الواقعية لان دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن محصورة فقط في الجيل الذي عاصر النبي (ص) والدليل على كونها رسالة لكل زمان أنها الرسالة الخاتمة أي التي ختمت جميع الرسالات التي سبقتها، فالنبي قام بدور التبليغ إلى المجتمع المحيط به، ولكن بقيت مهمة أخرى وهي نقل تفاصيل الرسالة إلى الأجيال الأخرى فإن لم نعتقد بوجود ناقل معصوم مشرف على الشريعة وقع الخطأ والإشتباه في النقل وبالتالي فإن الرسالة التي بلغها النبي (ص) لن تصل إلى الناس بشكل كامل بل قد تصل إليهم بصورة مشوهة .

إذن هذه المرحلة ترتبط بوجود مبلغ معصوم يهدي الناس إلى الرسالة الحقة لا أي مبلغ لأننا أوضحنا أنها الرسالة الخاتمة التي تخاطب كل الأجيال فلا بد أن تصل إلى الجميع بشكل متساوٍ كما نزلت .

وحديث الثقلين يؤكد على هذه الحقيقة بوجود ثقل آخر في الأمة يكون المسؤول عن هدايتها وهذه المرحلة هي مفترق طرق بين السنّة والشيعة حيث يرى الإمامية بوجوب وجود مبلغ معصوم وهو الإمام (عليه السلام) يهدي الناس والسنة لا ترى ذلك المعصوم هو شخص محدد بل تراه الأمة (لا تجتمع الأمة على ضلالة ) ولكن نقول لهم بأن الموارد التي اجتمعت بها الأمة قليلة جدا ، فهل هذه هي الشريعة موارد الاتفاق !!

فتصدى الإمامية لإثبات وجود المعصوم (عليه السلام) بمئات الأدلة العقلية والنقلية كآية التطهير وحديث الثقلين وغيرها العشرات ، والأدلة العقلية مثل دليل الخاتمية الذي قدمناه لأن الخاتمية تقتضي الاستمرارية مع كل الأجيال ولذا تجد أن كل إمام ينص على الإمام الذي يليه ، ولإثبات هذه الحقيقة بأن الإمامة الحقة والقيادة الربانية منحصرة بفرد منصوص إليه ولا يحق لغيره قيادة الأمة إلا بإذنه ، ورغم وجود نصوص من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) بأسمائهم وعلى سبيل المثال نذكر ما ورد عن النبي (ص) بحق الإمام الصادق كما يذكره الشيخ الصدوق في علل الشرائع بذكر رواية عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق ، فإنه سيكون في ولده سمي له يدّعي الإمامة بغير حقها ويسمى كذاباً).

وكان المفروض بالأمة أن تبحث عن هذه المسميات وتتبعها عملا بالوصية ، ولكن بسبب ضعف الهمة والكسل والإنحراف والمصالح السياسية والفتن المذهبية أصبحت هذه الوصية معطلة في ذهن الأمة ويحاول البعض أن يشوه المصاديق التي ذكرت الأئمة بعنوان الأمراء أو الأئمة كما ورد في صحيح البخاري الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش ، بإن يؤول بالحكام الموجودين رغم انحرافهم كمعاوية ويزيد وغيرهم ، وكان الأئمة يوصي بعضهم على بعض وهذه ظاهرة تجدها في حياة كل الائمة (عليهم السلام) حتى يعيدوا إلى ذاكرة الامة تلك الوصايا المعطلة فمثلا نجد الإمام الباقر عليه السلام كما يروي الكليني بإسناده عن ابي الصباح الكناني قال : ( نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمشي فقال : ترى هذا ؟ هذا من الذين قال الله عز وجل : (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {القصص/5} ).

وروى علي بن محمد الخزاز بإسناده عن همام بن نافع قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لإصحابه يوماً : (( إذا أفتقدتموني فاقتدوا بهذا فإنه الإمام بعدي وأشار إلى إبنه جعفر)).

إن الإمام الصادق (عليه السلام) قام بهذا الدور العظيم وبلغ الرسالة حتى أظهر معالم المذهب الحق ونسب المذهب إليه إذ يسمى المذهب الجعفري ، وأقول أظهر المذهب لأن وجود المذهب وتأسيسه كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ، نعم إن الإمام الصادق (عليه السلام) أسس مدرسة فقهية واضحة وأظهر معلماً ، وأرشد إلى قواعد الاستنباط الفقهي والعقائدي وبسبب انتشار المذاهب الفقهية الكثيرة في زمن الإمام (عليه السلام) فأصبح داعي لديه (عليه السلام) لإظهار الجماعة الصالحة وإعطاء رؤية واضحة لهم وتميزهم عن بقية الجماعات برؤية عقائدية تخصهم ومدرسة فقهية وقد نجح الإمام (عليه السلام) في هذا المجال رغم الظروف السياسية الصعبة ، يقول الحسن بن علي الوشاء دخلت إلى مسجد الكوفة ورأيت تسعمائة رجل يقول حدثني جعفر بن محمد (عليه السلام). حتى تعلم عزيزي القارئ الجهود المضنية والكبيرة التي بذلها الأئمة لتأسيس رؤية عقائدية وفقهية واضحة لدى أتباعهم.


المرحلة الثالثة: بناء الجماعة الصالحة

إن هذه المرحلة مترتبة على المرحلة السابقة فبعد عملية الإبلاغ تأتي مرحلة القناعة والهداية ويصبح لهذه الدعوة أنصاراً ومؤيدين يلتفون حولها وبدأت هذه المرحلة على يد الأنبياء (عليه السلام) في تأسيس الجماعة الصالحة ويعبر القرآن عن تلك الجماعة بالمؤمنين لأن الأنبياء لكي يحققوا أهدافهم في الأرض لابد من جماعة تؤمن بهم وتسّهل عملهم وتقدم الدعم المناسب لهم (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، وقد أشارت بعض الآيات إن الهدف من بعث الأنبياء هو قيام الناس بالعدل والقسط (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) والقيام هنا بسط العدالة في المجتمع وهذا الأمر لا يتحقق إلا بوجود مجتمع مؤمن بهذه الدعوة ويسعى إلى تحقيقها .

إن عملية بناء الجماعة الصالحة يسميها القرآن بالتزكية والتعليم لأن التزكية هي التربية باتجاه الكمال وتتطلب التربية القدوة الصالحة التي تتمتع بكل عناصر الكمال (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وقد واصل الأئمة نفس هذا الدور برعاية الجماعة الصالحة والمحافظة عليهم وتربيتهم لأن الإمام هو الشخصية المؤثرة على النفوس والمجسدة لقيم الإسلام وقد نقلنا بعض آراء بعض علماء السنة به ومدى تأثرهم فضلاً عن الموالين , ورغم صعوبة الظرف الذي كان يحيط بالإمام لكنه دعا إلى الله بلسانه وعمله .

لقد عاصر الإمام نهاية الحكومة الأموية وبداية الدولة العباسية وأستطاع بهذه الفترة نشر العلوم وتأسيس مدرسة متكاملة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإيضاح معالم الحق وبناء الجماعة المؤمنة ليرثها إمام آخر يرعاها .

بعد أن كان أتباع أهل البيت في عهد الإمام السجاد قليلين جداً أصبحوا ببركة جهود الأئمة (عليهم السلام) في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) كثيرين يعدون بمئات البيوت الموالية والتي شكلت ضغطاً اجتماعياً على الحكومات الظالمة وهذا الجهد العظيم لم يكن خفياً على الحكومة المجرمة فكانت تعيش القلق والخوف من الإمام (عليه السلام) حتى أقدم مجرمهم أبو جعفر المنصور (المخذول) على تلك الجريمة النكراء بقتل العلم والفضيلة الحق بقتل الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) .

فسلام عليك يا سيدي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا. اللهم اجعلنا ممن يوفق لخدمته ويسعى لتحقيق أهدافه وأجمعنا معه ومع الأئمة العظام ونبينا الأعظم في مستقر رحمتك ، إنك سميع الدعاء والحمد لله رب العالمين.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 4.83 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

الإمام الكاظم (ع) في علاقاته بالله وبالناس

الإمام الكاظم (ع) في علاقاته بالله وبالناس

الإمام الكاظم (ع) في علاقاته بالله وبالناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *