أخبار عاجلة

الزهد في الدنيا

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

الزهد في الدنيا

 

السيد عقيل الحسيني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 
حقيقة الزهد:

الزهد في الدنياالزهد: هو ترك الشيء والرغبة عنه الى غيره، فكل من صرف نفسه ورغبته عن شيء الى آخر سمي زاهداً في ذلك الشيء ولكن لابد من كون المزهود فيه والمرغوب عنه شيئاً ذا قيمة محبباً لدى النفس كالمال والجاة والدنيا والرفاهية فيها،

والا فان التارك للحجر او التراب ومالا نفع فيه لا يسمى زاهداً، بل الزاهد حقاً من الناس من باع دنياه بآخرته وابتغى ما عند ربه من رضوان، صارفاً لهواه عما حوته الفانية من زخارف وبهارج لا دوام لها ولا بقاء.

ومن المهم جداً التعقيب بان الزهد في الدنيا لا يعني الفقر واخلاء اليد من جميع حطام الدنيا، بل ان الزهد قد يجتمع مع الغنى وذاك لان الزهد كما بينا هو عدم تعلق النفس بما في الدنيا من ملذات وشهوات والرغبة عنها الى ما في الآخرة من مرضاة، وهو لا يتنافى مع الغنى وامتلاك للمال اذا لم يشعف الغني بما عنده وتتعلق نفسه بما ملكه، ان ذهب ماله لم يحزن عليه وان أتاه غيره لم يفرح به بل غايته ومهجته رضا الله سبحانه.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الزهد كله في كلمتين من القرآن قال الله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد)(1).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة بما في الدنيا ان لا تكون بما في يدك اوثق منك بما في يد الله وان تكون في ثواب المصيبة اذا أنت اصبت بها ارغب منك فيها لو انها ابقيت لك )(2).

ذكر ان مرجعاً وعالماً من علمائنا الكرام كانت له ضياع واطيان وهو مع هذا كله اشتهر بالزهد والتقوى فسمع به عابد اعتزل الناس والدنيا وسكن كهفا يتعبد فيه، فتعحب كثيراً وعزم على ان يأتيه ليقف على حاله ويتأكد مما سمعه عنه وعندما وصل اليه رحب به المرجع ثم أضافه في داره وفي الصباح الحَّ العابد على المرجع بأن يأخذه الى بساتينه وأراضيه التي سمع انه يملكها فاستجاب المرجع لطلبه وحينما رأى العابد ملكاً عظيما ومالاً أكثر مما سمع به تعجب عجباً بالغاً وقال مستنكراً يا سيدي كيف يكون لك كل هذا وتقول الناس عنك انك من الزاهدين فاجابه المرجع ان كل هذا الذي تراه لا يقوم عندي بحبة خردل او أصغر من ذلك في قبال رضا الله سبحانه ولا أُبدل بالآخرة مال الدنيا أجمع.

لم يقتنع العابد بما قاله المرجع ولكنه سكت وبقي يماشيه وبعد برهة من الوقت لاحت لهما قافلة ينشد أهلها زيارة مرقد الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء فقال العالم المرجع دعنا نلتحق بهم ونتشرف بزيارة ضريحه الطاهر، قال العابد: نعم مارأيت ولكن أمهلني حتى اتي بعصاي وطاسة لي تركتهما في كهفي فاني أخاف ان تسرقا ولعلنا ننتفع بهما في الطريق ضحك المرجع وقال أراك تعجبت ياشيخ مني وأنت أحق بالعجب من نفسك فقال العابد وكيف ذاك.. قال المرجع انني دعوتك لطلب مافيه لله رضا عظيم تاركاً كل ما ورائي وهو ما رأيت من دون ان آبه به او التفت اليه رغبة مني فيما عند ربي ولكنك استمهلتني لاجل طاسة وعصاة ولم تخف فوت القافلة فاينا الزاهد ومن منا الراغب. فانتبه العابد لنفسه واعتذر من المرجع ولازمه.

وهكذا كان حال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة من أهل بيته (عليهم السلام) كانوا زهاداً ولم يكونوا فقراء فاقتدى بهم اتباعهم واهتدوا بهداهم.

قال سويد بن غفله: (دخلت على علي بن ابي طالب (عليه السلام) العصر فوجدته جالساً وبين يديه صحيفة فيها لبن حازر أجد ريحه من شدة حموضته وفي يده رغيف ارى قشار الشعير في وجهه وهو يكسره بيده احياناً، فاذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه فقال أدن واحت من طعامنا هذا ، فقلت: اني صائم فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول من منعه الصوم من طعام يشتهيه كان حقا على الله ان يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها، قال سويد، فقلت لجاريته وهي قائمة بقرب منه ويحك يافضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ الا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة، فقالت: لقد تقدم الينا ان لا ننخل له طعاماً، قال (عليه السلام): ماقلت لها، فأخبرته، فقال: بأبي وأمي _ يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة ايام حتى قبضه الله عز وجل ، وفي رواية ادركت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل أيبس من هذا ويلبس اخشن من هذا فان انا لم آخذ به خفت ان لا ألحق به) (3).

اذن فاذا كان الزهد يعني العزوف عن الدنيا وملذاتها وصرف الرغبة والهوى الى ما يوجب مرضاة الله والفوز بالنعيم الابدي فانه في نفس الوقت لا يعني عدم الامتلاك ونبذ كل شيء فيها فان في المال والملك مرضاة لله تعالى ان انفق في الخير وفي سبيل الله فالزاهد قد يملك من حطام هذه الدنيا شيئاً ولكنه انما يملكه في الله ومن اجل الله تعالى لا تتعلق نفسه به إلا بهذا المقدار.


فضيلة الزهد:

قال تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) (4) وذكر في تفسير الآية ان المقصود بها الزهد في الدنيا.

وقال عز اسمه: (انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملاً) (5) قيل معناه ايهم ازهد فيها فوصف الزهد بانه من احسن الاعمال.

وقال سبحانه يصف الكفار بانهم (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) (6) وهو دال بمفهومه على ان المؤمنين هم الذين يتصفون بضده أي يستحبون الآخرة على الحياة الدنيا.


وأما الأخبار فكثيرة في ذلك منها:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما تعبدون والله بشيء مثل الزهد في الدنيا) (7).

وقال الامام الصادق (عليه السلام): (جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا) (8).

وكذلك قال الامام علي (عليه السلام): (الزهد أصل الدين) (9) وان حب الله للعبد لمشروط به قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ان اردت ان يحبك الله فازهد في الدنيا) (10) واي فضل ومنزلة اسمى وارفع من ذلك.

وان الاخبار الواردة في فضل الزهد والتزهيد في والتحذير من حبها لا يمكن حصرها فان الانبياء ما بعثوا الا من اجل التحذير منها والارشاد الى عدم الاغترار بها.


ثمرات وآثار الزهد:

بالاضافة للثواب العظيم الذي يناله الزاهد وفوزه بحب الله جل ثناءه فان للزهد آثاراً آخرى منها:

1- العلم والبصيرة من غير تعلم: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أراد ان يؤتيه الله علماً بغير تعليم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا) (11).

2- الحب من الناس: فان البغضاء والعداوة انما تنشأ بين ابناء البشر جراء التنافس والتصارع والتكالب على حطام الدنيا واذا ما وجدوا من لا ينافسهم على ما في ايديهم ولا يطمع فيما أهلكوا اعمارهم في طلبه اطمئنوا اليه وأحبوه.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أزهد فيما في ايدي الناس يحبك الناس) (12).

3- يعين على الطاعة وثبات الدين: فان سر الزهد التعلق بالآخرة وترك الدنيا وهو من اعظم الاعوان على ذلك قال الامام علي (عليه السلام): (ان من اعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا) (13).

4- السعادة في الدارين: اما الآخرة فكيف لا يسعد في معاده من سعى في طلب مرضاة ربه وقصد في دنياه آخرته واما سعادة الدنيا فان من اوضح الواضحات ان من اتلف عمره في طلب الدنيا فان من غايته فانية يصيبه من الهم والحزن العظيم ولا يفوته شيء الا وتكالب عليه ولا يفرح بشيء الا وسرعان ما تنغص به او بغيره والزاهد من كان غير هذا فهو السعيد في الدنيا والآخرة قال مولانا امير المؤمنين (عليه السلام): (أصل الزهد اليقين وثمرته السعادة) (14).

وعنه (عليه السلام): (انكم ان زهدتم خلصتم من شقاء الدنيا وفزتم بدار البقاء) (15).

وعنه (عليه السلام): (الزهد في الدنيا الراحة العظمى) (16).
وعن الامام الصادق (عليه السلام): (الرغبه في الدنيا تورث الغم والحزن والزهد في الدنيا راحة القلب والبدن) (17).

هوان المصائب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات) (18).

5 – من أهم اسباب نزول الرحمة والعناية الالهية: فعن الامام علي (عليه السلام): (ازهد في الدنيا تنزل عليك الرحمة) (19).

وهذا المقدار من الاثار والثمرات يكفي كل حريص على ان لا يفوته شيء من خير الدنيا والآخرة لكي يشد العزم ويسعى جهده في ان يزهد في هذه الدنيا الفانية الحقيرة. وهناك امور تساعد على الزهادة نذكر بعضاً منها ونسأل المولى العلي القدير الاعانة والسداد.


موجبات الزهد واسبابه:

من أهم الامور التي تعين على الزهد:

1- العلم واليقين الثابت: بان الآخرة خير وابقى وما عند الله للمتقين لا يعادله شيء مما في هذه الحياة الدنيا من ملذات آنية تزول وتفنى بل انه لا زهد بلا يقين بذلك وكلما ازدادت درجة اليقين به ازدادت درجات الزهد ومراتبه ولكن اول الزهد لا يحتاج إلا النظر اليسير في الدنيا واحوالها وتقلباتها حتى يحصل له العلم بان الآخرة خير وابقى وان الدنيا بالنسبة الى الآخرة كالثلج بالنسبه الى الجوهر فان الثلج لا يزال في الذوبان والانقراض مهما كان جميلاَ وبرا قاً الى ان ينعدم والجوهر باق لا فناء له وان صاحب الجواهر يمكنه ان يحصل على الثلج بايسر جزء منه اما صاحب الثلج لا يملك ان يشتري بكل مالديه من ثلج الا جزءاً يسيراً من الجواهر لايكاد تكون له قيمة قبال الجواهر المذخورة للزهاد في الآخرة.

قال تعالى: (فخرج على قومه في زينته) الى قوله: (وقال الذين اتوا العلم ويلكم ثواب الله خير) (20) نسب سبحانه وتعالى الزهد الى العلماء فوصف أهله بالعلم.

وقال الامام الكاظم (عليه السلام): (ان العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة لانهم علموا ان الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته) (21) وقال الامام علي (عليه السلام): (زهد المرء فيما يفنى على قدر يقينه بما تبقى) (22).

2- التزهد: والعمل على ترجمة ما توصل اليه من علم ويقين وتطبيقه في السلوك فانه لا نفع للعلم بلا عمل فلا بد من تطبيع النفس شيئاً فشيئاً على الزهد بالتزهد. قال الامام علي (عليه السلام): (التزهد يؤدي الى الزهد) (23).

وعنه (عليه السلام): (أول الزهد التزهد) (24).

3- الأكثر من ذكر الآخرة: قال الامام امير المؤمنين (عليه السلام): (أكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الاليم فان ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك وقد نبأك الله عنها ونعتَ لك نفسها) (25).

4- الأكثر من ذكر الموت: قال الامام الباقر (عليه السلام): (أكثر ذكر الموت فانه لم يكثر انسان ذكر الموت الا زهد في الدنيا) (26) وعن الامام علي (عليه السلام): (من صور الموت بين عينيه هان امر الدنيا عليه) (27).

5- الدعاء: وطلب التوفيق لذلك من الله الحميد المجيد فانه من افضل الوسائل والاسباب التي تعين على الزهد والصبر على مغريات الدنيا واهوائها وفي الدعاء المروي عن الامام زين العابدين (عليه السلام): (اللهم صل على محمد وآله واجعل ثنائي عليك ومدحي اياك وحمدي لك في كل حالاتي حتى لا افرح بما آتيتني من الدنيا ولا احزن على ما منعتني فيها) (28).


وآخر دعونا ان الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله الاطيبين الاطهرين

الهوامش

الهوامش


1-البحار 78/70/ 27.
2-غرر الحكم1259.
3-كشف الغمةج 1 /163.
4-القصص 54.
5-الكهف 7.
6-ابراهيم 3.
7-البحار70/322.
8-البحار 73/ 49.
9-غرر الحكم 487.
10-آخرجه ابن ماجه تحت رقم 4102.
11-الحجة البيضاء ج 7 ص356.
12-آخرجه ابن ماجه تحت رقم 4102.
13-الكافي ج2/128.
14-غررالحكم3846.
15-غرر الحكم .
16-غرر الحكم .
17- تحف العقول 281.
18- البحار77/94/1.
19- غرر الحكم 2275.
20-القصص 80.
21-البحار78/301/1.
22-غرر الحكم 5488.
23-غرر الحكم 1120.
24-غرر الحكم 2922.
25- تحف العقول 76.
26-البحار73/64/31.
27-غرر الحكم 7604.
28-الصحيفة السجادية الدعاء 21.
div>

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *