أخبار عاجلة

الغلو

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

الشيخ أحمد الكرعاوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ){المائدة/77}

 

الغلوان الكتاب العزيز جاء لتربية الإنسان وتهذيبه وجعله بشكل يليق بالمنازل الرفيعة في الدنيا والآخرة وان الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يقبل التربية ويتكامل على أساسها وبشكل اختياري ولإنجاح هذه العملية لابد من توسيع هذه القابلية عن طريق إيجاد الداعي او إثارته لقبول الثقافة التربوية الصحيحة والمتمثلة بثقافة السماء ورفع الموانع التي تعرض عليه والتي تنشأ من طبيعته المركبة من العقل والغريزة والمعبّر عنها قرآنيا بالهوى او من المجتمع والبيئة التي يعيش فيها فساير الأنبياء الناس في مختلف حالاتهم وأوجدوا لهم الحلول للمشاكل والآية التي في المقام تسلط الضوء على ظاهرة الغلو وهي آفة أخلاقية كبيرة وهي شكل من أشكال الانحراف والابتعاد عن الهدف الصحيح والتمرد على تربية السماء والآية المباركة تعرض المشكلة بشكل تأريخي وعلمي كما سيأتي بيانه.


ما الفائدة من عرض الأفكار في الإطار التاريخي

دأب القرآن الكريم على عرض الأفكار والعقائد عن طريق القصة أي عن طريق الحياة الاجتماعية وترى الفكرة مجسدة في أشخاص باعتباره كتاب تربوي لا يعرض الافكار بشكل مجرد كما في العلوم العقلية البحتة،بل عن طريق المصاديق التاريخية او المعاصرة لزمن النزول حتى يكون لها تأثير اشد في النفوس وأكثر وضوحا عند الناس وهذه احد الأهداف من القصة فنرى الآية مصدّرة بقوله تعالى ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)) وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى ولهم تاريخ ولهم وجود اجتماعي إذن الآية تعرضت الى الانحراف ضمن المسيرة التاريخية للمجتمع البشري.


ما هو مفهوم الغلو

تكاد تجمع عبارات اللغويين انه: مجاوزة الحد وهو في كل شيء بحسبه ويستعمل في المهور والأثمان والأسعار ويقال عنه غالي أي تجاوز الحد المعتاد. وكذلك في الأمور غير المادية مثل تراث الأجداد والعادات وغيرهما ويأتي بمعنى البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وقد ورد الحديث (ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) وهو أيضا بمعنى التجاوز ولكن تجاوز مرتبة ظاهرية من المعرفة.والغلو المقصود في الآية تجاوز النصارى بعيسى (ع) عن حدود البشرية فاعتقدوا به الاه او ابن إله.


مناشئ الغلو؟

للغلو مناشئ كثيرة نتعرض لأهمها:

المنشأ الفكري: ان البعض يجتهد فوق ما ارادت الشريعة او يريد ان يضيق الشريعة او يوسعها حسب فهمه لا حسب النصوص وان هذا الأمر حصل في زمن النبي (ص) كثيرا حيث يروي لنا التاريخ عن ابن عباس قال: بينما كان النبي (ص) يخطب اذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: ابو إسرائيل نذر ان يقوم في الشمس ولا يعقد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال (ص) مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه.

المنشأ العاطفي: الإنسان وبحسب طبيعته يفرط في حب بعض الأشياء حتى يخرجها عن حدودها الطبيعية كما حصل في زمن بعض الأنبياء حيث كانت اغلب الأصنام رموزا لرجال صالحين أفرطوا في حبهم حتى عبدوهم وكما حصل في زمن مولانا أمير المؤمنين (ع) غالى بحبه جماعة حتى عبدوه وقد ورد في الحديث (يا علي هلك فيك اثنان محب غال ومبغض قال).


الجذر التاريخي للغلو

ان ظاهرة الغلو قديمة قدم الرسالات السماوية وما كان إرسال نوح (ع) لقومه الا لوقوعهم في هذه الآفة الدينية والأخلاقية حتى أوصلوا بعض الصالحين منهم الى درجة الالوهية وهذا احد اشكال الغلو ثم ظهر الغلو في بني إسرائيل وهذه الآية تشير إليه ثم استمر ظهوره في المجتمعات البشرية الى وقتنا المعاصر ولا يخلو من هذه الظاهرة مجتمع وهي على خلاف تربية الأنبياء.


وقفة للانصاف

مما تقدم يظهر لك عزيزي القارئ الجذر التاريخي للغلاة ولا يخلو منهم مجتمع ولكن التركيز على الغلاة الذين غالوا في مولانا أمير المؤمنين (ع) ونسبتهم الى الشيعة وحصر الغلاة عند الشيعة فقط فهذا الكلام خلاف الحقيقة العلمية والتاريخية وهذه الفرق تنسب الى الشيعة ظلما وموقف الائمة والعلماء من هذه الطبقة المغالية واضح.


الهدف التربوي

أتضح مما تقدم ان الغلو هو المجاوزة أي في الأعم الأغلب هو التعدي والتعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان إذ ان مجمل ما يريده تحقيق احد الانحرافين الغلو أي الإفراط او التقصير أي التفريط وقد ورد في الحديث الشريف (فما أمر الله بأمر الا وللشيطان فيه نزعتان اما الى تفريط وإضاعة وإما الى إفراط وغلو ودين الله بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدف بين ضلالتين).

عزيزي القارئ ان الشريعة حريصة الى إيصال الناس الى المراتب الروحية والأخلاقية والثقافية العالية هذه الظاهرة معيقة عن حركة الإنسان ولها اثار هدامة على فكره وأخلاقه وقد مر ان احد مناشئ ظهور الوثنية هو الغلو وخلاصة ما تقدم ان الإنسان أمامه ثلاثة مسارات:

المسار الافراطي: وهو الغلو والخروج عن حد الاعتدال كما حصل لبني إسرائيل حيث قالوا ان عزيرا ابن الله وكذلك ادعوا الألوهية في السيد المسيح.
المسار التفريطي: وهو ترك الحق وأهله وهذا حصل تاريخيا من خلال الابتعاد عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والشاهد على ذلك مأساة السقيفة والخوارج والآن يحصل ذلك بالابتعاد عن العلماء.
المسار المعتدل: وهي الحالة الصحيحة التي تدعو إليها الشريعة بعنوان الصراط المستقيم حتى لا يخرج الناس عن طريق الحق.

اللهم اجعلنا من المتمسكين بالثقلين الكتاب والعترة ومن السائرين على الصراط المستقيم والحمد لله رب العالمين.

 

المصدر: مجلة النجف الأشرف – عدد 23

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

التوحيد عقيدة وسلوك

الشرك تمرد على الفطرة

الشرك تمرد على الفطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *