أخبار عاجلة
الرئيسية » المقالات الإسلامية » القرآن الكريم » دور الأصدقاء في تربية الفضائل

دور الأصدقاء في تربية الفضائل

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دور الأصدقاء في تربية الفضائلأثبتت التجربة تأثير الأصدقاء والعِشرة العميق على السلوك الأخلاقي، واتّفق جميع علماء الأخلاق والتربية والتعليم، على تأثير عنصر الأصدقاء ودور المعاشرة معهم، ففي حال كون الصّديق فاسداً ومنحرفاً، في دائرة السّلوك الأخلاقي، فسيؤثّر على صديقه السليم، من موقع الانحراف كذلك، والعكس صحيح أيضاً، فالكثير من المؤمنين، والأقوياء الإرادة، إستطاعوا أن يؤثّروا على زملائهم الفاسدين، على مستوى الهداية والإصلاح، بحيث جعلوا منهم اُناساً أتقياء، وملتزمين في دائرة السّلوك الدّيني والأخلاقي.


ونعود للقرآن الكريم، والآيات الّتي تتناول هذ الموضوع:

1 ـ ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (1).

2 ـ ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (2).

3 ـ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولا﴾ (3).


تفسير واستنتاج:

«الآيات الأولى»، التي وردت في محلّ البحث، تحدّثت عن جلوس الشّيطان، مع الغافلين عن ذكر الله، من منطق الغُواية، وتوضح تأثير قرين السّوء، في السّلوك الأخلاقي للإنسان ومستقبله، فتقول أولاً: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (4).

وبعدها يُبيّن القرآن الكريم، دور قرين السّوء في حركة الإنسان والحياة، فإنّ الشّياطين يوصدون طريق الهداية والحركة إلى الله تعالى، أمام الإنسان، ويقفوا عقبةً في طريق الوصول إلى الهدف المقدس، والأنكى من ذلك، أنّ هؤلاء المنخدعين يحسبون أنّهم مهتدون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾. وبعدها يتطرّق القرآن الكريم إلى النتيجة، فيقول: إنّ هذا الإنسان عندما يرد في عرصات القيامة، وعند حضور الجميع عند الله تبارك وتعالى، وكشف الأسرار والحقائق، يقول لقرينه الشّيطاني: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.

حيث نستوحي من هذه التعبيرات، بأنّ قرين السّوء، يمكن أن يحرف الإنسان من موقع الأغواء، عن طريق الباري تعالى، ويصدّه عن سبيل الهداية والصّلاح، فيهدم عليه دعائم الأخلاق، ويشوّه الواقع النّفسي والفكري له، فينخدع هذا المسكين ويحسب أنّه على هدىً، فإرجاعه عن غيّه، والعودة به إلى الصّراط المستقيم، سيكون ضرباً من المحال، ولن يستيقظ من أوهام الغفلة، إلاّ وقد فات الأوان، وبعد غلق طريق العودة عليه. وكذلك يُستفاد من الآية الشريفة، أنّ قرين السّوء يبقى دائماً مع الإنسان في حياته الاُخرويّة الأبديّة، وكم هو مؤلم، أن يرى الشّخص المسبّب في بؤسه وهلاكه، يعيش معه دوماً، ولن تنفع معه اليوم الأماني والآمال بالإنفصال عنه ومفارقته، فيقول: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (5).

وفي مضمون الآيات الآنفة الذّكر، الآية (25) من سورة فصّلت، فتقول: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾.

«الآية الثانية»: من هذه الآيات محل البحث، تتحدث عن الأشخاص الذين عاشوا مع أصحاب السّوء، وكانوا يتحركون معهم في أجواء الضّلالة والإنحراف، ولكن اللّطف الإلهي شملهم، وإستطاعوا بسعيهم وجدّهم في التّحرك بعيداً عن وساوس الشّيطان، وأنقذوا أنفسهم من الوقوع في براثنه، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى حافّة الهاوية، فُهنا يتحدث القرآن الكريم عن تأثير قرين السّوء في تكوين عقائد الإنسان وأخلاقه، ولكن ليس بالشّكل الذي يكون فيه الإنسان مجبوراً وغيرُ قادر على إنقاذ نفسه من شراك الزيغ فقال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (6).

دور الأصدقاء والعشرة في تربية الفضائل

وفي هذا الأثناء يذكر قرينه القديم، ويشرع بالبحث عنه، فينظر من أعالي الجنّة، فإذا به يراه في أعماق الجحيم: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. فقال له: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. فنرى من هذه الآيات، أنّ قرين السّوء بإمكانه أن يؤدي بالإنسان إلى الجحيم، لولا الإيمان والتّقوى ولطف الله تعالى في واقع الإنسان.

وفي «الآية الثالثة»: نرى التأسف الشّديد والتأثرّ العميق، الذي يعيشه الظالمون في يوم القيامة، بسبب إختيارهم ومصاحبتهم لأصدقاء السّوء، لأنّهم كانوا العامل الأساس في محنتهم الفعلية: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولا﴾.

وبناءً على ذلك فإنّ الظّالم في يوم القيامة، أول ما يتأسف على تركه الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقطعه للعلاقة معه، وبعدها يتأسف على توثيق العلاقة مع أصدقاء السّوء، وبعدها يصرّح، أنّ العامل الأصلي لضلاله، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين، ومرضى القلوب، وأن تأثيرهم عليه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة: (طبعاً عند المنحرفين فقط).

وأمّا «الآية الأخيرة»: فقد تحدثت عن أصدقاء السوء، وعبّرت عنهم بجنود الشيطان وأنّهم من شياطين الإنس، والجدير بالذكر، أنّ التعبير عن تأسّف هذه الجماعة، ورد بجملة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ…﴾، وهي أعلى مراحل التّأسف، ففي البداية، يعضّ الإنسان إصبعه بدافع الندم، وفي مرحلة أقوى يعضّ باطن كفّه، وفي مرحلة أشدّ يعضّ على يديه الإثنتين، وهو في الحقيقة نوعٌ من الإنتقام من نفسه، وأنّه لماذا قصّر في حقّ نفسه ورماها في التهلكة؟

فما يُستفاد من الآيات الآنفة الذّكر، هو أنّ الأصدقاء والأصحاب، لهم أثرهم الكبير في سعادة أو شقاء الإنسان، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب، بل وعلى مستوى العقائد أيضاً، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ والإنحراف، ويرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث، وخصوصاً في عصرنا الحاضر، الذي إنتشرت فيه وسائل الفساد، عن طريق رِفاق السّوء بصورة مُخيفة، وأصبحت سبباً من أسباب الانحراف والسّير في خطّ الباطل.


دور الأخلاّء في الرّوايات الإسلاميّة:

وردت روايات وأحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، تعكس أهميّة هذه المسألة، ففي حديث الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: «المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ» (7). وجاء هذا المعنى أيضاً في حديث آخر، نقل عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، أنّه قال: «وَلاْ تَصحَبُوا أَهْلَ البِدَعِ وَلاْ تُجالِسُوهُم فَتَصيرُوا عِنْدَ النّاسِ كَواحِد مِنْهُم».

ونفس هذا المعنى ورد عن الإمام علي(عليه السلام) أيضاً، وفيه تصوير عن حالة التّأثير المُتقابل، في دائرة التّفاعل المشترك بين الأفراد فقال: «مُجالَسةِ الأخيارِ تَلحَقُ الأَشرارِ بالأخيارِ وَمُجالِسةِ الأَبرارِ لِلفُجَّارِ تَلحَقُ الأبرارِ بِالفُجَّارِ». وجاء في ذيل هذا الحديث، عبارةٌ في غاية الأهميّة، حيث يقول: «مَنْ اشتَبَهَ عَلَيكُمِ أَمرُهُ وَلَم تَعرِفُوا دِينَهُ فانظُرُوا إِلى خُلَطائِهِ» (8). وفي بعض الروايات، ورد هذا المعنى في دائرة التّمثيل، فقال: «صُحبَةُ الأَشرارِ تَكسِبُ الشَّرَّ كَالرِّيحِ إُذا مَرَّتْ بِالنَّتِنِ حَمَلَتْ نَتِن» (9).

دور الأصدقاء والعشرة في تربية الفضائلويُستفاد من هذه التّعبيرات: أنّه وكما أنّ المعاشرة والصّحبة للأراذل، تهيىء الأرضية لحركة الإنسان نحو الانزلاق في طريق الشر، فإنّ المعاشرة مع الأَخيار تنير قلب الإنسان بضياء الهدى، وتحُيي فيه عناصر الخير. وهذا الموضوع، يعني سريان الحُسن والقُبح الأخلاقي بين الأصدقاء، في أجواء المُعاشرة إلى درجة من الوضوح، ممّا حدى بالشّعراء إلى نظم الشعر في هذا المضمار، من قبيل قولهم:


عن المرء لا تسلْ وسلْ عن قرينه        فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
(10)

الهوامش

الهوامش

(1) – سورة الزخرف، الآيات: 36 إلى 38.
(2) – سورة الصافات، الآيات: 51 إلى 57.
(3) – سوره الفرقان، الآية 27 إلى 29.
(4) – ذكروا معان مختلفة لكلمة «نُقيّض»، و التي هي من مادة قيض، فالبعض قال: إنّها بمعنى التسبيب، والبعض الآخر: بمعنى التقدير، والبعض الآخر: كالراغب قال: هي بمعنى استيلاء القيض على البيض، و هو القشر الأعلى.
(5) – سورة الزخرف، الآية: 39.
(6) – سورة الصافات، الآيات: 50 إلى 53.
(7) – اُصول الكافي، ج2، ص375: باب مجالسة أهل المعاصي، ح3.
(8) – بحار الانوار: ج71، ص197.
(9) – غُرر الحِكم.
(10) – الأخلاق في القرآن: ص136 – 142.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

آية الولاية

آية الولاية

آية الولاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *