أخبار عاجلة
الرئيسية » المناسبات الإسلامية » مناسبات شهر محرم الحرام

مناسبات شهر محرم الحرام

[ A+ ] /[ A- ]

 

الشيخ نجيب التميمي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

10 محرم الحرام: عاشوراء الحسين (عليه السلام)

قُدّر لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يكونوا في طليعة قوافل الشهداء التي صانت بدمها الزكي حركة المجتمع الإسلامي والمفاهيم الإسلامية الصحيحة. وثورة الحسين (عليه السلام) تحتل مكانة الذروة بين قوافل الشهداء وتمثل القمة التي تنحدر عنها مواقف البطولة والأباء لانها رأس الحرية وأساسها… وآخر خطوات المجد وأولها… ثورة بُذرت بيد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) في أرض طيبة مباركة فأينعت وطابت ثمارها… ثورة حفلت بألوان التضحيات – وكل تضحياتها جسيمة- والمواقف البطولية مما جعلها تمتلك الضمائر الحية وتهيمن على النفوس الطيبة فصارت مناراً يهتدي به الثائرون ومعيناً يرتوي منه من رام نشوة الأباء والكرامة.
ونحن نستعرض- هنا- القصة الكاملة لهذه الثورة العظيمة في مواقفها التاريخية مع مراعاة الاختصار وتجنب تحليل الأحداث والتعليق عليها، فنقول: منذ اللحظة الأولى للرحيل المفجع لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ شرخ الانحراف يتضح في كيان الأمة الإسلامية وأُخرجت معاول التهديم من مخابئها، فأُبرزت مطامع وتولدّت أمم واستلبت حقوق.

 

فكان ما كان مما لست أذكره        فظن خيراً ولا تسأل عن السببِ

 

وتلاحقت الأيام والفتق يتسع، والأمة تبتعد عن شواطئها… وبدأت معالم الدين وأحكامه تتغير… وصارت المقدرات رهن أصابع تجهل الصواب أو تتعمد الإفساد… هذا وعيون النخبة الصالحة والأمناء على هذا الدين تراقب الوضع بدقة بالغة… فترتق ما يمكن رتقه… وتشعب الصدع بقدر ما تستطيع وما يُفسح لها من مجال… فلرب نبيٍ لا يُكرم في داره. وتفاقمت الأمور فصار أهل الحق وحماة الشريعة وهم آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوماً يُستساغ قتالهم ويحل قتلهم فأوقدت نارٌ للبغي في البصرة… ونجم قرن للشيطان في الشام… ومرق دعاة الضلال في النهروان… في محاولات مهما تبرقعت ومهما أعتُذر عنها لم تكن تؤدي ألا إلى تشتيت الأمة واضلال الناس وقتل الدين المتمثل في رجاله المخلصين.

فألجمها علىٌ بسيفه… وأطفأ النار بأخمصه… وبقي يجر زمام الصعبة في محاولة لإرجاعها إلى الصراط المستقيم… ولكنها أبت وازدادت نفوراً… حتى غودر عليٌ مخضباً بدمائه في محراب الصلاة… وبوسعك ان تتصور مقدار الانحراف الذي انتعش في الأمة من خلال مقتل علي (عليه السلام) على يد أناس يدعون الإسلام ومن خلال العيون الكثيرة التي أقرها مقتل علي (عليه السلام) فهل هناك نكبة أعظم من الرضا بقتل نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبيبه.

وعودٌ على بدء … واجه الإمام الحسن ما واجه أبوه… بداية ونهاية. ويجب ان ننبه إلى ان الظروف الموضوعية- بكل حيثياتها- لم تكن تسمح لأمير المؤمنين (عليه السلام) وللإمام الحسن (عليه السلام) بأكثر مما قاموا به من الحفاظ على الدين العظيم.

وحينما وصل الدور إلى إمامة الحسين (عليه السلام) كانت الأمور قد وصلت إلى ذروتها… فتراكمت الأخطاء مهددة بخطر عظيم… وعاصفة قد تؤدي بكل الكيان الإسلامي في هاوية ليس لها قرار وقف الإمام الحسين (عليه السلام) أمام نتاج السلف الـ… الذين مهدوا وأسسوا لهكذا انحراف من حيث يشعرون أو لا يشعرون… فما “يزيد” إلا قنبلة وُقتت في يوم السقيفة فانفجرت في سنة 61 للهجرة فوجد الإمام (عليه السلام) ان الانحراف قد بلغ في الأمة إلى درجة ان يعهد معاوية بن أبي سفيان إلى ولده يزيد بالإمرة والقيادة مع علمه بأن ولده هذا لا يستحق ان يكون راعياً لشاة واحدة في دنيا خلت من الذئاب وان يجلس يزيد بن معاوية على عرش يتحكم بمصير الأمة الإسلامية برمتها… بل يزداد هزالها فيبعث يزيد بأوامره إلى عامله على المدينة الوليد ين عتبة فيقول: (… فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة من أهل المدينة… خذ الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن… بالبيعة أخذاً شديداً ومن أبى فاضرب عنقه وابعث اليّ برأسه) (1).

وقام العامل بهذه المهمة… فبعث إلى الحسين (عليه السلام) عند منتصف الليل يطلب منه الحضور… ولبّى الإمام (عليه السلام) دعوته فذهب وهو محاطٌ بهالة من الهاشميين ليقوموا بدور معين في حالة معينة. ولما استقر المجلس بأبي عبد الله (عليه السلام) بدأ الوليد في استعراض أوامر سيده طالباً من الحسين (عليه السلام) ان يبايع ليزيد ويبارك هذه الإمرة بالقبول.

هنا وقف الحسين (عليه السلام) أمام خيارين لا ثالث لهما، خيار يؤدي إلى أطلال دينٍ تسفو عليه رياحٌ قابليةٍ فرعونيةٍ… مع قليل من الدعة النسبية واللذة الموهومة… وآخرٌ يؤدي إلى تقويم الاعوجاج وإرساء دعائمٍ تكاد يقتلعها الطوفان… مع مشاقٍ وتضحياتٍ تنأى عن حملها الجبال… طريقان… ذلٌ وهوان على مساند الديباج.. وعزةٌ وشموخٌ على قواطع السيوف.

ولم يكن للحسين أن يُذل… فكان جوابه: (أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد رجل شارب الخمور وقاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله…) (2).

فكانت هذه أول بيانات الثورة وتلتها كلمات ومواقف.. كان نتيجتها ان يقرر الإمام الحسين (عليه السلام) الخروج من المدينة المنورة والتوجه إلى مكة المكرمة في مشروع يسعى إلى إصلاح الحال ويعتمد أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وهذا ما نص عليه الإمام في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، حيث قال فيها: (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وانما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين).

وخرج الإمام (عليه السلام) من المدينة متوجهاً إلى مكة ليلة الأحد في الثامن والعشرين من شهر رجب ومعه بنوه وأخوته وبنو أخيه الحسن (عليه السلام) وأهل بيته، ودخل مكة يوم الجمعة في الثالث من شهر شعبان.

ولما عَلِم المسلمون بخروج الإمام بدأت تتوافد إليه الكتب من أهل الكوفة يسألونه القدوم إليهم ويتعهدون له بالنصرة والمعونة… وازداد سيل الرسائل حتى اجتمع عند الإمام ما يملئ خرجين ويزيد. ولم يكن الإمام (عليه السلام) جاهلاً بواقع الكوفة واختلاف مذاقاتها… وما كان ليعجل بالقبول والموافقة… فرأى (عليه السلام) ان يستعلم الحال ويقف على حقيقة هذه النداءات فأرسل إليهم بعينٍ بصيرة أمينة لتقيّم له ذلك الواقع المستغيث… وكان مسلم بن عقيل (عليه السلام) رسوله إلى الكوفة. فدخلها وبايعه الناس حتى وصل عدد المبايعين إلى 18 ألف شخص ولم يجد ما يعكّر صفو الأجواء ويمنع من قدوم الإمام فالكل سيوف مشرعة لنصره. فأرسل يستعجل قدوم الإمام (عليه السلام). ووصلت الرسالة إلى الحسين (عليه السلام) فتحرك في اليوم الثامن من ذي الحجة متوجهاً إلى الكوفة. التي كانت في نفس هذا اليوم تشهد جنازة مسلم (عليه السلام) تجر في الأسواق، نتيجة للإجراءات المقابلة التي تبنتها الحكومة المركزية والتي كان أهمها هو تولية عبيد الله بن زياد للكوفة. فقتل ابن زياد مسلماً ومجموعة من الصالحين الآخرين وتمكن بأسلوب الغدر والوحشية من قمع حركة مسلم (عليه السلام) وتجهيز جيش كبير لاستقبال القافلة الحسينية القادمة.. فأخذ يزج الناس في هذا الجيش عن طريق التهديد والوعيد واشتراء الذمم بالذهب والفضة.

وعمد اللعين إلى إرسال كتيبة من ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد الرياحي لتعترض الحسين (عليه السلام) في طريقه وتمنعه من التوجه إلى أي مكان آخر، وفعلاً أحاطت هذه الكتيبة بقافلة الحسين (عليه السلام) حتى أوصلته إلى كربلاء، فجاء الأمر إلى الحر بأن يجعجع بالحسين (عليه السلام) في ذلك الموضع وان يمنعه من التحرك عنها.

وكان نزول الحسين (عليه السلام) في كربلاء في الثاني من المحرم سنة 61 هـ، وفي هذا الوقت جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه الذين التحقوا به في مكة وفي الطريق إلى كربلاء وأهل بيته (عليهم السلام) وخطب فيهم قائلاً: (أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الماء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه فأني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).

وبعث الحر إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين (عليه السلام) في كربلاء، فكتب ابن زياد إلى الحسين (عليه السلام): (أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء وقد كتب الي أمير الـ …. يزيد: أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخمير حتى الحقك باللطيف الخبير أو تنزل على حكمي وحكم يزيد). فلما قرأ الحسين (عليه السلام) رماه من يده وقال: (لا أفلح قومٌ اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق). ولم يجبه.

وهكذا أخذت أفواج الجيوش تتراكم في عرصة كربلاء.. واخذ الأفق يضيق شيئاً فشيئاً حتى اجتمع من العسكر ما يتجاوز الثلاثين ألف مقاتل يقودهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيد الشهداء وعياله وأطفاله. وبقي الحسين (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) الثمانية عشر وأصحابه السبعون محاصرون بجيوش لا يُرى آخرها وعطشٍ لا يطفأ لهيبه.

وفي صبيحة اليوم التاسع من المحرم وصلت آخر كتائب الكوفة تحمل معها أوامر القيادة إلى عمر بن سعد بتخيير الحسين (عليه السلام) بين ان يبايع أو يقتل. فكان منطق الحسين (عليه السلام): (هيهات منا الذلة).

ولكنه طلب من أخيه (العباس) ان يستمهلهم سواد ليلة العاشر رغبةً منه في التزود من الصلاة وقراءة القرآن.. فكانت ليلة ليلاء… يصفها المؤرخون بقولهم: (بات أصحاب الحسين (عليه السلام) في ليلة العاشر من المحرم ولهم دوي كدوي النحل).

وفي نفس الوقت كان يوماً للبطولة والشموخ.. حيث سنّ الحسين (عليه السلام) فيه كرامة الموقف وأباء النفس وأرجوزة الصمود… لقد جسد الحسين (عليه السلام) وأنصاره أسمى فضائل الوجود حتى صاروا مضرب الأمثال وقبلة الثائرين لأجل الكرامة.وأصبح الصباح… وبزغت شمس العاشر من المحرم لتشهد على أكبر جريمة ترتكب على هذه البسيطة حيث اجتمعت أمة من الضلال على قتل ابن بنت نبيها… لقد كان اليوم العاشر من المحرم يوماً عظيماً في السموات والأرض… انتهكت فيه حرمات مقدسة… وقطعت فيه رؤوس عظيمة وسواعدٌ شريفة وأثكلت فيه أمهات نجيبة وسُبيت فيه حرائر ومخدرات، ما رأى لهن الناس ظلاً.

وقف الحسين (عليه السلام) وثلة قليلة من المؤمنين يمثلون الأريحية والحق. ووقفت أمة من الرذالة والانحطاط تسعى لأن تحقق الآمال الفرعونية. موقفٌ قلّت أيامه، وقلت بل نَدُرت رجالاته وحالاته وعظمت وكثرت دروسه وعبّره.

وابتدأت الحرب بعد ان وعظهم الإمام (عليه السلام) وذكرهم بعذاب الله وعرّفهم نفسه في أروع احتجاج لا يبقى لمعتذر عذراً. ولكنهم أبوا إلا الانحطاط. فكان جوابهم وابلاً من السهام، كأنها المطر معلنة عن ابتداء الصراع الأزلي.

وليس المقام مقاماً لذكر جزئيات هذا القتال، ولكنني أرى الموقف بأجمعه في هذا البيت الشعري:

 

جاءوا بسبعين ألف سل بقيتهم         هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا

 

فهمة الرجال إذا كان حاديها دعوة الحق ستقلع الجبال… لقد كان كل فرد من أنصار الحسين (عليه السلام) بشيوخهم وغلمانهم برجالهم ونسائهم بحرّهم وبعبدهم يمثل جبلاً في الشموخ وسيداً في الساحة وإعصاراً يجول بين ذرات الهشيم.

وأخذت الحرب تستعر… والحسين (عليه السلام) يودع الضحايا بابتسامة الواثق المطمئن… وبكلمات زكية تَنمُ عن النصر العظيم… حتى غدا الأصحاب ما بين منحور وطعين، وتوسدت أشلائهم رمضاء كربلاء.. معلنة عن الفوز الأكبر.

وتقاطر الهاشميون إلى ساحات الوغى مبتدأين بفلذة كبد الحسين (عليه السلام) وولده الأكبر سمي جده أمير المؤمنين (عليه السلام) وشبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) فصال وجال وجمع وأفنى حتى تتوج بتاج الشهادة وارتوى من الكأس الأوفى وتلته الفتية الهاشمية الباسلة… هذا والحسين (عليه السلام) يسأل من الله القبول… حتى فُني الهاشميون ولم يبق مع الحسين (عليه السلام) الا عضده وحامل رايته ابي الفضل العباس (عليه السلام)… الرجل الذي علّم الدنيا أسمى معاني الوفاء والإخلاص… ولكن ما برح العباس ان التحق بالرفيق الأعلى بعد أن قطعت ساعديه وفلق رأسه وهو يسعى لإيصال الماء إلى أطفال الحسين (عليه السلام) وبعد ان شتت أربعة آلاف فارس وزحزحهم عن مواقعهم… فلله دره من بطل أبكى الحسين (عليه السلام) مصرعه وخلّد في الدنيا معاني البطولة والإيثار.

ووقف الغريب وحيداً يستمع نداء الأجيال… فحياة الأجيال رهن دمائه الزكية… فهل سيبخل الحسين (عليه السلام) بها وهو معدن الجود والكرم- حاشاه- فبطولة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بطولته وروح علي (عليه السلام) بين جنبيه… والله مبدأه وغايته… .

فانحدر إلى مصرعه بقلب ثابت ووجه مشرق يترقب لقاء الحبيب… وصولةٍ لا أجد تشبيهاً أو تمثيلاً الا ما قيل: (ولقد كان الرجال تنكشف بين يديه إذا شد فيها ولم يثبت له أحد) (3).

وما أروع ما قاله الشيخ كاشف الغطاء:

 

يا واحداً للشهب من عزماتــــه         تسري لديه كتيبة الشهداء
ضاقت بها سعة الفضاء على العدى         فتيقنوا ما بالنجاة رجــاء
فغدت رؤوســــهم تخُرّ أمامهم         فوق الثرى وجسومهم وراء
ما زال يفنيـــهم إلى ان كان أن         يأتي على الإيحاء منه فنـاء

 

حتى تحقق الوعد وأنجز الحسين (عليه السلام) العهد.. وافتدى شريعة جده بنفسه المباركة بعد ان قدم تلك الضحايا الجليلة. فبكى لمصرعه كل مسبحٍ لله تعالى (وإن من شيء الا يسبح بحمده).
ولا غرو ان تبكي مصاب الحسين (عليه السلام) عيوننا وتحزن قلوبنا… وليس ذلك الا تسديداً لجزء صغير جداً من مواهب الحسين (عليه السلام) عندنا… إذ لولاه ما كنا كما أراد الله تعالى ان نكون.

12- 25 محرم الحرام: شهادة الإمام السجاد (عليه السلام)

اتفق المؤرخون على ان شهر المحرم من سنة 95هـ، هو الشهر الذي استشهد في الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليها السلام)، بعد عمرٍ زاخرٍ بالعطاء والجهاد والآلام الرسالية. فمن حقٍ مغتصبٍ إلى فجيعةٍ بأعز الناس مروراً بحصار مطبق أختتم الإمام حياته مسموماً بـ(سمٍ) دسه إليه أحد عتاة بني أمية ألا وهو هشام بن عبد الملك وقيل أنه الوليد بن عبد الملك، (ولا فرق إلا في الأسماء).

ولد الإمام (عليه السلام) سنة 38هـ، في عهد جده أمير المؤمنين (عليه السلام) فأسماه الإمام (عليه السلام) علياً. وعاش تحت كنف جده (عليه السلام) سنتين. وفي ظل والده الحسين (عليه السلام) 22سنة تسنم بعدها قيادة الأمة وهدايتها كإمام وحجة لله على خلقه. فكان المعلم الأكبر والعابد المتهجد والمرشد لطاعة الله تعالى في السر والعلن، حيث ورث عن جده النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) دور الأنبياء (عليهم السلام) فأن الحكمة الأولى لإمامته هي ذات الحكمة الأولى في رسالة الأنبياء.

عاصر الإمام في مدة إمامته مجموعة من خلفاء بني أمية ابتداءً من يزيد بن معاوية وانتهاءً بالوليد بن عبد الملك فكانت مدة إمامته (عليه السلام) فترة عصيبة جداً رأى فيها الإمام (عليه السلام) ألوان الأذى ومحاولات التحجيم. ولكنه استطاع بما يحمله من مؤهلات ونفحات ربانية ان يؤدي دوره ويقوّم الحركة الإسلامية الأصيلة من خلال جملة من الأمور ذكرناها سابقاً.

وما دمنا نعيش ذكرى الشهادة المؤلمة… فلنستمع- بقلوبنا- إلى بعض فقرات وصية الإمام (عليه السلام) لولده الإمام الباقر (عليه السلام) حيث يقول: (يا بني أخَذَ بيدي جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: يا بني افعل الخير إلى كل من يطلبه منك فان كان أهله فقد أصبت موضعه وان لم يكن أهله كنت أهله وان شتمك رجل وتحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره… إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً الا الله).

فالسلام على مولانا وسيدنا زين العابدين سلاماً لا يحصى عدده ولا ينقطع أمده.

24 محرم الحرام- 8/ نيسان/ 1980: شهادة السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله)

السيد محمد باقر بن السيد حيدر بن السيد إسماعيل الصدر فلتة من فلتات التأريخ وجهبذاً من جهابذة العلم وقائداً من قادة التحرر والبطولة وفكراً نيراً ملأ الآفاق شذىً وعبقرية.

ولد في الكاظمية يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353هـ.ق، من أسرة كريمة عريقة بالعلم والفضيلة والتقوى. نشأ السيد في مدينة الكاظمية ودخل مدرسة (منتدى النشر الابتدائية) واستطاع في مدة دراسته أن يضرب أروع الإمثلة في النبوغ الفكري والأدب الرفيع والعبقرية الباهرة حتى قال عنه أحد أساتذة المدرسة: (لقد كان كل ما يدّرس في هذه المدرسة في كافة العلوم دون مستواه العقلي والفكري).

حتى هاجر السيد الى النجف وله من العمر 12 سنة ليبتدأ مرحلة جديدة من مراحل العبقرية والنبوغ ويتسلسل في السلم الحوزوي الى أن يبلغ القمة في فترة قياسية بالنسبة الى من سواه… حتى نال درجة الاجتهاد بكل جدارة واستحقاق.

ولم يتوقف نظر السيد الشهيد على خصوص الكتب الحوزوية.. بل كان مواكباً للعصر ومراقباً لكل النظريات والآراء الجديدة.. بل تجاوز المراقبة الى النقد والتفنيد لأهم الإطروحات الضالة التي انتعشت في القرون الأخيرة. فكانت كتبه – (فلسفتنا- اقتصادنا- الأسس المنطقية للاستقراء – البنك اللاربوي في الإسلام – الإسلام يقود الحياة…) – دليل هذا الوقوف البطل ومعين من رام الارتواء من الحق.

وبالإضافة الى تفوقه ونبوغه العلمي على مستوى الحوزة العلمية.. وتفوقه الفكري في مناقشة الأفكار والآراء المقابلة، كان السيد الشهيد يعيش معاناة شعبه وأمته الإسلامية ويسعى جاهداً لكسر الطوق الحديدي الذي أحاط بمقدرات الأمة ووجودها مما جعل ختام حياته مسكٌ كبدايتها… فنال وسام الشهادة على يد العصابة المجرمة التي حكمت العراق ولا زالت جاثمة على صدره. فاستشهد (رضي الله عنه) في الثامن من نيسان سنة 1980م، بعد ان اعتقل مرات عديدة وعُذّب في سجون البعث الكافر.

واليوم ترتفع راية الجهاد ضد هذا النظام المتعجرف وشعارها: يا لثارات الصدر. عرفاناً لصنيع هذا المجاهد العظيم ووفاءاً وحباً وتيمناً بروحه المباركة.

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

الهوامش

الهوامش

1- مقتل الخوارزمي ج1 ص 178.
2- مثير الأحزان: لأبن نما.
3- مناقب بن شهر آشوب ج 2.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

مناسبات شهر ذي القعدة

PDF | طباعة | أرسل لصديق [ A+ ] /[ A- ]   الشيخ كاظم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *