أخبار عاجلة
الرئيسية » المناسبات الإسلامية » مناسبات شهر رجب

مناسبات شهر رجب

[ A+ ] /[ A- ]

 

الشيخ نجيب التميمي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في فضيلة شهر رجب

شهر رجب من الاشهر العظيمة والمباركة عند الله عز وجل. وقد تظافرت الأخبار الواردة عن الحجج الطاهرة (عليهم السلام) في جلالة قدره ولزوم إحترامه وإنه شهر عظيم البركة وهو من الاشهر الحرم التي ذكرها الله تعالى في كتابه والتي هي: (رجب – ذي القعدة – ذي الحجة – المحرم).

ويسمى رجب بـ(الأصب) لانه تصب فيه الرحمة والمغفرة من الله تعالى الى العباد. ويسمى بالأصم أيضاً لعدم سماع صوت القتال وقعقعة الاسلحة فيه. ولقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) روايات متظافرة تشير الى الثواب العظيم والعطاء الجزيل لمن عرف حرمة الاشهر الثلاث (رجب وشعبان ورمضان) ولمن وصل الصوم في هذه الاشهر الثلاث.

ففي ثواب الاعمال ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (ألا إن رجباً شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) وفي الفقيه ورد عن الأمام الكاظم (عليه السلام): (رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات). وأفضل الاعمال في شهر رجب هو الورع عن محارم الله تعالى والصوم، فلقد روى سلمان المحمدي (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (من صام رجباً كله أنجاه الله من النار وأوجب له الجنة).

وعن الأمام الصادق (عليه السلام): انه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له بكل يوم صيام سنة ومن صام سبعة أيام من رجب أغلقت عنه سبعة أبواب النار ومن صام ثمانية أيام من رجب فتحت له ابواب الجنة الثمانية ومن صام خمسة عشر يوماً حاسبه الله حساباً يسيراً ومن صام رجباً كله كتب الله له رضوانه ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه).

وروى الصدوق عن علي بن سالم عن ابيه قال: (دخلت على الامام الصادق (عليه السلام) في شهر رجب وقد بَقـّيتْ منه أيام فلما نظر اليّ قال لي: يا سالم هل صمت في هذا الشهر شيئاً؟ قلت: لا, يا بن رسول الله. فقال لي: لقد فاتك من الثواب ما لم يعلم مبلغه الا الله عز وجل. ان هذا الشهر قد فضله الله وعظـّم حرمته وأوجب للصائمين فيه كرامته. فقلت: يا بن رسول الله فأن صمتُ مما بقي شيئاً هل أنال فوزاً ببعض ثواب الصائمين فيه؟. فقال (عليه السلام): يا سالم من صام يوماً من آخر هذا الشهر كان ذلك أماناً له من شدة سكرات الموت وأماناً له من هول المطلع وعذاب القبر ومن صام يومين من آخر هذا الشهر كان له بذلك جوازاً على الصراط ومن صام ثلاثة أيام من آخر هذا الشهر أمن يوم الفزع الاكبر من أهواله وشدائده وأعطي برائة من النار).

أما بالنسبة الى من لا يقوى على الصيام فقد عوضه الله تعالى بعمل آخر يحصل فيه على ثواب صيام شهر رجب. فقد سُـئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الذي لا يقدر على صوم شهر رجب لضعف او لعلة كانت به ماذا يصنع لينال ثواب الصوم فيه؟. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يتصدق في كل يوم برغيف على المساكين).

قيل: يا رسول الله فمن لم يقدر على هذه الصدقة ماذا يصنع لينال ثواب الصوم فيه؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يسبح الله كل يوم من شهر رجب الى تمام ثلاثين يوماً بهذا التسبيح مأة مرة. وهو: سبحان الأله الجليل سبحان من لا ينبغي التسبيحُ إلاّ له سبحان الأعز الأكرم سبحان من لبس العز وهو لهُ أهل).

ومن الاعمال المستحبة في شهر رجب: العمرة. فقد روي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): (ان العمرة في رجب تلي الحج في الفضل). كما واختص شهر رجب بأدعية واعمال خاصة واخرى مشتركة… فهناك اعمال وأدعية مختصة لأيام محددة كأعمال الليلة الأولى واعمال ليلة الرغائب وهي أول ليلة جمعة في شهر رجب والتي هي من الليالي العظيمة الشأن. وهكذا… فلكل ليلة عمل خاص بها.

ومن جانب آخر هناك اعمال وأدعية مشتركة في جميع أيام الشهر. ومن بين هذه الاعمال أدعية رائعة تقرأ في كل يوم من شهر رجب… منها الدعاء الذي يقرأ عقيب كل صلاة وفي كل صباح ومساء والذي هو: (يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه عند كل شر يا من يعطي الكثير بالقليل يا من يعطي من سأله يا من يعطي من لم يسئله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة اعطني بمسئلتي اياك جميع خير الدنيا وجمع خير الآخرة واصرف عني بمسئلتي اياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة فأنه غير منقوص ما أعطيت وزدني من فضلك يا كريم). ثم تقبض بيدك اليسرى على لحيتك وتحرك سبابتك اليمنى يميناً وشمالاً، وتقول: (يا ذا الجلال والاكرام يا ذا النعماء والجود يا ذا المن والطول حرّم شيبتي على النار).

هذا نزر يسير من اعمال هذا الشهر العظيم ومن أراد الزيادة فعليه ان يراجع الكتب المختصة امثال كتاب مفاتيح الجنان وكتاب المنتخب الحسني وكتاب ضياء الصالحين وغيرها من الكتب المعتبرة.

 
1 رجب: ولادة الامام الباقر (عليه السلام)

في غرة رجب من سنة 57 للهجرة سطع النور الخامس من انوار الولاية وبزغ نجم جديد في سماء الهداية … فمن ابويين علويين التقت الفروع الحسنية بالفروع الحسينية فانتجت تلك الثمرة المباركة والكلمة الطيبة التي ملئت الدنيا شذىً وعلماًَ وعبقريةً … ولدِ الامام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب في المدينة المنورة وعاش 57 سنة كانت مليئة بالجد والعطاء والدروس .. فكان المعلم الأوحد في زمانه ومن فيض علومه انتهلت جلّ العلماء الذين يعدهم التاريخ علماء. ومما لاشك فيه انه (عليه السلام) كان المتفرد في علوم الدين والدنيا في عصره كما يتضح ذلك من سيرته عند دراسة حياته الشريفة فقد كان له الاثر العظيم في توجيه الفكر الاسلامي الى الاتجاه السليم رغم كل الضغوط والموانع التي واجهته وحالت دون اداء رسالته بصورة كاملة وقد تكتم التأريخ على الكثير من الحقائق التي تتعلق بعطاء الامام وفضله الكبير على هذه الامة ولكن ما قد ظهر يكفي لألقام النائين عن الحق حجراً.

قال الذهبي في ترجمة الامام الباقر (عليه السلام): كان سيد بني هاشم في زمانه أشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم يعني شقه فعلم أصله وخفيه وان اول من لقبه بذلك هو جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد عن جابر بن عبد الله الانصاري المتوفي سنة 78هـ، ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: (يوشك ان تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد يبقر العلم بقراً فأذا لقيته فاقرأه مني السلام) (الفصول المهمة لابن صباغ ص 193).

وحكي عن ابي نعيم في كتابه (الحلية) انه سأل رجلٌ ابن عمر عن مسألة فلم يدر ما يجيبه فقال: اذهب الى ذلك الغلام واعلمني بما يجيبك (وأشار الى الأمام الباقر (عليه السلام) فسأله فأجابه فأنجد ابن عمر فقال: انهم أهل بيت مفهومون. والتعبير عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بكلمة مفهمون كان شائعاً في ذلك العصر وكان يعني انهم مؤيدون من عند الله تعالى يُلقي عليهم الرب علماً بالألهام.

ولذلك ترى الكثير من العلماء يقصدون الامام (عليه السلام) من كل أفق وصوب بحثا عن علمه الألهي وطلباًَ لحكمةٍ او فائدة علمية حتى روي عن عبد الله بن عطاء انه قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط اصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالة قدره في القوم يجلس بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه (1).

ونحن حينما نركز على مسألة علم الامام الباقر (عليه السلام) ونبين مقدارتفوقه من هذا الجانب على كل من عاصره ـ باستثناء ابيه الامام السجاد (عليه السلام) ـ فنحن لا نريد ان نحصر شخصيته العظيمة بصفة العالم فقط. كلا فقد اشتمل الامام على كل صفات الكمال من الشجاعة والحلم والكرم وغيرها من الصفات. ولم يكن هناك تفوق لصفة على اخرى فليس علمه بأكثر من حلمه وليست شجاعته باقل من كرمه وهكذا … وانما تمايزت هذه الصفات وطغى بعضها على بعض بحسب ظهورها على ارض الواقع… فقد كان عصر الامام الباقر (عليه السلام) عصراً مناسباً جداً لأن يشمر الامام عن ساعديه ويظهر ما خفي عن كنوز العلم لذا صارت هذه الصفة هي الصفة الغالبة على شخصه الكريم.

وكذلك حينما نعبر عن الامام بأنه باقر العلوم فأن هذا لا يختص به فقط فكل أئمتنا علماء حكماء وهذا ما نص عليه التاريخ بصورة واضحة . ولكن لنفس السبب الآنف الذكر اختلفت التسميات عن الائمة الكرام فهذا باقر وهذا جواد وذاك زين العابدين (عليهم السلام) … فالأئمة أصحاب هدف واحد وينشدون غاية واحدة ولكن تختلف اساليبهم في الوصول الى هذه الغاية العظيمة.
فالسلام على الامام الباقر الحكيم الشجاع السخي الحليم العابد الزاهد المجاهد في سبيل الله وصلى الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

 
2 رجب: ولادة الامام الهادي (عليه السلام) (على رواية)

ولد الامام الهادي (عليه السلام) على بعض الروايات في الثاني من شهر رجب الاصب سنة 214هـ، وكان مولده في ضاحية من ضواحي المدينة المنورة تدعى (صربا) وهي تبعد ثلاثة أميال من المدينة.

أبوه الامام الجواد (عليه السلام) وأمه من أهل المغرب اسمها (سمانة). وقد توفي والده الامام الجواد (عليه السلام) وعمره آنذاك 6 سنوات او ثمان وبقي بعده أكثر من ثلاثين سنة، عاصر خلالها مجموعة من ملوك بني العباس ابتداءاً بالمعتصم العباسي وانتهاءأً بالمعتز. ولعل الفترة التي عاصر فيها الامام (عليه السلام) (عليه السلام) للمتوكل العباسي كانت من اشد الفترات التي مرت على الامام (عليه السلام) حيث كان المتوكل من اشد الناس عداءاَ لعلي وأولاد علي (عليهم السلام) .. والذي في الحقيقة هو عداء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (حرب علي حربي وسلمه سلمي). ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق..).

فقد بلغ التعصب الاعمى والحقد الدفين بهذا الرجل الى حدٍّ جعله يقوم بأعمال يندى لها جبين كل مسلم فلقد جاء في تاريخي ابن الاثير والطبري ان المتوكل في سنة 236 هدم قبر الحسين (عليه السلام) وسواه بالتراب ثم امر بحرث الارض وزرعها ليضيع معالم القبر الشريف وقام في نفس الوقت بقتل عدداً كبيراً من زواره كما انه قام بأعادة السنة الاموية التي ابتدعها معاوية (لعنه الله) في شتم علي بن ابي طالب ولعنه على المنابر والتي كان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أمر بتركها ووعد بالمعاقبة على فعلها.. ومن هنا سمي المتوكل بمحِّي السنة ومميت البدعة ولا يدري المرء أيضحك أم يموت كمداً من هذه التسمية العجيبة.

فالمتوكل ومن سار على دربه ما هم الا شرذمة من المنافقين المتسلطين سواء سماه البعض بمحِّي السنة أم سموه بمُميت البدعة. فأن اعتبارات الناس وقوانينهم اذا لم تنسجم مع اعتبارات الله تعالى لا تساوي مقدار ذرة في ميزان الحق والانصاف.

وهكذا … فبعد ان رأى المتوكل وأزلامه التفاف الناس حول الامام (عليه السلام) وعظيم محبتهم له وتهافت العلماء على بابه اصدروا امراً بترحيل الامام الى سامراء ليبقى تحت الاقامة الجبرية وتكون مراقبتهم له امراً متيسراً وفعلاً تم ذلك ونقل الامام الى سامراء. ولكن ذلك لم يمنع الامام (عليه السلام) من اداء دوره في احياء شريعة جده والحفاظ على الدين الاسلامي الاصيل من ان تناله ايدي الظالمين.

جاء في المجلد الثاني من مروج الذهب للمسعودي ما نصه: ان جماعة من حاشية المتوكل سعوا بأبي الحسن الهادي (عليه السلام) الى المتوكل بأن في منزله سلاحاً واموالاً وكتباً من شيعته يستحثونه فيها على الثورة وهو يعد العدة لذلك فوجه اليه جماعة من الأتراك فهاجموا داره في جوف الليل فوجدوه في بيت (غرفة) وحده مغلق عليه وعليه مدرعة من شعر وليس في البيت شيء من الاثاث والفرش وعلى رأسه ملحفة من الصوف وهو يترنم بآيات من القران في الوعد والوعيد ويبكي فأخذوه الى المتوكل على الحالة التي وجدوه عليها فمثل بين يديه والمتوكل على مائدة الخمر وفي يده كأس فلما رآه اعظمه واجلسه الى جنبه ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه ولا حالة يتعلل عليه بها فناوله المتوكل الكأس الذي في يده فقال الامام (عليه السلام): (والله ما خامر لحمي ودمي فاعفني منه) فعفاه ثم قال له: انشدني شعراً أستحسنه. فاعتذر الامام (عليه السلام) وقال: (اني لقليل الرواية للشعر). فألح عليه ولم يقبل له عذراً فأنشده:

 

باتوا على قلل الأجبال تحرسـهم         غلب الرجال فما أغنتهم القــلل

واستـنزلوا بعد عزٍ عن معاقلهم          فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلـوا

ناداهم صارخٌ من بعد ما قبـروا          اين الأسرة والتيجان والحــلل

اين الوجوه التي كانت منعمــةً         من دونها تضرب الاستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين سائلهم          تلك الوجوه عليها الدود يقتتــل

اضحت منازلهم قفراً معطلــة ً         وساكنوها على الاجداث قد رحلوا

فبكى المتوكل بكاءاً شديداً، بعد ان ذكّره الامام بحجمه الحقيقي وبما سيؤول اليه أمره وهكذا نهج اولياء الله يذكرون بالله حتى في احلك الساعات ولا تأخذهم في الله لومة لائم … فالسلام عليك يا أبا الحسن ما طلعت شمس وما غربت سلاماً لا تحصي له الخلائق عدداً ويبقى دائماً سرمداً.
 
3 رجب: شهادة الامام الهادي (عليه السلام)

نقلت بعض الروايات ان شهادت الامام الهادي (عليه السلام) كانت في الثالث من شهر رجب سنة 254هـ . وانه (عليه السلام) استشهد بعد مضي سنتين من ملك المعتز وكان عمره الشريف آنذاك أربعين أو اثنين وأربعين سنة على اختلاف الروايات في سنة ولادته.

وجاء في الاعيان عن ابن بابويه انه (عليه السلام) مات مسموماً بسم دس اليه بأمر من المعتز العباسي لعنه الله، وليس من الغريب ان يقضي الامام مسموماً شهيداً. فهذا هو نهج آبائه وأبنائه الطاهرين وكما يقول جده أمير المؤمنين (عليه السلام): (لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش) ولكن الغريب هو تجاسر هذه الامة على سادتها وتجأهلهم لمقام أهل البيت (عليهم السلام) بعد ان رأوا منهم الآيات التامة والكرامات الجلية.

فلقد كان للامام الهادي (عليه السلام) من الكرامات الكثيرة والآيات الباهرة التي تدل على عظيم شأنه ومدى ارتباطه العميق بالله تعالى ما فيه آيات للسائلين .. وحجة على العالمين شأنه بذلك شأن كل أئمة أهل البيت الذين خلّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حججاً على الخلق وقادةً الى الصراط المستقيم.

ومن هذه الكرامات ما رواه بعض محدثي الشيعة والذي حاصله: ان يحيى بن هرثمة قد أرسله المتوكل مع ثلاثمائة من خاصته وجنده ليكونوا مع ابي الحسن الهادي (عليه السلام) من المدينة الى سامراء. وفي طريقهم الى المدينة مروا بالصحراء فذكروا ما يرويه الشيعة عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) او غيره من الائمة: انه ما من بقعة من الارض الا وفيها قبر او تصير قبراً فكان يحيى وبعض المرافقين له يسخرون من هذه المقالة ويقولون: كيف يملئ الله هذه الصحراء قبوراً !؟.

ولما وصلوا الى المدينة واعلموا الامام (عليه السلام) بأمر المتوكل استمهلهم الامام حتى يتجهز للسفر وكان الوقت صيفاً شديد الحرارة فاستعد الامام على سفره بملابس الشتاء ولبابيد ونحو ذلك فلما رأوا ذلك منه سخروا من الامام في قرارة انفسهم ولم يبدوا ذلك اليه. وسارت القافلة متوجهةً الى سامراء وبينا هم في الطريق اذ يصلون الى تلك الصحراء القاحلة. واذا بالسماء تتلبد بالغيوم ويسود الفضاء وهبت رياح هوجاء وصار المطر يتساقط بشكل لم يعهدوا له نظيراً فقام الامام وارتدى هو وخواصه الملابس التي هيئها واللبابيد ووزع ما بقي منها على يحيى وبعض أصحابه.

وظلت الريح والامطار تنتزع النفوس من الاجساد حتى مات جمع من جماعة يحيى . ثم تقشعت الغيوم شيئاً فشيئاً وسكنت الرياح وعاد الحال على ما كان. فألتفت الامام الى يحيى وقال له: قم وادفن أصحابك. هكذا يملئ الله الارض قبوراً حتى لا تبقى بقعة الا وفيها قبر. وقد تستغرب بعض من النفوس الضعيفة التي لم يغمرها الايمان بفيضه، وقد تشكك وقد ترفض. ولكننا نقول لهم ان هذه الكرامات التي ظهرت على أيدي الأئمة الطاهرين ماهي الاشيء يسير مما أعده الله لعباده المخلصين فالعامة والخاصة يروون الحديث القائل : عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون.

واذا كنا نقبل بعض التنبئات من عوام الناس، ونرى لها تحققاً في الخارج مما نصطلح عليه بالحاسة السادسة فما المانع ان يهب الله تعالى لأوليائه القدرة على معرفة بعض الحوادث المستقبلية او القيام ببعض الامور الخارقة فأذا كان عفريت من الجن قادراً على ان يأتي بعرش بلقيس الى حضرة سليمان (عليه السلام) في ثواني قليلة افلا يستطيع آل محمد وعباد الله المكرمين ان يأتوا بأفعال من قبيل الكرامات والمعاجز؟!. ولأجل هذه الكرمات ولأجل تلك المواقف العظيمة التي وقفها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانت قبورهم تبنى على مشارف السيوف او مشارب السموم كما قضى امامنا الهادي صلوات الله وسلامه عليه.

 
10رجب: ولادة الأمام الجواد (عليه السلام)

في عقيدتنا : ان الأمام الذي يختاره الله تعالى لكي يكون قدوة صالحة للخير والصلاح يلزم ان يكون كاملاً من جميع الوجوه لأن الأمامة اختيار الهي وامتداد طبيعي للنبوة وقيام بوظائف النبي من هداية الامة ودفع الخطر عن الدين وترسيخ القيم والمفاهيم الاسلامية في العقول والنفوس.

هذه هي الضابطة المختصرة جداً للامامة، ولنا أن نسأل هنا: هل يمكن ان تجتمع هذه الامور في صبي لم يبلغ الحلم ولم يتجاوز عمره السابعة من عمره؟ وفي مقام الجواب نقول: ان العمر وان كان مقياساً عند الناس في الاغلب الا انه ليس مقياساً عند الله تعالى فليس الاكبر سناً اعظم عند الله شأناً دائماً. فالعمل الصالح والنية الطيبة والمؤهلات الذاتية والموهوبة هو الذي يحدد القيمة الحقيقية للشخص في منطق القرآن الكريم. وعليه فليس من القبيح عقلاً وشرعاً ان يختار الله لوحيه او لأدامة وحيه من يمتلك المؤهلات الكافية حتى لو كان صغيراً في السن خصوصاً اذا عرفنا ان النبوة والأمامة اعتقاد يقوم على اساس المعجزة السماوية. فلا مانع من ان تكون احد معاجز النبي او الأمام كونه صغير السن، هذا من جانب.

ومن جانب أخر فالوقوع دليل الامكان كما يقولون. فلقد ثبت بالدليل القطعي ان الله اجتبى من عباده انبياءاً ورسلاً وهم لا زالوا صغاراً ولم يبلغوا مبالغ الرجال. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم بكل صراحة ووضوح. يقول الله تبارك وتعالى في سورة مريم: (وآتيناه الحكم صبياً)(2). ويقول أيضاً في نفس السورة: (… قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً. قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً). فاذا كان هذا جائزاً في مقام النبوة فهو جائز في مقام الأمامة بما انها امتداد للنبوة.

من هنا نحاول ان نمد اعناق الفكر ونرمي بحبال الشوق علنا نحضى باكبر عدد من الدرر والجواهر التي تكتنف بين سطور السيرة المعطر المشرقة للأمام التاسع من أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الامام ابو جعفر الثاني محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفرالصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد بن علي بن ابي طالب وصي رسول الله صلوات الله عليهم اجمعين. ويلقب بالجواد ولد في العاشر من شهر رجب سنة 195 للهجرة في المدينة المنورة. ومنذ اللحظة الاولى لولادته المباركة جلّله أبوه برداء الهيبة والسمو. حيث قال (عليه السلام) وهو الناطق بالحق: هذا هو المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه.

نعم لقد ولد الامام في الوقت الذي اختلفت فيه الشيعة ايما اختلاف وكانت الدعايات التي يطلقها المخالفين للحق تشق طريقها الى افئدة بعض السذج منهم وكانت تخرصات الواقفية الذين وقفوا على امامة الامام الكاظم وقالوا بغيبته تأخذ مأخذها فكانوا يشيعون ان الامام الرضا بعد ان وصل الى خمسٍ وخمسين سنة من العمر وليس له ولد فأن امامته ليست صحيحة وان هذا نقص فيه والعياذ بالله. اضف الى ذلك ان الامام الرضا كان يقول – قبل ولادة الجواد- ان أبني خليفتي عليكم فكانت ولادة الامام الجواد (عليه السلام) آية صدق للامام الرضا (عليه السلام) وابطال زعم للواقفية. فلما ولد الجواد (عليه السلام) ذهبت دعايات الواقفية ادراج الرياح واصبح ميلاده سبباً لأنتصار الحق واتحاد الشيعة.

والامام الجواد اقصر الائمة عمراً حيث ان عمره المبارك لم يتجاوز 25 سنة الا انه كان عمراً مليئاً بالعطاء وقبساً وهاجاً يستنير به المسترشدون. تسنم منصب الامامة وهو ابن سبع سنين واظهر من المعاجز والكرامات ما لا يسعه البيان وله من المساجلات والمناظرات ما أبهر العقول واخرس المتكلمين حتى انه سئل في مجلس واحد عن ثلاثين الف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين (لعل المراد ان الاسئلة وجهت الى الامام في أيام متعددة مع وحدة المجلس فيكون مجلسه اشبه بالمؤتمرات التي تطول أياماً تباعاً حيث يدور فيها البحث عن موضوع واحد او مواضيع متعددة). ومن شاء الزيادة فليراجع الكتب المتخصصة بالحديث عن سيرة الائمة ليرى مناظراته في مجلس المأمون وغيرها من المناظرات التي خفظها لنا التاريخ . وما ضيعه التاريخ كان أكثر.

 
13 رجب: ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام)

حينما تخشع الكلمات على سواقي الشفاه … وتكل سواعد المجذفين في المحيط الواسع… وحينما ترتعد فرائص الوجدان هيبةً ولا سكون… حينما يحين حين اشراقة النور فيلوذ عمش العيون الى مواطن الانكسار وتتوه الاقلام الدفاقة بين أسطر الزمان فلا وصف يظل ولا تشبيه يقارب وهكذا… متى ما صارت الفهاهة لجاماً للمفوّهين.. ومتى ما قصُرت خطوات المتسابقين عن اللحاق ومتى ما أعلن السابق عن عجزه مستسلماً بلا نزاع فاعلم انك قد ولجت الى روضةٍ غنّاء تعج بأجمل ما خلق الله من الجمال… وتعبق بأنفس الأريج… ويتدفق منها العسل المصفى. اعلم انك قد دنوت من رحاب علي بن ابي طالب.

ففي شهر رجب الأصب وبعد ثلاثين عاماً من حادثة الفيل كانت مكة تتهيأ لمخاض عظيم وتستعد الدنيا لولادة مباركة … ولادة أتسّمت بالقـُـدس وارتسمت على احداثها ومجرياتها آيات العظمة والجلال.

فبينا مكة تحتفل بالوافدين الى زيارة بيت الله في الشهر الحرام والناس يطوفون حول البيت كان من بين ذلك الجمع امرأة كريمة تؤدي مناسكها على وجه يختلف عن الاخرين وتطوف غير طوافهم فكأنها في لحظة من الزمان المستقل … وبين حناياها رغبة لا تجد له ملبيا الا الله تعالى … لقد كانت هذه المرأة اماً لثلاثة ابناء وبنت واحدة … رأت من قبل الآم االمخاض وصولة الطلق ولكنها تجد اليوم مخاضاً يختلف عن سوابقه… فوجّهت بصرها وقلبها الى رب البيت متبتلة اليه… مستمدة للعون منه قائلة: اللهم اني مؤمنة بك وبنبيك ابراهيم الخليل وانه هو الذي بنى هذا البيت اللهم فبحق البيت ومن بناه الا ما يسرت عليّ ولادتي.

لقد كانت في آخر اشواطها عند مقترب الركن اليماني.. واذا بجدار البيت العظيم ينشق ويستقبل المرأة العظيمة والمولود الأعظم.. وكأن نداءً خفياً يناديها: يا فاطمة ادخلي البيت فدخلت. سلام على مريم وابنها لما جاءت لتضع الوليد في بيت المقدس جاءها النداء ان يا مريم اخرجي ان البيت بيت عبادة لا بيت للولادة… فما الذي جعل الكعبة بيتاً للعبادة والولادة. لست ادري.

 

أقبلت فاطمة حاملةً خير جنين
جاء محفوفاً بنور القدس لا الماء المهين
وتردى منظر اللاهوت بين العالمين
كيف قد اودع في جنبٍ وصدر … لست ادري
لست أدري غير ان البيت قد رد الجواب
بابتسام في جدار البيت أضحى منه باب
دخلتْ فانجاب فيه البشر عن محض اللباب
انما أدري بهذا. غير هذا لست أدري
لست أدري وهو سرٌ فيه قد حارت عقول
حادث في اليوم لكن لم يزل أصل الأصول
مظهرٌ لله لكن لا اتحاد لا حلول
غاية الادراك ان ادرك بأني… لست أدري.

 

وخرجت فاطمة بنت أسد بعد ثلاثاً وهي تحمل على ذراعيها ذلك المولود العظيم الذي ما سبقه سابق ولا يلحقه لاحق في مثل هذه الولادة … فالكعبة تعرف وليداً واحداً تشرفت هي بولادته فيها الا وهو وليد البيت عليٌ.

ان ولادة علي (عليه السلام) بحد ذاتها من المعجزات الواضحة والآيات الجلية التي تدل على عظمة هذا العبد الصالح. وليس غريباً ان ينشق جدار الكعبة لتحتضن جدرانها وليداً ـ أو قل رجلاًـ يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. وهذا هو ديدن العظماء … فموسى يقذف في التابوت ليلقيه اليم بالساحل … وعيسى يولد من غير أبٍ ويكلم الناس في المهد صبياً ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) تزخر ولادته بالامور العظيمة فتسقط شرفات قصر فارس وتخمد نيرانهم وتغيض بحيرة ساوه وتغيض بحيرة اخرى وو…

أما لماذا كل هذا فهل هو أصطفاء ام تكريمٌ ام جزاء؟ قد يكون كل ذلك ولكنه بالدرجة الاولى بلاغ مبين للناس بشأن الوليد العظيم.

وسرت البشرى في بيوت الهاشميين فهرعوا يستقبلون فاطمة ما بين متعجب ومهنئٍ ومعين لها ومتطلع لرؤية ذلك الفتى… ومن بين هؤلاء مشى رجلٌ أزهر كريم يهمه امر هذا الفتى أكثر من اي شيء آخر أخذ يشق الصفوف حتى وصل الى فاطمة وناداها: اليّ اليّ أخي. فناولته اليه بكل جلال وخشوع . وهنا فتح علي عينه لأول مرة لتقع عينه على محيا ابن عمه النبي العظيم… فكان اول شيء ينظره علي هو وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ونحن اذ نجدد في كل عام احتفالنا ونعلن عن سعادتنا في مثل هذا اليوم انما نشاطر الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك الفرحة الكبيرة ونقدم اليه تلك التهاني الصادقة … ففرحنا في الحقيقة ناشيء وراجع الى فرح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمُر المسلمون بالفرح لفرحه والحزن لحزنه.

واذا كانت ولادة علي في بيت الله فأن شهادته كانت في بيت الله ايضاً ومن بين هذا وذاك كان قبله مسجداً لله تعالى ووجوده لله تعالى وهو القائل: ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه. فالسلام على أمير المؤمنين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

 
15 رجب: وفاة السيدة زينب (عليها السلام)

يصادف اليوم الخامس عشر من شهر رجب الذكرى السنوية لوفاة السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام) العقيلة الطاهرة والزهرة الناضرة والكريمة البارقة والروضة اليانعة سبطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعة الزهراء البتول (عليها السلام) ونجيبة سيف الله المسلول والسيدة المباركة والممتحنة الصابرة والمؤمنة المجاهدة. التي توفيت في مثل هذا اليوم من سنة 64 للهجرة في دمشق. وكان سبب وفاتها في ذلك المكان انها جاءت مع زوجها عبد الله بن جعفر الطيار أيام عبد الملك بن مروان الى الشام وذلك سنة المجاعة ليقوم عبد الله بن جعفر في ما كان له من القرى والمزارع حتى تنقضي المجاعة فماتت هناك ودفنت في بعض القرى التي سميت بعد ذلك بأسمها (قرية الست زينب).

وقيل ان سبب خروجها لم يكن نتيجة المجاعة التي ألمّت بالناس بل ان الأمويين أمروا زوجها بإخراجها من المدينة خوفاً من تهييج الرأي العام عليهم وعلى ما فعلوه مع أهل البيت (عليهم السلام) وبالخصوص مع الحسين (عليه السلام). ومهما يكن السبب فالعقيلة اعظم ممن يُجهل شأنها او تنكر مواقفها… فلقد وقفت مواقف الحق والبطولة وتحملت في سبيل دينها ما لا تتحمله الجبال الرواسي فقابلته بأيمان عظيم وصبر أعظم حتى جعلها الله مثالاً للمرأة المؤمنة المجاهدة ورفع الله من شأنها وزادها رفعة في الدنيا والآخرة فالسلام عليها يوم ولدت ويوم سبيت من أجل العقيدة الحقة ويوم ماتت غريبة نائية عن الأهل والاوطان.

 
24 رجب: واقعة خيبر

يوم طلع نجم الإسلام في سماء الدنيا حقدت اليهود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الإسلام والمسلمين وعملت بمختلف الطرق والحيل من أجل القضاء على الإسلام والايقاع برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه. ولقد ابتلي يهود المدينة وما حولها بمصير سيء نتيجة اعمالهم وتصرفاتهم السيئة ، فقُتل فريق منهم وأجلي آخرون مثل قبيلة بني قينقاع وبني النضير من أرض المدينة فسكنوا (خيبر) و(وادي القرى).

وكانت خيبر منطقة واسعة وخصبة تقع على بعد 42 فرسخا ً من المدينة وكان اليهود قد سكنوها قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنوا فيها سبع قلاع وحصون قوية لتحصنهم وتحفظهم. وكان عدد نفوسها يقارب عشرين الف نسمة بينهم عدداً كبيراً من المقاتلين الشجعان وبعد اجلاء يهود المدينة ولجوء قسم كبير منهم في خيبر ازداد عددهم وازداد بذلك خطرهم على الدولة الاسلامية وقد ظهر ذلك جلياً في مؤامراتهم وتشجيعهم للقبائل العربية على محاربة الدولة الاسلامية والقضاء عليها … فكان لهم دور فاعل جداً في رفد جيوش المشركين في واقعة الاحزاب مع قيامهم بأعمال شيطانية اخرى جعلت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرر استئصال هذه البؤرة الفاسدة.

فتحرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اليها في شهر جمادى الثانية في السنة السابعة للهجرة بجيش قوامة 1600 مقاتل بينهما مائتا فارس واستخلف على المدينة (غيلة بن عبد الله الليثي) ودفع رايته الى علي بن ابي طالب (عليه السلام) كما هو الحال في كل حرب شارك فيها علي بن ابي طالب (عليه السلام).

كان لكل حصن من حصون خيبر السبعة اسم خاص يعرف به فكانت عبارة عن (ناعم- القموص- الكتيبة- النطاة- شق – سطح – سلالم) وربما سمي بعض هذه الحصون بأسم زعيم الحصن وسيده مثل حصن مرحب. كما انهم كانوا قد بنوا عند كل حصن من تلك الحصون برجاً للمراقبة ولرصد كل التحركات خارج الحصن فكانت هذه الحصون من الأحكام والقوة بحيث كان من المستحيل إحداث أية ثغرة في حيطانها ومن اراد الاقتراب اليها رمي بالأحجار فجرح بها او قتل وهذا مما جعل عملية فتح هذه الحصيون امراَ صعباً على المسلمين. فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرسل الكتائب فتعود من دون تحقيق شيء يذكر وخصوصاً في حصن سطح وسلالم.

فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر وأعطاه رايته البيضاء وعلى رأس جماعة من المقاتلين ولكنه رجع وجنوده يتلاومون فيما بينهم وكل يتهم الآخر بالجبن والفرار. ثم أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمر بن الخطاب على رأس جماعة أخرى… فلم يزد على صاحبه شيئاً بل عاد- حسب ما رواه الطبري ح2 ص 300- فزعاً مرعوباً وهو يصف شجاعة مرحب وقوته البالغة فأغضب هذا العمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما جعله يجمع صناديد جيش المسلمين ويقول: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه كرار غير فرار) حسب ما نقل الطبري والحلبي في سيرته.

وقد أثارت هذه الجملة الخالدة الحاكية عن فضيلة وشجاعة وتفوق ذلك الفارس كل الركود المعنوي الذي بدء ينشر ضلاله على نفوس المسلمين جراء ما واجهوه من صعوبة في فتح هذه الحصون وجعلتهم يترقبون الغد بلهف شديد، حتى ان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الأمرة الا في ذلك اليوم.

ولما بلغ علياً (عليه السلام) مقالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (اللهم لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت). وأشرقت الشمس وتطاولت الاعناق. وأبرز بعض المسلمين صدره لعل النبي يختاره لهذه المهمة. ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يتجاوز تلك الصدور باحثاً عن شخص محدد سلفاً تنطبق عليه تلك الصفات.. وقال: أين علي؟ فقيل : يا رسول الله به رمد وهو راقد بناحية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتوني بعلي.

ان هذه العبارة تكشف عن أن ما أصاب علياً (عليه السلام) من الرمد كان من الشدة بحيث سلبه حتى القدرة على المشي وأعاقه عن الحركة. فجاء علي ووضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يده الشريفة على عيني علي وعلى رأسه ودعا له بخير فعوفي من ساعته حتى انه لم يرمد الى آخر حياته الشريفة. ثم دفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء الى علي وقال له: أذهب على بركة الله. وتوجه ابو الحسن الى ساحة القتال متسلحاً بأيمان صادق وعزيمة لا تلين. فكان أول من خرج اليه اخو مرحب ويدعى (الحارث) فتقدم الى علي (عليه السلام) وصوته يدوي في ساحة القتال بحيث تأخر من كان خلف علي من شدة الفزع كما نقل صاحب كتاب امتاع الاسماع حيث قال: فانكشف المسلمون وثبت علي. ولم يمض زمان حتى سقط الحارث مضرجاً بدمه. فغضب أخوه (مرحب) وخرج من الحصن وهو غارق في السلاح وتقدم الى علي يرتجز:

 

قد علمت خيبرُ اني مرحب           شاكي السـلاح بـطل مـجرب
إن غلب الدهرُ فاني اغلبُ           والقرن عندي بالدما مخضّــب

 
 
فأجاب علي (عليه السلام) :

أنا الـذي سمتنـي أمي حـيدرة           ضرغام آجام وليثٌ قسورة
عَبل الذراعين غليظُ القيصــرة           كليث غابات كريهُ المنظرة

 
وما هي الا لحظات حتى قـُدّت خوذة مرحب الى نصفين معلنةً عن انتصار علي (عليه السلام) ثم توجه الامام نحو الحصن الذي قد اغلق بابه الكبير فتناول علي الباب وانتزعه من مكانه وجعله ترساً يقاتل به حتى فتح الله على يديه ثم القاه عن يده حين فرغ من القتال.

وقد حاول ثمانية من أبطال المسلمين ومنهم ابو رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يقلبوا ذلك الباب أو يحركوه من مكانه فلم يقدروا على ذلك (3) وان كنت تعجب لذلك فهذا عليٌ يجيبك:

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (ما قلعتها بقوة بشرية ولكن قلعتها بقوة الهية ونفس بلقاء ربها مطمئنة راضية) (4). وهكذا فتح الله على المسلمين ونصرهم بفضل الحكمة البالغة والشجاعة العظيمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولتلميذه النجيب علي بن ابي طالب (عليه السلام) .
 
25 رجب: شهادة الأمام الكاظم (عليه السلام)

في صبيحة الخامس والعشرين من شهر رجب افاقت بغداد على مشهد مريع يذوب له القلب ويحترق له الضمير فعلى أحد جسورها القيت جنازة احاط بها عسكر الخليفة (اللارشيد) ومن بينهم نادى منادي الخليفة بكل استهزاء وسخرية وهو يشير الى ذلك النعش : هذا امام الرافضة!!.

نعم لقد كان ذلك النعش يحمل جسد الأمام المسموم وحجة الله على الخلق الذي نصبته السماء كان نعش الأمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.

كانت ولادة الأمام (عليه السلام) في قرية الابواء سنة 128 هجرية وكانت أمامته خمس وثلاثين عاماً حيث اضطلع بأعباء الأمامة منذ ان كان عمره عشرين سنة الى ان استشهد عام 183هـ وعمره خمس وخمسون عاماً.

ولقد عاصر خلال فترة امامته مجموعة من حكام الجور ممن جلسوا على كرسي الخلافة وأخذوا يتلاعبون بمقدرات الامة وكرامتها ابتداءً من المنصور الدوانيقي ثم المهدي العباسي الذي استمر ملكه 10 سنوات والهادي لمدة سنة واحدة ، وانتهاء بهارون الملقب -اعتباطاً وبلا مبرر- بالرشيد لمدة 15 عاماً.

وكان ملك بني العباس في تلك الفترة بتلك القوة والهيمنة جعلت من البعض ان يسميها بفترة العصر الذهبي. وياليت شعري كيف يوصف دهرٌ صبغ بالدم وارتقت عروشه على جماجم الشرفاء بالعصر الذهبي فالأحرى ان تسمى تلك الفترة (بالعصر الدموي).

وان تعجب فعجب تقديسهم لهارون الرشيد ووصفه بأمير المؤمنين … حتى كتبت عنه قصص الابطال وصّورت لعظمته الكاذبة افلاماً وانشدت في سموه المنحط قصائد التكبير والاجلال كيف ذاك وهو المغتصب لحق الله ورسوله.. كيف ذاك وهو الذي اصطبغت يده بدماء المؤمنين والمسلمين حتى وصل الأمر به ان يعتدي على سيد المسلمين والمؤمنين في زمانه وهو الأمام الكاظم (عليه السلام).

ان المستقرأ لتاريخ وسيرة الأمام (عليه السلام) يتعرف بوضوح على مقدار الظلم والعدوان الذي مارسه المغتصبون لحق آل محمد ويقطع بأن الرشيد بالذات ومن سبقه لم يكونوا ليؤمنوا بالله طرفة عين ابداً … والا فكيف نصدق دعوى من يدعي الايمان بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يعذب ويسجن ويقتل أولاد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وذريته.

وهكذا فقد عانى الأمام الكاظم (عليه السلام) اشد المعاناة حتى بقي في السجن فترة طويلة ً من حياته وهم ينقلونه من معتقل الى آخر ومن طامورة الى آخرى الى ان قضى مسموماً غريباً شهيداً في سجون الرشيد صاحب العصر الذهبي. لقد كانت المحنة التي عاشها الأمام (عليه السلام) محنة شديدة جعلت بعض الكتاب يجعلها في المرتبة الثانية بعد محنة سيد الشهداء، وهذا ليس ببعيد… .

ولكن وبالرغم من كل العراقيل التي وضعها الظالمون … وبالرغم من كل اساليب الغطرسة والارهاب وبالرغم من انه وضع بين جدران اربعة مغيباً عن الناس الا ان الأمام كان يقود الدنيا بعلمه وحلمه واخلاقه . فكان يدافع عن دين الله ويرد على الشبهات ويدفع بالنفوس الصغيرة الى حرم الايمان والطهارة …

وهكذا كان شأن كل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فهم قادة الخلق والحجج الباهرة على هذه الامة وصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: (اجعلوا أهل بيتي فيكم مكان الرأس من الجسد ومكان العينين من الرأس فأن الجسد لا يهتدي الاّ بالرأس والرأس لا يهتدي الاّ بالعينين) (5)

ومن المأثورات التي حفظها التاريخ عن سيرة الأمام الكاظم (عليه السلام) هذه الحادثة التي نختم بها هذه السطور ونحن نتعلم درساً عظيماً من دروس أهل البيت (عليهم السلام) ونحن ننقلها بتصرف واختصار.

يروى ان رجلاً من أهل الري كانت عليه ديون كثيرة لديوان الدولة.. وكان العامل على استيفاء هذه الديون رجلاً من المنتمين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وبحسب موقعه كانت له صلاحية واسعة في مجال عمله. يقول هذا الرجل المدين : لما عجزت عن اداء الدين عزمت على الهروب الى الله تعالى فذهبت الى حج بيت الله الحرام وهناك تشرفت برؤية مولاي الصابر ـ أي الأمام الكاظم (عليه السلام) ـ فشكوت حالي أليه وأذا بالأمام يكتب لي كتاباً الى ذلك الرجل المسؤول على الديون , وكان في الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم اعلم ان لله تحت عرشه ظِلاً لا يسكنه الا من أسدى الى اخيه معروفاً أو نفسّ عنه كربة أو أدخل على قلبه سروراً وهذا أخوك والسلام ).

يقول: فأخذت الكتاب وذهبت به الى ذلك الرجل فسألني حاجبه عن حاجتي فقلت له : قل لمولاك اني رسول الصابر أليه، فلما سمع الرجل بذلك خرج حافياً مسرعاً وفتح الباب وقبلّني وضمني اليه ثم ادخلني واكرمني غاية الاكرام واسقط عني جميع الديون وقاسمني ما يملك واعطاني قيمة ما لايمكن قسمته ثم قال: يا أخي هل سررتك فقلت : أي والله.. وخرجت من عنده معززاً مكرماً.

وبعد مدة ذهبت الى حج بيت الله تعالى وهناك التقيت بالأمام (عليه السلام) وجعلت احدثه بما فعل الرجل معي ووجه الامام يتهلل فرحاً فقال (عليه السلام) هل سرك ذلك؟ فقلت: نعم يا سيدي فقال (عليه السلام): اما والله لقد سرني وسر أمير المؤمنين (عليه السلام) والله لقد سر جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقد سر الله تعالى (6).

 
26 رجب: وفاة أبي طالب (رضي الله عنه)

ونحن نستعرض مناسبات هذا الشهر الشريف نجد من اللازم علينا ان نتوقف عند يومه السادس والعشرين وقفة تأمل واجلال. حيث يصادف هذا اليوم ذكرى مؤلمة على قلوب المؤمنين ومحزنة لنفوس الاولياء. تلك الذكرى التي بكى لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واظهر لأجلها منتهى الحزن والألم فاسمى عامه بأجمعه (عام الاحزان) تقديراً منه لصاحبه الذكرى ففي مثل هذا اليوم من السنة العاشرة للبعثة انتقل الى رحمة الله تعالى العبد الصالح والمؤمن المجاهد ابو طالب بن عبد المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاميه وناصره والذاب عنه بالنفس والأولاد.

لقد تكفلّ ابو طالب بالنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ان كان عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 8 سنوات واستمر على هذه الحالة الى آخر لحظة في حياته فكان الدرع الذي يقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤامرات الكافرين وكان المأوى الذي تبدد معه يتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الناصروالمعين حيث لا ناصر ولا معين وبالرغم من كل التصريحات التي صرّح به ابو طالب (رضي الله عنه) وبالرغم من كل القرائن العلامات التي تؤكد اسلامه وعظيم ايمانه الا اننا نجد- وللأسف- بعض العقول التي أبت على نفسها الا التحجر والابتعاد عن الحق ترمي هذا الرجل الصالح بما هو بريء منه تماماً. فيقول قائلهم ان ابا طالب لم يؤمن بالله ورسوله ولقد مات الرجل على غير دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). مستندين في كلامهم الى حديث وضعه اعداء ابي طالب واعداء أمير المؤمنين.

ونحن في الواقع لا نعجب من هذه التقولات والتخرصات. فلقد قالوا على الله ورسوله ما هو أعظم من ذلك. والقرآن والسنة يؤكدان هذا المعنى.. فلقد قالوا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (انه يهجر) واتهموا احدى نسائه بالخيانة والعياذ بالله فلا عجب ان يقولوا عن ابي طالب ما قالوا…

ونحن نقول لهؤلاء الذين لا يكادون يفقهوا حديثاً … ما هو جوابكم على قول ابي طالب هذا: ولقد علمت ان دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا. لكن القضية في واقعها ليست مع ابي طالب… بل انها مع علي بن ابي طالب (عليه السلام) … فلو كان ابا طالب اباً لمعاوية او لعمر بن العاص او لخالد بن الوليد او لعبد الرحمن بن ملجم لكان رجلاً مؤمناً مجاهداً…

هذه هي الحقيقة شئنا ان أبينا… انه صراع الحق والباطل… صراع القيم والخرافة وشتان ما بين الحقيقة والاسطورة. وأرى من جميل القول أن انقل هذا الاستدلال الذي ليس بعده دليل والذي نُقل عن امامنا زين العابدين (عليه السلام) وفيه يثبت ايمان ابي طالب بما لا يُبقي في النفوس ادنى مقدار من الشك. ويلقم المتخرصون حجر الفهاهة. حيث يقول الامام (عليه السلام): انه من الثابت عند كل المذاهب الاسلامية ان فاطمة بنت أسد أم علي وزوجة ابي طالب كانت من اوائل المسلمات والمؤمنات برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وان هذه المرأة قد توفيت بعد وفاة ابي طالب بمدة مديدة. فلو كان ابو طالب غير مسلم فلماذا لم يفرّق النبي بينه وبين زوجته كما فعل ذلك مع بعض النساء المؤمنات اللواتي اسلمن وكان ازواجهم مشركين… حيث لا يجوز شرعاً ان يكون الكافر زوجاً لمسلمة. فهل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يداهن في احكام الله- وحاشاه- ام كان ابو طالب وزوجته استثناءاً من القاعدة والحق انه لا هذا ولا ذاك. وانما كان ابو طالب مسلماً مؤمناً كزوجته المؤمنة غاية الامر انه كان يكتم هذا الايمان شأنه بذلك شأن مؤمن آل فرعون… وكباقي المسلمين في اول سنوات البعثة. وما كان هذا الكتمان الا لأجل الحفاظ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والدفاع عنه من كيد الظالمين.

فسلام على المجاهد ابي طالب وجزاه الله عن رسوله وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ورزقنا الله شفاعته يوم القيامة.

 
27 رجب: ذكرى المبعث النبوي الشريف

اذا ما وقفنا على ربوة تشرف على الدهر… وتطلّ على كل صغيرة وكبيرة من احداثه ومواقفه … واذا فتشنا ما بين طياته عن سنةٍ مباركةٍ وشهرٍ مباركٍ ويومٍ مباركٍ ولحظةٍ مباركةٍ فأننا سنكون في محضر بريق يتلألأ في جوانب متعددة من ذلك الوادي .. وسنلمح رياضاً طاغيةً بالجمال… ولكن هذا البريق وتلك الرياض تتفاوت فيما بينها في الشدة والضعف فربّ بريق لا تقوى الابصار على مواجهة شعاعه فتستظل الاحداق في جنبات البصائر… ورب رياض يُغمى على داخلها من ذكاوة الأريج..

وما بين هذا البريق وتلك الرياض يشرق شهر رجب من السنة الاربعين لعام الفيل معلناً عن احتضانه لذلك العيد العظيم وتلك المناسبة التي غيّرت وجه الدنيا.. وتلك الصفحة المشرقة في حياة الانسانية الا وهي ذكرى المبعث النبوي المبارك.

ففي السابع والعشرين من شهر رجب على اصح الروايات والاقوال نزل الوحي الألهي متمثلاً بالروح الأمين على قلب خاتم الانبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) معلناً من بداية عهد جديد من النور والهداية والصلاح … ومؤذناً بتفعيل الشريعة الاسلامية الكاملة على هذه البسيطة وابتدأت منذ تلك اللحظة الثوة العادلة والمنهجية الحكيمة والديانة الحق التي فيها صلاح الدنيا والآخرة .

أرسل النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعدالة والمساواة … بكل قيم الخير والصلاح … ليطهر هذه الارض من الأوثان والضلال وعبودية غير الله تعالى.. واذا كان هناك خلاف في تاريخ المبعث النبوي الشريف… فأن هذا الخلاف لا يسلب المناسبة العظيمة مكانتها عند الله ورسوله والمؤمنين فيوم المبعث من الاعياد المباركة والمناسبات المهمة في تاريخ أُمتنا الاسلامية وينبغي علينا في مثل هذا اليوم ان نستحضر في انفسنا الرحمة الالهية الواسعة التي غمرتنا بأرسال هذا الدين العظيم … والجهود الكبيرة التي بذلها سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من اجل تحقيق اهداف السماء … فمباركٌ على المؤمنين هذا العيد السعيد.. والصلاة والسلام على منقذنا وحبيبنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آله الذين وازروه وساندوه وبذلوا كل غالٍ ونفيسٍ وعلى أصحابه الذين جاهدوا وساروا على نهجه الكريم .

 
28 رجب: خروج الامام الحسين (عليه السلام)

بعد ان فعل ما فعل من الظلم والاستبداد وقتل الابرياء اختتم معاوية بن ابي سفيان جرائمه بحق الإسلام والأنسانية بجريمة تنصيب ولده الفاسق الفاجر يزيد ولياً لعهده وأجلسه على عرش الخلافة الاسلامية أميراً وحاكماً يتصرف في الامة الاسلامية كيفما يشاء.

وفعلاً ما هي الا أيام قلائل واذا بالمنية انشبت اظفارها واختطف الاجل ذلك الملعون وجلس ملعون آخر في مكانه مغتصباً- كأبيه- لحق آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان اول شيء قام به هو انه ارسل الى عامله في المدينة المنورة الوليد بن عتبة يأمره بأن يأخذ البيعة من أهل المدينة عامه ومن الحسين بن علي (عليه السلام) على وجه الخصوص. وكما روى اليعقوبي: ان نص الرسالة كان: (اذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة فأن امتنعا فاضرب أعناقهما. وابعث اليَّ برؤوسهما وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم) (7).
ووصلت الرسالة واستدعي الحسين (عليه السلام) وعرضت عليه البيعة!.

فماذا تتصور ايها القارئ العزيز… الحسين بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن علي بن ابي طالب (عليه السلام) وابن فاطمة الزهراء (عليها السلام) … الحسين سليل الهدى وهو الامام ان قام وان قعد كما عبّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (الحسن والحسين امامان ان قاما وان قعدا), الحسين رمز الطهر والتقوى واحد أصحاب الكساء… يجري في عروقه دم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وروح علي بين جنبيه… الحسين يمثل كل خير وصلاح عرفته البشرية.

ويزيد بن معاوية… الفاسق المتهتك شارب الخمر اللاعب بالقرود. يغفو والكأس على شفتية… ويفيق والكأس على صدره … نجيعة السوء و… يزيد كان يمثل قمة الانحراف والانحطاط. ومع هاتين الصورتين … ماذا سيحدث؟ سيجيبك ابو الاحرار قائلاً: (انّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله).

وفعلاً ما كان للحر أن يركع للعبيد وما كان للمؤمن ان يمد يده ذليلاً للفاسقين … وليس هناك خيار امام الحسين يستطيع من خلاله ان يحفظ دين جده الذي بات على شفيرالهاوية بعد أن وضعت مدية يزيد على رقبة هذا الدين العظيم . سوى ان ينهض بتلك النهضة العظيمة ويزلزل الارض تحت اقدام الظالمين… وفعلها ابو عبد الله … وحقق النصر العظيم وقتل يزيداً وبدد كل آماله الخائبة.
ظنوا بأن قتل الحسينَ يزيدُهُم لكنما قتل الحسينُ يزيدا

 
آخر رجب – غزوة تبوك

(تبوك) قلعة قوية محكمة، رفيعة الجدران عند عين ماء على الشريط الحدودي السوري، كانت بيد الامبراطورية الرومانية وكان سكانها نصارى على دين المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) .
كادت هذه المنطقة ان تكون مسرحاً لحربٍ لمواجهة عنيفة… ولكن مشيئة الله اقتضت ان ينتصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجيشه من دون قتل او قتال.

فلقد روى المؤرخون ان الدولة الرومانية لما شاهدت الانتشار السريع للاسلام والفتوحات المتوالية لانصار الحق دبَّ الرعب في قلوبهم وعرفوا انهم ليسوا ببعيدين عن القبضة الحديدية لمحمد صلى الله عليه وآله و سلم وانصاره فعزموا على ان يباغتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وان يقضوا على هذا الدين الجديد. فجيّشوا الجيوش واستعدوا للحرب بجيش قوامه (40000) فارس وراجل مجهزاً بأحدث الاسلحة والتجهيزات آنذاك. واستقر هذا الجيش على الشريط الحدودي لأرض الشام والتحقت به قبائل عديدة تسكن الحدود مثل (لخم- عاملة- غسان- جذام) وتقدمت طلائع ذلك الجيش حتى منطقة (البلقاء) .

ولما بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استعداد الروم لغزو بلد الإسلام لم يَرَ بُداً من أن يرد عليهم ويقف في وجه هذه المؤامرة اللعينة. وفعلاً نادى منادي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحرب والجهاد فتجمعت أفواج المؤمنين من كل صوب وحدب ينتظرون أوامر النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) … فكان عدد جيش المسلمين ما يقارب (30000) مقاتل متسلحين بالايمان ومتدرعين بحب لقاء الله تعالى.

لقد كانت تبوك ابعد نقطة خرج اليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع غزواته لذا كان يدرك تماماً صعوبة الإخلاء الكامل للمدينة المنورة. فلا مانع من ان تقوم القوى المضادة للاسلام بقلب الاوضاع في المدينة وبالتالي القضاء على مهد الرسالة الاسلامية. فكان من اللازم ان يستخلف في المدينة من هو بمستوى هذه المسؤولية ومن يستحق ان يكون أهلاً لهذه الأمانة. ولم يكن هناك من هو أكثر لايقةً من علي بن ابي طالب (عليه السلام) ، هذا مع ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم- بما علمه الله تعالى- انه لن يحدث قتال في هذه المعركة.

لذلك كانت غزوة تبوك الغزوة الوحيدة التي لم يرفع فيها علي (عليه السلام) راية المسلمين ولم يشارك- جسدياً- فيها. فأستبقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة قائلاً له: (أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي. يا علي ان المدينة لا تصلح الاّ بي او بك).

ولقد أزعج هذا الاستخلاف منافقي المدينة الذين كانوا يتربصون بالإسلام الدوائر … فبقاء علي (عليه السلام) في المدينة يعني ان آمالهم ستذهب ادراج الرياح. فأخذوا يطلقون الاشاعات ويتقولون الأقاويل، فقالوا: ما خلّف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً الا استثقالاً له وتخففاً منه مما حدا بعلي ان يذهب الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينقل له عن ارجاف المرجفين فقال (عليه السلام): (يا نبي الله زعم المنافقون انك انما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني!). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ كلمته التاريخية الخالدة التي سجلها كل كتّاب السير والتأريخ من كل الفرق الأسلامية، حيث قال صلى الله عليه وآله و سلم: (كذبوا… أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي).
فرجع علي (عليه السلام) الى المدينة ومضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى تبوك.

الا ان جيش الروم لما علم بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجيشه أخذهم الرعب ولاذوا بالفرار وتم النصر العظيم من دون ان يكون هناك قتال بين المعسكرين. ان في هذه الغزوة الكثير من المداخلات والقضايا الجانبية التي تنم عن حكمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشجاعته.. لذا نرجوا من القارئ الكريم ان يطالع ما كتبه أصحاب السير عن هذه الغزوة وملابساتها وبالخصوص ما كتبه سماحة الشيخ السبحاني في كتابه سيد المرسلين(8)
فأقرأ واحكم.

الهوامش

الهوامش

1- في رحاب ائمة أهل البيت في سيرة الباقر ص 7.
2- سورة مريم آية 12.
3- راجع تاريخ الطبري ج2 ، سيرة بن هشام ج2 ص 349، تاريخ الخميس ج2 ص 47.
4- بحار الانوار ج 21 ص 40.
5- اثبات الهداة ج1 ص 560.
6- كتاب قضاء حقوق المؤمنين لأبي طاهر الصوري ص 174.
7- تاريخ اليعقوبي.
8- سيد المرسلين ج 2 ص553.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

مناسبات شهر ذي الحجة

PDF | طباعة | أرسل لصديق [ A+ ] /[ A- ]   الشيخ نجيب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *