أخبار عاجلة
الرئيسية » المقالات الإسلامية » مقالات إسلامية متنوعة » من خطبة للأمام علي في وصف المتقين

من خطبة للأمام علي في وصف المتقين

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

من خطبة للأمام علي في وصف المتقين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.من خطبة للأمام علي في وصف المتقين قال (ع) في ضمنها : «… أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ …».


الشــــــرح

روي أنَّ صاحباً لأمير المؤمنين (ع) يقال له همام، وكان رجلاً عابداً، فقال: يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم، فتثاقل (ع) أي تباطأ (في جوابه، ثمَّ قال: يا همَّام اتق الله وأحسن) والإحسان فوق التقوى، بأن يعمل الانسان بالرَّغائب والمندوبات ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ولعلَّ تثاقل الإمام واختصاره في الجواب لما يعلم من أنَّ التفصيل موجب لهلاكه، كما ذكر في آخر الخطبة (فلم يقنع همّام بهذا القول حتى عزم عليه) أي أصر أن يجيبه إجابة مفصلة، وأقسم الإمام على ذلك (فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي (ص) ثمَّ قال (ع): (الخطبة).

إلى أن وصل إلى قوله (ع): «أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ» أي يصفُّون إحدى رجليهم بإزاء الأخرى قائمين في صلاتهم، عن الإمام الصّادق (ع) قال: كان فيما ناجى الله عزَّ وجلّ به موسى ابن عمران أن قال له: يابن عمران، كذب من زعم أنَّه يحبَّني فإذا جنَّه اللَّيل نام عنِّي. أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه… الخ. (1). يقول سبحانه: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (17) ﴾ (2).

وبعد وصف قيامهم بالصّلاة في اللّيل أشار إلى قراءتهم ووصفها بقوله:

«تَالِينَ» أي قارئين «لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ» عن أبي عبداللّه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزَّ وجل فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ، وأنَّ البيتَ الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزَّ وجل فيه تقل بركته ، وتهجره الملائكة ، وتحضره الشياطين (3) .

«يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيل» والترتيل: (لغة) : هو الترسل والتَّأني ، (فقهياً) له قسمان:

1- هو بيان الحروف وإخراجها من مخارجها على نحو يعتبر العرب أنَّ راءه راًء وضاءه ضاءً وقافه قافاً وهكذا. 2- الوقوف على موضعه وهو ما تمَّ لفظه ومعناه، مثل ﴿ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، وروى ابن الجزري عن الامام علي أنَّه قال: الترتيل: تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (4) .

وفي مجمع البحرين عن أمير المؤمنين عليه السَّلام: ترتيل القرآن حفظ الوقوف وبيان الحروف. وفسِّر الوقوف بالوقف التامِّ وهو الوقوف على كلام لا تعلّق له بما بعده لا لفظا ولا معنا، وبالحسن وهو الّذي له تعلّق، وفسّر الثاني بالاتيان بالصِّفات المعتبرة عند القراءة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق.

من خطبة للأمام علي في وصف المتقينوفى الكافي عن عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن قول اللّه عزَّ وجلّ ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ قال: قال أمير المؤمنين عليه السَّلام: بيِّنه تبيانا ولا تهذُّه هذَّ الشِّعر، ولا تنثره نثر الرَّمل، ولكن افزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن همُّ أحدكم آخر السُّورة.

«يُحَزِّنُونَ بِهِ» أي بالقرآن «أَنْفُسَهُمْ» فإنَّ الانسان إذا تذكر الأمور المحزونة حزن، كما أنَّه إذا تذكر الأمور المفرحة فرح، والقرآن حيث يشتمل على التخويفات يوجب الحزن، ففي (الكافي) عن الصادق عليه السّلام: أنَّ القرآن نزل بالحزن فاقرأوه بالحزن.

«وَيَسْتَثِيرُونَ» يعني يهيجون «بِهِ» أي بسبب القرآن «دَوَاءَ دَائِهِمْ» الظاهر أنَّ المراد بدائهم هو داء الذُّنوب الموجب للحرمان من الجنَّة والدُّخول في النَّار، وبدوائه هو التَّدبُّر والتفكُّر الموجب لقضاء ما عليهم من الحقِّ وسؤال الجنَّة وطلب الرَّحمة والمغفرة والتعوُّذ من النَّار عند قراءة آيتي الوعد والوعيد. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (5) . ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (6).

«فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ» إلى الثواب والجنَّة «رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَع» أى مالوا واشتاقوا واتكلوا إلى تلك الآية راجين أن يصلهم ذلك الثواب «وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَ» أي إلى تلك الآية، والتطلع: النظر إلى المحبوب ليطلع عليها «شَوْق» إلى الثواب.

«وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ» أي أيقنوا أنَّ تلك الآية أي الثواب والجنَّة التي وعد بها المتقون معدَّة لهم بين أيديهم، والظنّ هنا بمعني اليقين لما قد مرَّ في الخطبة من اتّصافهم بعين اليقين وأنهم والجنَّة كمن قد رآها فهم فيها منعَّمون …

«وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ» وتحذير من النار والعقاب «أَصْغَوْا إِلَيْهَ» أى أمالوا واسمعوا «مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ» بمعنى أنَّهم التفوا إليها بقلوبهم لا بأسماعهم فقط، «وَظَنُّو» أي علموا «أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ» أي في أعماق آذانهم، وذلك كناية عن شدَّة تأثرالنفس بها، والزّفير إدخال النفس والشهيق إخراجه، ومنه قيل: إنَّ الزَّفير أوَّل الصوت والشهيق آخره، والزَّفير من الصَّدر والشهيق من الحلق، والنار لها هذان الصوتان حين اشتعالها والتهابها. وكيف كان فالمراد أنَّهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذَّبون.

وخلاصة الكلام أنَّ المتّقين يقرأون القرآن بالتَّرتيل والصوت الحسن الحزين ويشتدُّ رجاؤهم عند قراءة آيات الرَّجا، وخوفهم عند تلاوة آيات الخوف. نسأله تعالى أن يجعلنا من المرتلين للقرآن العاملين به والراجين ثوابه والخائفين عقابه والعارفين بحقه تعالى، إنَّه سميع مجيب. (7)

الهوامش

الهوامش

(1) – مستدرك سفينة البحار: ج1، ص163 . (2) – سورة السجدة، الآيتان: 15 – 16 . (3) – سنن النبي الأكرم: ج4، ص52، وفي الكافي . (4) – روايات المدرسين: ج7، ص12 . (5) – سورة يونس، الآية: 57 . (6) – سورة الإسراء، الآية: 82 . (7) – بقلم الشيخ فادي الفيتروني.

قيم الموضوع

التصميم
المحتوى
الأقسام
سهولة التصفح

تقييم المستخدمون: 4.85 ( 2 أصوات)

شاهد أيضاً

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

ثمرات الحوار في المجال التربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *