أخبار عاجلة

اليهود عبرة لنا

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

عقيل العبادي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الامثال القرآنية
(ولقد ضربْنا للنّاسِ في هذا القرآنِ من كل مَثَلٍ لعلَّهم يتذكرون) الزمر: 27

 

سلسلة من الامثال القرآنية

 

اليهود عبرة لناقال تعالى: (مثل الذين حُمّلوا التوراةَ ثمَّ لم يحملوها كمثل الحمار يحملُ اسفاراً بئس مثلُ القومِ الذين كذّبوا بآيات الله والله لا يهدي القومَ الظالمين) الجمعة:5.

في هذه الحلقة من حلقات الامثال القرآنية نستعرض هذا المثل الشريف الذي يبين واقع اليهود وحقيقة بني اسرائيل من جهة، ومن جهةٍ اخرى يحذّر المسلمين ويذكرهم بأن مصيرهم ومثلهم كمثلِ اليهود، إذا تركوا العمل بالقرأن الكريم.

وقبل الخوض في هذا المثل المبارك لا بأس بتقديم مقدمة: ان بداية هذه السورة المباركة وهي سورة الجمعة، تبيّن المنزلة العظيمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتاب الكريم، وان الاميّين في خير وسلام ما داموا مع هذا الكتاب عملاً وسلوكاً بما علّمهم هذا النبي الامّي يقول سبحانه في مطلع هذه السورة الشريفة (هو الذي بعث في الاميّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياتهِ ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحمكة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين) الى ان يقول (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) 2،4.

وحتى يكون الامر اكثر وضوحا ًوجلاءاً لدى المسلمين ، يطرح القرآن الكريم قضية اليهود ويكشف الغطاء عن واقعهم المزيّف ليكونوا مثلاً للخزي والخذلان والذل والعار.

ان بني اسرائيل قوم اسبغ الله عليهم النعم واعطاهم من الثروات ومن المال والانعام الوفيرة جداً وفضلهم على العالمين (يا بني اسرائيل اذكروا نعمتيَ التي انعمتُ عليكم وأني فضلتكم على العالمين) البقرة: 47. ولكنهم استحبوا الكفر على الايمان، فأذاقهم الله لباس الخزي والجوع بما كانوا يقترفون من الاعمال البشعة والخروج عن حدود الله سبحانه وتعالى: (… وضربت عليهم الذلةُ والمسكنة وبآءوا بغضبٍ من الله ذلك بأنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عَصوا وكانوا يعتدون) البقرة: 61.


المثل الشريف:

وبعد هذا التمهيد البسيط ترى أن القرآن الكريم يفضح هؤلاء القوم فضيحةً أخرى، ويذكرُ لهم لونا ً آخر من ألوان حقيقتهم البغيضة التي بلغوها، فأن الله سبحانه قد ارسل اليهم موسى ‌‌‌‌‌‌‌‌‌(عليه السلام) نبياً صالحاً كريماً ، فجاءهم بالتوارة من عند الله وعلمهم وبين لهم كل حلال الله وحرامه وأوضح لهم سبيل الخير وسُبل الشر، وبشر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد علموا ووعوا مراد الباري سبحانه من خلال بيان النبي موسى (عليه السلام)، ولا سيما علماء بني اسرائيل، وقد كُلفوا بالعمل والتطبيق لهذا الكتاب (التوراة) (مثل الذين حُمّلوا التوراةَ) ولكن لم يعملوا بها ولم يجسدوها (…ثمَّ لم يحملوها…) فبعد الظلم والجور الذي فعله هؤلاء القوم وبعد الكفر منهم لم يبقَ لهم تلك القلوب الواعية والعقول الصافية لتستقبل هذا البيان العظيم والنور الالهي، لانه انما يستقر ويبقى في الضمير الحي والأفئدة النقيّة.

بل ان سيرة بني اسرائيل لم يتضح منها انهم قد فهموا التوراة حق فهمها، اللهم إلا علمائهم، فكذبوا بكل ما جاء فيها وأنكروها، ولم يقف اليهود عند هذا الحد بل انكروا نبوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي بشرَّ بها نبيهم موسى (عليه السلام) ، بدعوى انه رسول العرب (… قالوا ليس علينا في الأميين سبيل…).

وبعد كل ذلك مثلهم القرآن الكريم (بالحمار) الذي يحمل الكتب الضخمة والاسفار الكبيرة دون أن يميز بينها وبين أيّ حمل آخر، فهو ان حمل الماء أو الكلأ او التراب، أو إن يحمل كتباً فالأمر عنده سواء، غاية ما عنده أنه يحمل ويمشي دون وعي أو ادراك.

وبعدما وصل بنوا اسرائيل الى حالة الحماريّة البلداء استحقوا هذا المثل: (كمثل الحمار يحملُ اسفاراً ) بل هم اضل من الحمار كما يصرح القرآن بذلك (.. أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الاعراف: 179.
وقد قال أبو سعيد (مروان بن سليمان) في ذلك:

 

زوامل للأسفار لا علم عندهـم بجيّـدها إلا كعـلـم الأباعـر
لعمرُكَ ما يدري البعيرُ إذا غذا بأوساقهِ أو لاحَ ما في الغرائرِ

 

وتمثيلهم بالحماريّة هنا لاظهار صفة الجهل والبلادة، والحمار يحمل كل هذه الصفات الوضيعة، وهو أيضاً مخلوق بسيط ساذج يمكن ان يقوده الصغير والكبير مهما يحمل من الاحمال والأثقال، فيا لهم من قومٍ بؤساء حقراء (.. بئس مثلُ القومِ الذين كذّبوا بآيات الله والله لا يهدي القومَ الظالمين).

ومن هنا نعرف ان هذا الخطاب والمثل وان كان مضروباً في حق بني اسرائيل، ولكن يمكن ان يشمل كل قوم وشعب في كل زمان ومكان، إذا عملوا بمثل ما عمله بنو اسرائيل وتركوا تعاليم كتبهم ورُسُلهم، فينزل عليهم انواع البلاء والمحن وتشتد عليهم المصاعب وتكثر المتاعب، وتضيق عليهم الارض بما رَحُبت ويكون قويهم أشدَّ قساوة على ضعيفهم، وطواغيتهم اكثر وحشية على رعيتهم، حيث ان الخطاب شامل عام (.. بئس مثلُ القومِ الذين كذّبوا بآيات الله) الآية.

فالقرآن يحذر المسلمين المرحومين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوصول الى هذه الحالة التي وصل اليها اليهود، حتى لا ينسوا تعاليمهم الاسلامية ولا يتركوا العمل بهذا الكتاب الكريم، فإذا بلغ الامر في الامة ان تهجر القرآن، ولا تحيي تعاليمه، فان ذلك يؤدّي الى كارثة لا سمح الله، فكما أن لليهود امانة قد امروا بحملها والعمل بها، فكذلك نحن أيضا‌ً لابد لنا من الحفاظ على الامانة التي استودعها الله عندنا، ونسعى جاهدين أن لا تضيع ولا تندثر.

فإن صفة الحمارية المذكورة في الآية الشريفة تطلق على كل من علم ولم يعمل وهجر ما عنده من تعاليم وقيم سمحاء.

ومن هنا جاء الحديث الشريف: (العلماء باقون ما بقي الدهر ) فهو جاء في العالِم العامل الذي يظهر علمه للآخرين ويعمل وفق منهاج السماء المنزل، فأن مثل هؤلاء العلماء باقون ما بقي الدهر.

وأما من علم ولم يعمل ولم ينشر علمه فأمره صعب مستصعب، ففي الحديث الشريف عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (العلماء رجلان رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج وعالم تارك لعلمه فهذا هالك وأن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وان أشدَّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً الى الله تبارك وتعالى فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة وأدخل الداعي النار بتركه علمه وأتباعه الهوى وطول الأمل..) (1).

والله نسأل ان يهدينا الى سواء السبيل

 

والحمد لله رب العالمين

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

آية الولاية

آية الولاية

آية الولاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *