أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

1

التعويض الإلهي للإمام الحسين عليه السلام وسبل الشفاعة

هنالك رواية يرويها الشيخ الحر العاملي([96]) (رحمة الله عليه) في كتابه (وسائل الشيعة) ويرويها أيضاً الشيخ الطوسيّ([97]) (رضوان الله عليه) في أماليه، وهي مرويةٌ عن الإمام الباقر والإمام الصادق (صلوات الله عليهما)، الإمامان يقولان: (إن الله عوّض الحسين عن قتله: أن الإمامة في ذريّته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولاتُعدّ أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره[98]).

وفي بعض الروايات: (أيام زائره…).

والظاهر من الناحية النحوية ــ طبق بعض النظريات ــ لا إشكال في أن يُؤتى بالحال المفردة من الجمع، فإذا قرأنا الرواية: (ولا تعد أيام زائريه جائياً وراجعاً) فهي([99]) حال مفردة من الجمع([100])، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ[101])، و (قائما) حالٌ من الله تعالى أي أنه لا إله إلاّ هو قائماً بالقسط.

وهناك نظرية ثانية في (قائما) أنه حال من أولو العلم، وقبل أيام رأيت في القرآن الكريم آية تؤيّد هذا المبنى.

 

توضيح الرواية

يمكن توضيح هذه الرواية من خلال مبحثين:

المبحث الأول : فكرة التعويض الإلهي في إطارها الكلي.

والمبحث الثاني: التعويض الإلهي لسيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).

 

المبحث الأول: التعويض في الإطار الكلّي

تُعدّ فكرة التعويض الإلهي إحدى الأفكار المهمة والمحورية في الحياة البشرية، فهي من جانب لها علاقة بالبعد العقائدي للدين، ومن جانب آخر لها علاقة بالحياة العملية، فمن الجانب الأول، ربما يمكن أن نعدّ فكرة التعويض الإلهي شعبةً من شعب العدل، فالله سبحانه وتعالى عادل، وإحدى شعب عدله التعويض، ويشير القرآن الكريم في موضعين لهذه الفكرة؛ الأول في إطارٍ خاصّ، والثاني في إطار عامّ.

أولاً: الإطار الخاص حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ[102])، من الملاحظ أن سياق الآيات المباركات حول المؤمنين (فاستجاب لهم ربهم( في أواخر سورة آل عمران، أن العمل مُنكّـَرٌ (بصيغة النكرة)، والعامل مُنكّـَرٌ أيضاً، أي أن مختلف أعمال المؤمنين، بغضّ النظر عن حجمها، لن تضيع عند الله سبحانه وتعالى، حتى نفخ الهواء بواسطة الفم، كما جاء في بعض الأحاديث، فإذا نفختم ــ مثلاً ــ في نار عليها طبخ سيد الشهداء ، فإنه عمل لايضيع عند الله تعالى، حيث كانوا قديماً ينفخون في النار بهدف زيادة اشتعالها، أو تسيرون في الشارع ومرّت أمامكم امرأة، فإذا غضضتم بنظركم، ــ والغضّ غير الغمض ــ أي أن يلقي الإنسان بنظره إلى الأرض، ليتحاشى النظر إلى تلك المرأة، وهي حركة رموش العين، فهذه أيضاً لا تضيع عند الله تعالى.

ذن فأي عمل يصدر من أي شخص من المؤمنين، بأي حجم كان العمل، ومن أيٍ كان؛ رجلاً أو امرأة، فإن الله لا يضيعه، (أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ) جاهلاً كان أم عالماً..

من هنا إذا ترون هناك فقيهاً قديراً، فيلزم أن تعلموا أنه بلغ هذه الدرجة من خلال سهر الليالي بالمطالعة، وتلك الليالي لا يضيعها الله تعالى، وهكذا الحال إذا وجدتم أصولياً قهّاراً، أو محدثاً متبحِّراً في الأحاديث مثل (صاحب البحار) وأنا أوصي نفسي وأخواني أن يطالعوا كتاب (مرآة العقول) للعلامة المجلسي (رض)([103])، فهو من الكتب اللطيفة إلى أبعد الحدود، وحقاً يُعد كنزاً من المعارف، وقد صرف العلامة المجلسي (رحمة الله عليه) عمره في الأخبار والأحاديث، ويمكن ملاحظة أسلوب التحليل والبيان الذي اتبعه في كتابه، ولمن سنحت له الفرصة فعليه أن يقرأ هذا الكتاب أو يتباحث فيه، ولو في كل يوم حديثاً واحداً، أو في كل جمعة حديثاً واحداً، فهو نافع للعالم والخطيب والمؤلف والمجتهد، وكل الطوائف، وبالجملة هو كتاب مهم جداً؛ وهذا الجهد لا يضيعه الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: الإطار العام حيث يقول الله سبحانه و تعالى في سورة النجم: (وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ [104])، وعن هذه الآية كان الوالد (قدس سره) يقول في بعض بحوثه: إنَّ في هذه الآية عَقدين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، وهذان العقدان يُستفادان من النفي والإثبات، أي إن الآية الكريمة على وجازتها تنحلّ إلى جملتين: الأولى: لك سعيك وعملك، أيها الإنسان في الإطار الكلي، والثانية: ما لم تسعَ ولم تعمل فليس لك.

كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يخرج في تلك الليالي المُظلمة، ويعبد الله سبحانه وتعالى ويقرأ في ليالي الجمعة دعاء (كميل)، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم وعلى امتداد العالم يقرأ المؤمنون دعاء (كميل)، وربما قرأه حتى اليوم المليارات من البشر على امتداد التاريخ وحتى يوم القيامة، وكل ذلك هو شعبة من تلك القراءة لدعاء (كميل) التي قرأها أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، وقد أظهر الله تعالى هذا العمل، فيما كان معاوية في غوطة الشام يحتسي الخمر سراً، وهو ما يُشهر به على المنابر منذ ألف وأربعمائة عام.

وكذلك بالنسبة إلى علمائنا، فالشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) والذي يسمى اليوم بـ(الشيخ الأعظم)، كان رجلاً بربع رؤية، أي كانت إحدى عينيه كريمة، جاء من إحدى قرى إيران يُقال لها (شُوشتر) أو (دزفول)، ولا يعرفه أحد، وكان متحيّراً في توفير أكله وشربه، وقد سمعت ــ ولم أرَ ــ من أحد العلماء ينقل أن الشيخ الأنصاري (رض) كان في بدايات تحصيله للعلم، يعمل نصف اليوم ليأكل والنصف الآخر يطلب فيه العلم، وكان يسكن بيتاً مُحقّراً متواضعاً، لكن لاحظوا التركة التي خلّفها، حيث لم يضيِّعْها الله تعالى، فأين ما تذهبون في الحوزات العلمية تسمعون: (قال الشيخ الأعظم)، ولا يكون لتقييم الناس أثر في هذا المجال، أو أنهم فهموا وأدركوا ذلك العالم أم لم يدركوه، مثالاً على ذلك؛ إذا قالوا لكم: خرجت في أفريقيا مائة ألف نملة تظاهرات تأييداً لكم! فهل يؤثر ذلك فيكم ؟ أو يقال: يحيا (فلان) حتى وإن كان الهتاف من مئات الآلاف من البشر، فإنه لن يكون ذا قيمة أمام الله تعالى، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر (رض): (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس كلهم في جنب الله أمثال الأباعر[105])، وهذا ليس بمعنى احتقار الناس، وإنما لانتفاء قيمتهم أمام الله تعالى، لذا لا ينبغي أن نفكر دائماً عن كيفية تقييم الناس لن.

 

قيمة العمل

إن قيمة العمل التي جاءت في الآية الكريمة: (وَأَنّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىَ)، ليست في تقييم الناس، وإنما القيمة في: (ثُمّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأوْفَىَ [106])، وهنا يرد إشكال، ففي الآية الكريمة عقد سلبٍ وعقد إيجاب: (وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ)، فكيف أنّ مؤمناً يدعو لآخر فتكون في حسابه من دون أن يسعى بشيء، كذلك الحال في شفاعة الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم) فالإنسان هنا لم يسعَ بشيء، إذن كيف تقول الآية: (وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ)؟ الجواب على ذلك؛ إنه من سعي الإنسان أيضاً، لأن السعي نوعان: مباشريٌ وتسبيبيٌ، فعندما تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتريد أن ترضيهم عنك تقول قبل النوم: (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات)، ويوجد في (مفاتيح الجنان) تفصيل الدعاء، وهي كلمات مهمة جداً من الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها)، فالدعاء للمؤمنين والمؤمنات هو نتيجة سعي المؤمنين والمؤمنات، بدخولهم في حظيرة الإيمان، فهذه الدعوة إنما تشمل ذلك الإنسان نتيجة سعيه وعمله، كما إذا بنى شخصٌ مسجداً ثم يأتي آخر ويصلي فيه، فيكتب لباني المسجد ثواب هذه الصلاة أيضاً، لأن السعي أحياناً يكون مُباشرياً وأحياناً يكون تسبيبياً.

المبحث الثاني: التعويض الإلهي لسيد الشهداء عليه السلام 

إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عوّض عملاً متواضعاً، أو تضحية متواضعة، فما هو تعويضه سبحانه وتعالى لتلك التضحيات الكبرى التي قدّمها سيد الشهداء (صلوات الله عليه)، والتي لا نعهد في التاريخ مثيلاً لها، فقد وردت رواية عن الإمامين الباقر والصادق (صلوات الله عليهما) وكلاهما عليهما السلام في هذه الرواية يقولان: (إن الله عوّض الحسين عن قتله…)، ويقول العلماء: إن اللقب لا مفهوم له، فالتعويض لا ينحصر بما ذكر في هذه الرواية، حيث إن الله عوّض الإمام الحسين (صلوات الله عليه) بأشياء أخرى أيضاً غير الأشياء الأربعة المذكورة في هذا الحديث، ويقولون: (إثبات الشيء لا ينفي ما عداه)، أي إن هذه بعض تعويضات الله تعالى لسيد الشهداء (صلوات الله عليه).

ومن هذه التعويضات الإلهية:

أولاً: (أن الإمامة في ذريّته)

كم زائر يزور الإمام الرضا (صلوات الله عليه)؟ هناك إحصائيات عديدة، ينقل بعض المُطّلعين أن حوالي 16 مليون زائر يزورون الإمام الرضا (صلوات الله عليه) كل عام، وقيل أكثر من ذلك، ولا نعلم العدد الذي سيبلغه إذا احتسبنا الزائرين من يوم استشهاده وإلى يوم القيامة، ثم كم مرة سيقرأ القرآن الكريم في حرم الإمام الرضا عليه السلام؟ وكم ركعة تُصلى، هذا ما تعدّه الملائكة، وكم قطرة دمع تُذرف هنالك؟ حيث لها تلك القيمة العظيمة عند الله تعالى، وكم إنسان يتوب ببركة الإمام الرضا ؟ وكذلك الحال بالنسبة للسيدة المعصومة (صلوات الله عليها) في مدينة قم المقدسة، فكم مليار يزورونها على مر التاريخ؟ وكم إنسان يهتدي بواسطتها؟ كما أن للامتدادات التاريخية حساباً في هذه القضية، أي أن الإنسان الذي يتوب سيكون له امتداد تأريخي، فهو لن ينتهي بعد التوبة ويؤثر في ذريته، فكم امتدادٍ تأريخي سيكون على أثر هذه الزيارات.

ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة لتعمير مراقد الحواريين الصحابة والتشجيع على ذلك، ففي الأردن هناك مرقد جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أخو الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، وفي آذربيجان مرقد (بي بي هيبت) ع كما يسمونها هناك، وإلاّ فإن اسمها ــ كما أظن ــ هو فاطمة، وهي أخت السيدة المعصومة ع، وفي منطقة الربذة قرب المدينة المنورة هناك مرقد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (رض)، وفي القاهرة هناك مرقد مالك الأشتر (رض)، فكل هؤلاء يُعَدُّون منابعَ للهداية، ينقل أحد العلماء ــ وأظن أنه كان ينقل عن رواية ــ بأن كل ما يعمله الابن يُكتب في صحيفة الأب أيضاً، طبعاً من دون أن ينقص من أجور الابن شيء، لذا فان كل الامتداد التاريخي لذرية الإمام الحسين عليه السلام وما يتسببون في تقرّب الناس إلى الله سبحانه وتعالى كل ذلك يكون مكتوباً في ديوان الإمام الحسين (صلوات الله عليه) أيضاً ــ كما يقول ذلك العالم ــ وسواء أن كان الحديث منقولاً من رواية أو بمقتضى معادلات عقلية، فإن هذا يعد تعويضاً مهماً.

ثانياً: (والشفاء في ترتبه)

إن التربة محرّمة، يقول الإمام (عليه السلام) في مضمون الحديث: (إذا شخص يأكل التراب ويموت على أثر ذلك لا أُصَلّي عليه)، وهذا دلالة على التشديد في قضية التربة والطين، ولكن الله تعالى استثنى تربة قبر الإمام الحسين ، لأن فيها الشفاء، وهذا الحكم المطابق للرأي المشهور بين الفقهاء لا يشمل بقية المعصومين عليهم السلام، أي لا يحق لإنسان أن يأكل من تراب قبر الإمام الرضا (صلوات الله عليه) بهدف الشفاء، وإنما الحكم خاص بالإمام الحسين (صلوات الله عليه)، فقد جعل الله تأثيراً غيبياً في هذه التربة.

وهنالك بحث أيضاً من الناحية الفقهية في أن هذا الشفاء يشمل الأمراض البدنية والروحية معاً، وهذا ما يستظهره الوالد (قدس سره) في الفقه بأن الشفاء في تربة الإمام الحسين عليه السلام يشمل الأمراض الروحية أيضاً، كما لو أن شخصاً يعاني من البخل، وهو مرض روحي، فيأكل قليلاً من تربة الإمام الحسين عليه السلام للشفاء فيزيل عنه هذا الداء، وكذلك الحال في داء الكآبة المنتشر في الوقت الحاضر وهو داء العصر، في حين كان الناس في سابق الأيام منشرحين مرتاحين، ولم تكن قلوبهم كما يعاني الكثيرون اليوم من الانقباض والتوتر، مع وجود النعم العظيمة، وكان يرى الوالد (قدس سره) أثراً في التربة الحسينية على من لا يجد في نفسه الرغبة والميل للعبادة، وجاء في الحديث: (إن أهون ما أنا صانعٌ بعالمٍ غير مستعملٍ علمه أن أسلب حلاوة مناجاتي منه)([107])، لذا نجد العزوف عن قراءة القرآن الكريم وعدم الميل نحوه عند الكثيرين، أو إذا قرأ ينظر إلى ما تبقى من الصفحات! أو يدخل إحدى المراقد المقدسة ثم يُسرع بالخروج..

يروى أن الشيخ كاشف الغطاء (رض)([108]) كان مع جماعة في سفر، فرأى شخصاً يأكل القليل من الطعام، فسأله عن السبب؟، قال له: لا أشتهي الطعام، ويبدو أنه كان يشكو من معدته، ثم ناموا، فقام الشيخ كاشف الغطاء (رض) لنافلة الليل، فوجد ذلك الشخص نائماً واستمر كذلك حتى الصباح! فبعد أن أفاق قال له: يبدو أنه ليس لديك شيء من اللذات المادية ولا من اللذات الروحية، فلماذا تعيش إذن؟! نقل لي المرجع المعروف سماحة السيد صادق الروحاني([109]) (حفظه الله) بالقول: كتبت كتاباً فقهياً ــ ربما يكون كتابه الفقهي المعروف([110]) ــ فأهديتُ نسخة منه إلى المرحوم الجد ــ أي إلى جدنا ([111]) ــ فيضيف قائلاً: أهديت له نسخة من كتابي، فكتب لي رسالة شكر قال فيها: فكرّت في الهدية التي أقدمها لك بالمقابل، فما جاء في ذهني أفضل من تربة سيد الشهداء (صلوات الله عليه)، فأهداني جدكم (رض) مقداراً من التربة المأخوذة من قرب الجسد الطاهر لأبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه).

ومعروف أن الجد (رض) كان قد دخل ذات مرة في السرداب الشريف بقرب جسد الإمام الحسين (صلوات الله عليه) عندما كان هنالك حفر وتعمير، وأخذ مقداراً من التربة من قرب بدن الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وكانت تنقل عنها أشياء عجيبة، وقد أوصى أن تُدفَن معه، فدُفنت معه حتى تكون أماناً من كل خوف.

نعم إن التربة الشريفة أمان من كل خوف، كنا مع الوالد (قدس سره) في رحلة من مدينة الكويت إلى جزيرة فيلكة، حيث كان يريد الوالد (رض) افتتاح حسينية هناك، وفي طريق العودة تلاطم البحر بشكل شديد، وإنني لم أتذكر التفاصيل، لكن نُقل لي أن العديد غاصوا في الماء بسبب ذلك التلاطم، فأخذ الوالد (قدس سره) قليلاً من تلك التربة وألقاها في البحر، فهدأ البحر! وهذا مصداق الحديث الشريف (أمان من كل خوف)([112]) حتى للميت ومخاوف الآخرة.

وقد ورد أن نضمن إعمالنا بهذه التربة، وإلاّ فإن معظم أعمالنا ربما تكون محل إشكال إلاّ بهذه الأشياء المباركة إذ نحاول أن ننجو بها، وعليه؛ ذكر السيد الروحاني K أنه رأى العجائب من هذه التربة الحسينية ونقل قضيتين:

 القضية الأولى: قال: مرض حفيدي محمود حتى شارف على الموت، وننقل عبارته بأنه مات تقريباً أو تحقيقاً، قال: وإن أباه خرج من البيت حتى لا يرى منظر موت ابنه بعينيه، يقول السيد الروحاني: جاء في ذهني أن استعين بهذه التربة الشريفة فأخذت قليلاً منها و وضعتها في فم ذلك المريض بصعوبة، قال ببركة هذه التربة ألبس الله سبحانه وتعالى ذلك المريض الشفاء الكامل، والى الآن هو موجود حيّ يرزق.

 القضية الثانية: يقول السيد الروحاني أن شاباً جاءني في أحد الأيام وقال لي: ائذن لي يا سيدنا بالانتحار! فقلت له: بأيّة مناسبة ؟ فذكر لي مشكلة عنده، وهي مشكلة تتعلق ببدنه، قال: قد ضاقت عليّ الحياة وأعاني من هذه المشكلة طوال ثلاثة أشهر، فقلت له: لا تنتحر! خذ من هذه التربة وإن شاء الله يكون فيها الشفاء، يقول السيد الروحاني: ذهب ذلك الشاب ثم عاد بعد ثلاثة أيام تقريباً وهو مستبشر ومنشرح وقال: مولانا! لقد حُلّت المشكلة تماماً.

ثالثاً: (وإجابة الدعاء عند قبره) رزقنا الله وإياكم ــ إن شاء الله ــ التوفيق للتشرف إلى تلك البقاع المُشرفة، يروى أن الإمام الهادي (صلوات الله عليه) أصيب بداء، فبعث شخصاً إلى كربلاء ليدعو له عند قبر سيد الشهداء عليه السلام، وينقل الراوي أن شخصاً يدعى (علي بن بلال) سأل الإمام الهادي بأنه هو إمام فكيف يبعث شخصاً حتى يدعو له عند قبر الإمام الحسين عند الحائر؟ إذ إنه عليه السلام هو الحائر! وجاء في الرواية أنه لما عاد المبعوث نقل للإمام الهادي الكلام، فقال الإمام (صلوات الله عليه) : ألا قلت له ــ أي لعلي بن بلال ــ إن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يطوف حول الكعبة ويستلم الحَجَر، في حين النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أشرف من الكعبة وأعظم من الحَجَر، والله أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالوقوف في عرفات، وهو أعظم من عرفات، بل أعظم من كل الدنيا وما فيها، ولأجله صلى الله عليه وآله وسلم خُلقت الدنيا، لكن لله بقاعاً يحب أن يُدعى فيها ([113]).

رابعاً: (ولا تُعد أيام زائره جائياً وراجعاً من عمره)

أي إذا قدّر الله تعالى لإنسان العيش ثمانين عاماً ــ مثلاً ــ فكان منها عشرة أعوام في طريق زيارة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه ذهاباً وإياباً، فهذه العشرة أعوام يضيفها الله على عمره فتكون تسعين عاماً، أي إن سنوات السفر لن تحسب من سنوات عمر ذلك الإنسان، كما عندنا روايات بهذا الخصوص بالنسبة للمائدة، بأن الجلوس على المائدة لا تُعد من عمر الإنسان.

كان ذلك بعض التعويض الإلهي لسيد الشهداء (صلوات الله عليه) ومن التعويض الإلهي له أيضاً: أن جعله مصباح هدىً وسفينة نجاة ([114])..

وكان هنالك جانبٌ آخر من الحديث حول وظيفتنا تجاه سيد الشهداء (صلوات الله عليه) لكن لا يسعه المقام. وهنالك تعويضات أخروية كثيرة، إن شاء الله نشاهدها في عالم الآخرة، لذا علينا قدر الإمكان اغتنام الفرص وأن لا نحرم أنفسنا من هذا الفيض والبركة العظيمة.

تقوية المجالس العائلية

كان عندي اقتراح مختصر في مجال الوظيفة إزاء سيد الشهداء عليه السلام، وقد طبقه بعض الأخوة المؤمنين، ورأيت فيه نجاحاً كبيراً، وهو أمر بسيط ولا يحتاج إلى أية مؤونة كما أن فيه البركة، وهو أن تشكل العوائل المتقاربة مجلساً حسينياً لهم وبشكل دوري، فيجتمعون ويقرؤون مصيبة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، فثمة عائلة في قم المقدسة تقيم مجلساً حسينياً في أيام محرم الحرام، يتنقل بين بيت الأخ ثلاثة أيام وفي بيت الأخت ثلاثة أيام أخرى، وهكذا؛ ويحضر جميع أفراد العائلة من أبناء العم وأبناء الخال والأعمام والأخوال، ثم يبادر أحدهم لقراءة المصيبة، صغيراً كان أم كبيراً أو طفلاً في سن العاشرة من العمر، وهذا أمرٌ مهم جداً، فاطلبوا من الأطفال أن يأخذوا الكتاب ويقرؤوا مصيبة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، لأن لذلك تأثيراً كبيراً على نفوس الأطفال.

وبغضّ النظر عن البركات الأخروية والدنيوية الكثيرة جداً، فإن البيت الذي يُذكر فيه سيد الشهداء يكون بيتاً مباركاً، إضافة إلى ذلك فإنه وسيلة لتحصين أولادنا وبناتن.

وما يقوم به الغرب حالياً ويهتم به بقوة وذلك ضمن خطّة قديمة هي محاولة عزل أجيالنا عن تاريخهم، فإذا سُلب من الإنسان تاريخه فإنه ينتهي، ولعل هذا ما دعا (البهلوي الأول)([115]) في إيران لمقاومة الشعائر الحسينية وبشدة، وله كلمات عنيفة حول سيد الشهداء ، وقد نقل لي أحد الأشخاص بأننا كنّا نقيم سراً المجلس الحسيني، وفي أحد الأيام وبينما كنا جالسين في غرفة مع مجموعة ونقرأ المجلس سرّاً وإذا بالجنود يهجمون علينا، فيقول: تحيّرنا ولم ندر ما نصنع، إذ ليس لنا تفسير وتبرير لذلك، لكن فوراً ألهمنا الله تعالى هذه الفكرة، بأن يضطجع أحدنا وسط الغرفة، ويوهم بأنَّهُ ميّت! ثم أخذنا بالبكاء عليه، فلما دخل (الشرطي) قال: لماذا أنتم مجتمعون؟ قلنا: لأجل هذا الميت المسجى أمامنا، فانصرف بعد أن شاهد الشخص المسجّى وعيوننا المحمرة من البكاء!

كذلك فعل صدام ومارس مختلف أنواع التعذيب بحق القائمين بالشعائر الحسينية، وقبله فعل الهاشمي([116]) في العراق، وفعلت كل الحكومات المتعاقبة على العراق، وكذلك فعل أتاتورك ([117]) في تركيا، وكل هؤلاء حاربوا الشعائر الحسينية، لأن إحدى نقاط قوة الأمم ارتباطها بتاريخها وقادتها، ومن أجل ذلك يفكر الغرب بتغيير مناهج التعليم، لربط أطفالنا بتاريخهم الغربي، مثلاً يذكّرون بـ (لنكولن) لأنه حرر العبيد في أمريكا، في نفس الوقت يريدون أن يسلبوا أولادنا ويجردونهم من تاريخهم، لاحظوا وسائل الإعلام العربية هل فيها ذكر للإمام الحسين وللأئمة الطاهرين عليهم السلام بالمستوى اللائق؟! من هنا يجب أن نهتم بذكر الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وأن لا يكون ذلك عندنا بشكل باهت وضعيف.

إذن المجالس الحسينية في البيوت هي إحدى الأشياء خفيفة المؤونة وكثيرة المعونة، وكثيرة البركة أيضاً، وقد كان السيد الجد (قدس سره) ــ وإن لم يكن خطيباً ــ يقرأ مصيبة الإمام الحسين عليه السلام كلّ يوم يقر يرحمة على الكتاب لمدة خمس دقائق، تبرّكاً بالإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وإن شاء الله يكون لذلك خيرٌ دنيويٌ كثير، وإن شاء الله تكون من وسائل الشفاعة في يوم القيامة.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فهرس الكتاب