أخبار عاجلة
الرئيسية » المقالات الإسلامية » الأدعية والزيارات » الإنسان بين الدعاء والمسؤولية

الإنسان بين الدعاء والمسؤولية

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

د. خليل التميمي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الإنسان بين الدعاء والمسؤوليةجاء الإسلام كُلاً مترابطاً الأجزاء، ووحدة عضوية متكاملة المفاهيم، والخطر كلّ الخطر على تلك المفاهيم أن تؤخذ مجزّأة منفردة، ثمّ يتم تقويمها والتعامل معها وهي بهذه الصورة المبعثرة. فالمفهوم في الإسلام لا يكتمل معناه، ولا تدرك أهدافه، ولا يمكن إعطاء تقويم صحيح له، إلا بعد ربطه بكل ما يتعلّق به من مفاهيم مترابطة معه، متناسقة مع أهدافه، مكمّلة لوجوده، ضمن صيغة الوحدة الفكرية في الإسلام. ومن تلك المفاهيم التي أسيء فهمها بسبب اقتلاعها، وافرادها منفصلة عن جسم الوحدة الفكرية، هو مفهوم “الدعاء”.

فقد أثار الكثير من الذين تعاملوا مع هذا المفهوم – تعاملاً منفصلاً عن بقيّة مفاهيم الإسلام – أثاروا شكوكاً حول الدعاء، منها:

1- إنّه وسيلة للاتكالية، وتجميد لطاقة الإنسان، وشلّ نشاطه، وإشاعة لروح الكسل والخمول، بالاعتماد الغيبي على الله، وعدم ممارسة الإنسان لدوره وواجبه.

2- إنّ الدعاء دعوة إلى فرض الدور السلبي على حياة الإنسان، وتجميد قوانين الطبيعة والوجود التي تتحكّم في الحياة، وفي مصير الإنسان، وبذلك ينتهي دور الإنسان التاريخي، بتعليق إنجاز المهام المنوطة بالإنسان على الله تعالى، مع انسحاب كامل لقوى الإنسان وجهوده في ميدان الممارسة، وإنّ أُمّة ترضى بالدعاء – بالقول والضراعة – بديلاً للجدّ والتفكير والعمل والنشاط، لهي أُمّة تحكم على نفسها بالفناء والموت العاجل، وتمحو دورها الإنساني – بدعائها وضراعتها –. ذلك ما يقال ويكثر ترديده حول فكرة الدعاء.

إلا أنّ الإسلام بوحدة أفكاره ونقاء مفاهيمه، يقوم بأكمله ردّاً حاسماً على هذه الشبه والتخرصات التي يطلقها المتجنّون عليه. فالإسلام حينما شرّع الدعاء، شرّع العمل كذلك، وبيّن مسؤولية الإنسان وواجبه المترتّب عليه، فقرّر إلتزامه باجراء قوانين الوجود، والتطابق مع سنن الحياة التي أودعها الله في هذا العالم، فما من شيء يتحقق إلا ويحتاج إلى سبب، وما من حادث يحدث إلا وله محرّك.

فالنتائج لا تنزل من السماء، وليس معنى الدعاء تعطيل قوانين الوجود، والدخول في دورة سبات لا نهائية، والاكتفاء برفع اليدين إلى السماء، وإذا شئنا المزيد من الايضاح، وبيان موقف الإسلام من هذه القضية الخطيرة، فلنقف على رأيه الصريح، وردّه الواضح على تلك التصوّرات الشاذّة، ولنقرأ فصلا من كتاب “جامع السعادات” للعلامة الشيخ محمد مهدي النراقي _أعلا الله مقامه_ لما فيه من بحث ونصوص توضّح معنى التوكل – في الإسلام – سواء في حالة الدعاء، أو في غيره من الحالات، وتبيّن علاقته بالأسباب الطبيعية.

قال رحمه الله: “الأسباب التي لا ينافي تحصيلها ومزاولتها للتوكّل هي الأسباب القطعيّة أو الظنية، وهي التي يقطع، أو يظن بارتباط المسبّبات بها بتقدير الله ومشيئته، ارتباطاً مطرداً لا يتخلّف عنها، سواء كانت لجلب نفع أو لدفع ضر منتظر، أو لإزالة آفة واقعة، وذلك كمدّ اليد إلى الطعام للوصول إلى فيه، وحمل الزّاد للسفر، واتخاذ البضاعة للتجارة، والوقاع لحصول الأولاد، وأخذ السلاح للعدو – وقاية لمواجهة العدو – والادخار لتجدّد الاضطرار، والتداوي لإزالة المرض، والتحرّز عن النوم في ممر السيل ومسكن السباع وتحت الحائط المائل، وغلق الباب، وعقل البعير(*)، وترك الطريق الذي يقطع أو يظنّ وجود السارقين، أو السباع الضارة فيه، وقس عليها غيرها.

وأمّا الأسباب الموهومة، كالرقية، والطيرة، والاستقصاء في دقائق التدبير، وإبداء التحملات لأجل التبديل والتغيير، فيبطل بها التوكل).

وهكذا يتضح لنا أنّ الدعاء: وهو طلب عون الله، والتوكّل عليه، لا يعني تعطيل الأسباب، وترك السعي من قبل الإنسان، وتجميد نشاطه، واللجوء إلى الكسل والخمول بدعوى الاعتماد على الله، وكما رفض الإسلام تعطيل دور القوانين والأسباب الطبيعية من قبل الإنسان، رفض كذلك اللجوء إلى الأوهام والخرافات في معالجة المواقف، وتحصيل الأشياء التي ريد الحصول عليها، لأنّها ليست من قوانين الطبيعة، ولا من أنظمة الوجود التي أودعها الله في هذا العالم، وليس لها أي دور تأثيري في سير الحوادث، أو إعطاء النتائج، وقد اعتبر الإسلام تعطيل دور الإنسان، وعدم أدائه لواجبه ومسؤوليته، وعدم تسييره للحياة وفق قوانين الطبيعة التي أودعها الله في الوجود، مخالفة لحكمة الله وإرادته، واعتبر هذا التعطيل متعارضاً مع إجابة الدعاء، وعقيدة التوكّل.

ولكي يكون رأي الإسلام واضحاً في هذا الموضوع، فلنتابع القراءة في كتاب “جامع السعادات” فلنقرأ قول المؤلف – رحمه الله –: [إعلم انّ التوكّل لا يبطل بالأسباب المقطوعة والمظنونة مع أنّ الله قادر على إعطاء المطلوب بدون ذلك، لأنّ الله سبحانه ربط المسبّبات بالأسباب، وأبى أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، ولذا لما أهمل الاعرابي بعيره، وقال: توكّلت على الله، قال له النبي (ص): (اعقلها وتوكل).

وقال الصادق (ع): (أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سبّبها لذلك، وأمرهم بذلك).

قال الله تعالى: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) (النساء/ 71)، وقال في كيفية صلاة الخوف: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء/ 102)، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال/ 60)، وقال لموسى (ع): (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا) (الدخان/ 23)، والتحسّن بالليل إختفاءً عن أعين الأعداء دفعاً للضرر.

وفي الاسرائيليات: إنّ موسى بن عمران (ع) اعتلّ بعلَّة فدخل عليه بنو إسرائيل، فعرفوا علّته، فقالوا له: لو تداويت بكذا لبرئت، فقال: (لا أتداوى حتّى يعافيني الله من غير دواء) فطالت علّته، فأوحى الله إليه: (وعزّتي وجلالي لا أبرؤك حتى تتداوى بما ذكروه لك)، فقال لهم: (داووني بما ذكرتم)، فداووه فبرىء فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه: (أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك عليّ، فمن أودع العقاقير منافع الأشياء غيري؟).

وقد جاء قول الله الحق صريحاً واضحاً للكشف عن هذا المفهوم وتعميقة في نفس الإنسان، قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) (النجم/ 39).
وورد في الحديث الشريف ما يرادف هذا المعنى، ويؤكد مسؤولية الإنسان، فقد جاء: (العبادة سبعون جزءا، أفضلها طلب الحلال).
وروي عنه (ص) قوله: “إنّ أصنافاً من أُمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه، ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني، ولا يخرج، ولا يطلب الرّزق، فيقول الله عزّ وجلّ له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكي لا تكون كلّا على أهلك، فان شئتُ رزقتك، وإن شئت قتَّرت عليك، وأنتَ غير معذور عندي، ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه، ثمّ أقبل يدعو يارب: ارزقني، فيقول الله عزّ وجلّ: ألم أرزقك رزقاً واسعاً فهلا اقتصدت فيه كما أمرتُك، ولم تُسْرِفْ، وقد نهيتك عن الاسراف، ورجل يدعو في قطيعة رحم”.

الإنسان بين الدعاء والمسؤوليةوروى أحد أصحاب الامام الصادق (ع) أيضاً، قال: [كنّا جلوساً عند أبي عبدالله الامام جعفر الصادق، إذ أقبل (العلاء بن كامل) فجلس قدَّام أبي عبدالله (ع)، فقال: ادع الله أن يرزقني في دعة، فقال: لا أدعو لك أطلب كما أمرك الله عزّ وجلّ].

[وروى كليب الصيداوي، أحد أصحاب الامام الصادق (ع)، فقال: قلت للصادق: ادع الله عزّ وجلّ لي في الرزق فقد التأثت عليّ أموري، فأجابني مسرعاً: لا، أخرج فاطلب].

وإذن فليس بإمكان أحد بعد هذا الايضاح أن يقول أنّ الإسلام دعا إلى الاتكالية والكسل، وعطّل الأسباب والقوانين الطبيعية للحياة، فكلّ ما جاء في الإسلام دعوة إلى الجدّ وممارسة المسؤولية والسير بالحياة وفق قوانين الطبيعة وسننها التي أودعها الله في هذا العالم.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

خاتمية النبي الأعظم ص

في رحاب الدُعاء

في رحاب الدُعاء

تعليق واحد

  1. ممتاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *