أخبار عاجلة

المرجعية في زمن الغيبة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

المرجعية في زمن الغيبة

 

د. عبد الزهرة البندر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المرجعية في زمن الغيبةنعلم أن الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) كان محاصراً بالاعداء فلم يظهر على ولادة إبنه الإمام المهدي (عج) إلا القلة من أهل بيته وأصحابه، ولذلك لم يكن معروفاً.

وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري (ع) حاصرت السلطة العباسية منزل الامام العسكري لفحص النساء وهل هن حوامل لمنع بقاء الامام الحجة بعد ولادته. عند وفاة الامام العسكري كان عمر الامام الحجة خمس سنوات، حيث ولد سنة 255 هـ، وكانت وفاة الإمام العسكري (ع) سنة 260 هـ. وبعد وفاة الإمام العسكري وغيبة الإمام المهدي عن الأنظار بدأت الغيبة الصغرى ومعها بدأت فترة النيابة الخاصة، فكان للإمام المهدي (عج) سفراء ووسطاء بينه وبين الناس، ينقلون له أسئلة الناس ومطالبهم وينقلون منه الأجوبة والرسائل للناس. والسفراء أربعة هم:

1 ـ عثمان بن سعيد العمري (الزيات): وكان وكيلا عن الإمام الهادي (ع) الذي كان يقول عنه: “العمري ثقتي فما قال فعني يقول وما أدى فعني يؤدي”. واستمرت سفارته مدة خمس سنوات من 260 هـ إلى سنة 265 هـ.

2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري (الزيات): واستمرت سفارته بعد أبيه ما يقرب من 40 سنة، من سنة 265 هـ إلى سنة 305 هـ حين توفاه الأجل، فأمر بالوصية من بعده للسفير الثالث الحسين بن روح النوبختي.

3 ـ الحسين بن روح النوبختي: واستمرت سفارته مدة 21 سنة، من سنة 305 هـ إلى سنة 326 هـ. حين توفاه الأجل وأمر بالوصية من بعده للسفير الرابع علي بن محمد السمري.

4 ـ علي بن محمد السمري أو السيمري: واستمرت سفارته ثلاث سنوات من سنة 326 هـ حتى وفاته في سنة 329 هـ، حيث خرج له التوقيع الشريف الصادر من الإمام المهدي قبل ستة أيام من وفاته يخبره بقرب أجله ويأمره أن لا يوصي لأحد من بعده، وعندما سئل وهو في فراش الاحتضار عن الوصي من بعده قال: (لله أمر هو بالغه).

وبموت السفير الرابع انتهت النيابة الخاصة وبدأت النيابة العامة التي تنظمها احاديث عديدة وردت عن الأئمة كما في الحديث المروي عن الإمام الصادق (ع): (أما من كان من الفقهاء صائناً لدينه، حافظا لدينة، مطيعا لأمر مولاه، مخالفا لهواه فللعوام أن يقلدوه). أو التوقيع الشريف الصادر عن الإمام المهدي (عج) عندما سئل عن المرجع من بعده فجاء الجواب: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم). فبدأت المرجعية في مدرسة أهل البيت (ع). وخلال الالف عام اللاحقة تطورت المرجعية حتى وصلت الى ما هي عليه الان.

والبحث هذا قراءة إستوعبت أبرز الظروف والإرهاصات التي عكست الوضع التاريخي للمرجعية والأزمات السياسية والإجتماعية التي تعرضت لها ومدى تأثيرها على موقع المرجع وفعله ودرجة تفاعله مع الحقبة الزمنية التي يتولى خلالها واجباته الشرعية. وقد وجدنا من المناسب والمفيد إطلاع القارئ على ما جاء بمقالة للدكتور البندر التي كتبها بمناسبة ذكرى بدء الغيبة الكبرى بوفاة السفير الرابع للإمام المهدي (عج) علي بن محمد السمري.


تطور المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت (ع)

الحديث في تطور المرجعية واسع ويستدعي سجالاً وجدالاً وحواراً. فمنذ ألف سنة ونحن نعيش حالة المرجعية الثالثة في المخطط الرباني. وقد مرت بأطوار وأدوار حتى وصلت المرحلة الحالية المعاصرة.


المخطط الرباني للمرجعية:

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44.

هذا التسلسل المنطقي لطبيعة المرجعية الربانية تمر بالانبياء والائمة وتصل الى الاحبار (العلماء) (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء).

فالله تعالى أوكل مرجعية الأمة الى هذه الجهات الثلاث: الانبياء والائمة والعلماء. مرجعيتان اساسيتان تتصفان بالعصمة والكمال وتؤديان دورهما على أكمل وجه. أما المرجعية الثالثة فتتصف بالعلم والوعي وليست معصومة. وكلها تشترك في صبغة واحدة: تغيير العالم وتمكين الامة الخليفة من رسالة السماء لتتمكن من قيادة العالم نحو (يوم العدالة الإلهية) أو ما يسمى بـ (نهاية التاريخ).

فهدف هذه المرجعيات الثلاث واحد وهو تمكين الرسالة واستقبال القائد الذي يملأ الارض قسطاً وعدلا. فخط المرجعيات الثلاث واضح. ونجدها جانباً من هدف الأئمة الذين عملوا لإعداد الكتلة الواعية للاضطلاع بالمهمة.
وهناك ثمة مهمات لهذه المرجعيات:

1ــ الإشراف على ممارسة الإنسان وإعداده للخلافة.
2ـ إعطاء التوجيه بشأن الرسالة وأحكامها.
3ـ التدخل لمقاومة الإنحراف واتخاذ كافة التدابير لمنع إنحراف المسيرة. فكل إنحراف يعتبر نقطة سوداء في تاريخ الأمة.

هذه المهمات بدأت بشكل تطوري رتيب استمر منذ بواكير الغيبة الكبرى الى يومنا هذا في عملية نطمح أن تكون تصاعدية لتحقيق الاهداف. ولذلك ينبغي للمرجعية تحديد ملامح المسيرة وتسد النقص الانساني الناجم عن انتفاء العصمة، بهدف التشبه بالإمام الى أقصى قدر ممكن.

وأريد التحدث عن أبرز ملامح المرجعية المطلوبة لتحقيق هذا الهدف الكبير ليبقى متواصلاً مع رسالته وواقعه بشكل واضح.

الوضع التاريخي للمرجعية كان خاصاً بكل منهم من حيث الدائرة المعرفية. فعصر الشيخ الطوسي يختلف عن عهد السيد الخوئي، والتطورات الطبيعية والسياسية والاجتماعية والسيطرة على العالم والعولمة الحالية هو غير العصر السكوني الذي مر به الفقهاء السابقون. والأزمة الاجتماعية التي عصفت بالتشيع اثناء الغيبة الصغرى والى مطلع القرن العشرين جعلت من الواقع الشيعي بعلمائه ومنطلقاته جواً معزولاً عن حركة الصراع الاجتماعي. فليس هناك حراك سياسي او اجتماعي او نفسي. فماذا يفعل العلماء ازاء هذا الواقع؟

إن لديهم هدفاً واسعاً فقدموا الأهم على المهم، ونظروا للاحكام الشخصية وقدموها على قضايا الدولة. وأثر ذلك حتى على طبيعة الفتوى فجاء الفقه مثقلاً بأعباء الفقه دون الدخول في أمور الدولة والسياسة والدساتير لعدم وجود موضوع لها ولذلك كانت كتب الفقه متخمة باحكام الطهارة والنجاسة وجانب صغير للقضايا الاخرى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.

هذه النظرة تسربت للفقه وأثرت على ذهنية المرجع فبدأ يتحرك بهذه الرتابة حتى أصبح اللاحق يقلد السابق، ولذلك أصبحت الرسائل العملية مكررة لا تختلف إلا في جزئيات صغيرة. ولكن عندما انطلقت الأمة وأصبحت أمام واقع جديد وتحللت من الواقع الضاغط شعرت المرجعية بضرورة التطورالمرجعي لمواكبة تطورات العالم. وأصبح ذلك من الاشكالات الضخمة حول فقه أهل البيت (ع). وقد بدأت ارهاصات الصحوة في الجيل العلمائي الجديد ابتداءا بالمظفر ووصولاً الى الفقهاء اللاحقين وبذلك تم تجاوز حالة الركود التي مرت بالمرجعيات السابقة.

“ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون”، هذه نهاية التاريخ من واقع الفقه الاسلامي. خلافة الارض إذن هي من مسؤولية الفئة المؤمنة الصالحة بقيادة الامام الحجة (عج).

ثمة مقاربات تحدث عنها العلماء وأنضجها السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره) في أبحاثه حول المرجعية لتكون موضوعية وليست ذاتية لتجاوز مرحلة الركود والسكون.

ولذلك أولاها الشهيد الصدر أهمية بالغة، وأصبح على المرجع أن ينطلق من موضوع يضم جملة العلماء والناشطين والمفكرين والحركيين، فيبدأ عمله من هنا لتحويل المرجع من النظرة الذاتية الى المرجعية المؤسساتية وليس كما هو قائم، حيث يبدأ المرجع الجديد من نقطة الصفر بعد وفاة المرجع السابق فذلك يؤدي الى أخطاء كثيرة. يضاف الى ذلك أن تنظيم شؤون هذه المؤسسة الكبيرة يؤهل الجهاز المرجعي لتجاوز الاخفاقات الذاتية للمرجع ويكون بديلاً عن الحاشية التي تتكون من أشخاص جمعتهم الظروف.

أخفقت المرجعية الدينية المألوفة في الارتقاء بالواقع الى مستوى الأمة، وذلك بسبب عدم العمل وفق استراتيجية واضحة. فلكي يكون القلب بمستوى الجسم ينبغي ان يضخ الدم بما يكفي الجسم. أما إذا ضعف القلب وعجز عن تلبية مهمات الجسد، عطبت أعضاء الجسد. والشهيد الصدر أراد ان تكون المرجعية قادرة على تلبية حاجات المجتمع وآفاقه العلمية والسياسية ثم يبدأ في التطور فاذا مات المرجع إستمر المشروع قائماً فيرفع الأمة الى مستوى الاسلام.

وهكذا تؤدي المرجعية الى رفع مستوى الامة وترفعها الى المستوى الذي يجعلها تنتظر استقبال القائد المصلح، وليس أن تختلف هذه الامة في متى تعيّد ومتى تحيي ليلة القدر ومتى تصوم، كل ذلك بسبب التدني في هيكلية المرجعية التي نجلها ونعتقد أنها المرجعية الحقيقية للأمة.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *