أخبار عاجلة

قصة أصحاب الجنة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

قصة أصحاب الجنة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ سورة يوسف، الآية: 111
قصة أصحاب الجنةالْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَّهُ عِوَجَا، والصلاة والسلام على نبيّه الذي أنار الطريق للخلق بهديه من الظُلمات وعلى آله الميامين الطاهرين.

يدور محور بحثنا حول قصةٍ معبّرةٍ ذكرها القرآن الكريم في سورة القلم ألا وهي قصة أصحاب الجنّة، والتي تسلّط الأضواء على رجلٍ كان من أهل الخير والخيرات قد سنَّ سُنةً حسنةً مصداقاً لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (1)، وذلك عبر إعطاء زكاة فاضل مؤونته من بستانه الذي كان يملكه إلى فقراء بلده، ومن ثمَّ توفي ذلك الرجل وحاول أولاده طمعاً حرمان فاضل ذلك البستان، فكان العزيز الجبّار لهم بالمرصاد حيث حرمهم من خير ذلك البستان الذي كان مصدر خيرٍ لهم وللفقراء.

وقبل الدخول في تفاصيل هذه القصة المعبّرة لابد من أن نعرّج على مقدمةٍ لبحثنا ألا وهي التعرّف على معنى السُنَّة، من كتب اللغة والكتاب الكريم والسُنَّة النبويّة الشريفة. فأقول مستعيناً بالله تعالى:


أولاً: معاني السُنَّة في اللغة:

«السُنَّة» بالضم والتشديد والجمع «سُـنَن»، و«السَّـنَن» بالفتح تُطلق في لغة العرب على معنيين:

المعنى الأول: الطريقة والسيرة، قال لبيد:

مِن معشرٍ سنت لهـم آباؤهم      ولكل قومٍ سنةٌ وإمامهـا

وقال الفرزدق:

فجاء بسنة العُمْرين فيـها      شفـاء للصدور من السقام


المعنى الثاني:
العناية بالشئ، والرعاية له، يقال: «سنَّ الإبل، يسنُّها، سنّاً» إذا أحسن رِعْيتَهَا حتى كأنه صَقَلَها(2).


ثانياً: السُنَّة في القرآن الكريم:

تقسم السُنَّة إلى قسمين:

السُنَّة الحسنة: كقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ (3).

والسُنَّة السيئة: كقوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا﴾ (4).


ثالثاً: السُنَّة في الأحاديث الشريفة:

وردت ثلة من الأحاديث عن المعصومين (عليهم السلام): تحث على السُنَّة الحسنة وتنهى عن السُنَّة السيئة، – وقبل سرد الأحاديث لابد من الإشارة إلى معنى السُنَّة في الاصطلاح والشرع وهي: ما أضيف إلى النبي (ص) والمعصوم (ع) من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير. وقد يراد بالسُنَّة عند الفقهاء ما يقابل الواجب وتسمى بالمستحب أو المندوب أو النفل أو المرغوب فيه – أما ما ورد من الأحاديث روايتان وهما:

ومن كتاب لأمير المؤمنين (ع) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها: «… ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأمَّةِ واجْتَمَعَتْ بِهَا الألْفَةُ وصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا والْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا…» (5).

الإمام الصادق (ع): «ما من مؤمنٍ سنَّ على نفسه سُنَّة حسنة أو شيئاً من الخير، ثم حال بينهُ وبين ذلك حائل، إلا كتب اللهُ لهُ ما أجرى على نفسِه أيام الدنيا» (6).


آيات قصة أصحاب الجنة:

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾. من آية 17 إلى 33 من سورة القلم


القصّة:

قصة أصحاب الجنةفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) في قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، إنَّ أهل مكة ابتلوا بالجوع كما ابتلي أصحاب الجنة وهي كانت في الدنيا وكانت باليمن يقال له الرضوان على تسعةِ أميال من صنعاء.

وفيه بإسناده إلى ابن عباس أنه قيل له: إن قوماً من هذه الأمة يزعمون أن العبد يذنب فيحرم به الرزق، فقال ابن عباس: فوالله الذي لا إله إلا هو هذا أنور في كتاب الله من الشمس الضاحية ذكره الله في سورة: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ أنَّه كان شيخ وكان له جَنَّة وكان لا يُدخِلُ إلى بيته ثمرةً منها ولا إلى منزله حتى يُعطي كل ذي حقٍ حقّه، فلما قُبض الشيخ ورثه بنوه وكان له خمس من البنين فحملت جنتهم في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملاً لم يكن حملته قبل ذلك فراحَ الفتية إلى جنتهم بعد صلاة العصر فأشرفوا على ثمرةٍ ورزقٍ فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم.

فلما نظروا إلى الفضل طغَوا وبغَوا وقال بعضهم لبعض: إن أبانا كان شيخاً كبيراً قد ذهب عقله وخرف فهلموا نتعاقد فيما بيننا أن لا نعطي أحداً من فقراء المسلمين في عامنا شيئاً حتى نستغني ويكثر أموالنا ثمَّ نستأنف الصنيعة فيما استقبل من السنين المقبلة، فرضي بذلك منهم أربعة وسخط الخامس وهوالذي قال الله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. فقال الرجل: يا ابن عباس كان أوسطهم في السن؟ فقال: لا، بل كان أصغرهم سناً وأكبرهم عقلاً وأوسط القوم خير القوم، والدليل عليه…: إنَّكم يا أمة محمد، أصغر الأمم، وخير الأمم، قوله عزَّ وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال لهم أوسطهم: اتقوا وكونوا على منهاج أبيكم تسلموا وتغنموا فبطشوا به وضربوه ضرباً مبرِّحاً فلما أيقن الأخ منهم أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارهاً لأمرهم غير طائع.

فراحوا إلى منازلهم ثمَّ حلفوا بالله ليصرمن إذا أصبحوا ولم يقولوا إن شاء الله ! فابتلاهم الله بذلك الذنب وحال بينهم وبين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه فأخبر عنهم في الكتاب فقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلاَ يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قال: كالمحترق. فقال الرجل: يا ابن عباس ما الصريم؟ قال: الليل المظلم، ثمَّ قال: لا ضوء له ولا نور. فلمَّا أصبح القوم ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ، أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾، قال: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾، قال الرجل: وما التخافت يا ابن عباس؟ قال: يتشاورون فيشاور بعضهم بعضاً لكيلا يسمع أحد غيرهم فقالوا: ﴿لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ في أنفسهم أن يصرموها ولا يعلمون ما قد حلَّ بهم من سطوات الله ونقمته.

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَ﴾ وما قد حل بهم ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، فحرّمهم الله ذلك الرزق بذنبٍ كان منهم ولم يظلمهم شيئاً. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾، قال: يلومون أنفسهم فيما عزموا عليه ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، فقال الله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوكَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يقول السيد الطباطبائي (قده): وقد ورد ما يقرب من مضمون هذا الحديث والذي قبله في رواياتٍ أخر وفي بعض الروايات أن الجنة كانت لرجل من بني إسرائيل ثم مات وورثه بنوه فكان من أمرهم ما كان (7).

ولعلنا نستوحي من عموم القصة أن بعضاً من المُكذِّبين والمترفين الذين كانوا في محيط الرسول (ص) آنذاك ترجى لهم التوبة والهداية كأصحاب الجنَّة. وكذلك يضع القرآن أمامنا أعظم المواعظ والعبر وهي: ضرورة أن يتخذ الإنسان حوادث الدنيا وأحداثها علامةً وآيةً هادية لما في الآخرة (8).

الهوامش

الهوامش

(1) – سورة الأنعام، الآية: 141.
(2) – انظر: «لسان العرب» 13/220-229، «الصحاح» 5/1721-1723، «النهاية في غريب الحديث» 2/409-413، «المفردات في غريب القرآن» ص45 للراغب الأصفهاني.
(3) – سورة الإسراء، الآية: 77.
(4) – سورة فاطر، الآية: 43.
(5) – نهج البلاغة.
(6) – ميزان الحكمة: ح 8941.
(7) – الميزان: ج19، ص 38.
(8) – إعداد السيد علي الحسيني

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *