أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

2

التعويض الإلهي للإمام الحسين عليه السلام وعطاءات المحبين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

جاء في كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن محمد بن مسلم عن الإمامين الباقر والصادق (صلوات الله عليهما) أنهما قالا: (إن الله سبحانه وتعالى عوّض الحسين (عليه السلام) من قتله بأن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته واستجابة الدعاء عند قبره ولا تعد أيام زائره ذاهباً وراجعاً من عمره)([118]).

معنى التعويض

تكررت كلمة التعويض في الروايات المأثورة عن المعصومين (صلوات الله عليهم)؛ لكن ما معنى التعويض؟ لقد جرت سنة الله سبحانه وتعالى في هذا الكون على أن لا يضيع عمل عامل، وهذه الشعبة تُعدّ فضلاً من الله تعالى وَجُوداً منه للإنسان، لكن هل هنالك فرق في أن يكون هذا العامل عادلاً أو فاسقاً، مؤمناً أو كافراً؟ الإجابة هي النفي؛ فإن الله تعالى لا يضيّع ــ في هذه الحياة ــ عمل العادل والمؤمن، كما لا يضيع عمل الفاسق والكافر أيضاً، كما لا فرق في العامل أن يكون ذكراً أو أنثى، بل حتى وإن كان العمل لغير سبيل الله تعالى([119]).

يروي المحدث البحراني([120]) (رحمة الله عليه) في بعض كتبه قضية وقعت في عهد الإمام الكاظم (صلوات الله عليه)، يقول: جاء رجل نصراني ــ مسيحي ــ إلى أحد أسواق بغداد، وأخذ يخبر الناس بما موجود في بيوتهم، كما أخبرهم بنواياهم وما يرومون القيام به من أعمال مختلفة في المستقبل، وبما أنه لم يكن مسلماً وكان كافراً، فقد أثار استغراب بعض الناس فافتتنوا به، فبلغ ذلك الإمام الكاظم (صلوات الله عليه) فجاءه الإمام ــ حسب الرواية ــ وأخذ بيده بيضة من طائر معين، وسأله عما في يده، فنظر الرجل إلى الآفاق وقال: رأيت الآفاق كلها، فوجدت كل شي في مكانه، إلاّ عش طائر من الطيور، كانت فيه بيضتان، إحدى البيضتين غير موجودة في العش إذاً هي في يدك! فقال له الإمام: بم وصلت إلى هذه المرتبة؟ قال: بمخالفة النفس؛ فقال له الإمام (صلوات الله عليه): أعرِض على نفسك الإسلام، لترى هل تميل إليه أو لا، ففكّر قليلاً وقال: لا؛ نفسي لا تميل للإسلام، فقال له الإمام عليه السلام: أنت قررت مخالفة نفسك، فخالف نفسك، ففكر ثانيةً وقال: حسناً؛ وتشهّد الشهادتين وأصبح مسلماً وحسن إسلامه، بعدئذ قال الإمام الكاظم (صلوات الله عليه) هذه الكلمة: (إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عامل…).

ولذا فإن الإنسان الذي يكون عبداً للقوة الشهوية وللقوة الغضبية، لن يكون بإمكانه صناعة شيء، أما إذا خالف تلك القوى في نفسه فإن الله سيعطيه ويعوّضه، حتى وإن كان كافراً، ويسمى هذا بالرياضة النفسانية، فكما أن الذي يمارس الرياضة الجسمانية يعطيه الله، كذلك بالنسبة للذي يمارس الرياضة النفسانية. وأي شي يفعله الإنسان في الحياة يجد تعويضه من قبل الله سبحانه وتعالى وهو القائل: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ[121]).

ويعدّ علماء اللغة كلمة (مَن) بأنها من أدوات العموم، كما هي كلمة (كُل)؛ أما (مثقال ذرة) فإنها ذرات ضوء الشمس المتسللة من كُوة جدار، يقول لقمان لابنه: (يَا بُنَيّ إِنّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السّمَاوَاتِ أوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ[122]).

ثم إن التعويض الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى للإنسان المؤمن ليس فقط في الآخرة، وإنما في الدنيا أيضاً، فإذا دخلت بيتك يوماً مّا واستفزتك زوجتك ثم كظمتَ غيظَك، أو حصل العكس، فإن الله يجازي كظم الغيظ ويعوّض صاحبه، بحيث يرى هو التعويض وليس غيره (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ)، فالذي يبني مسجداً يراه بعينه أمامه، كما يراه من بعده أولاد صاحب المسجد، بل حتى إذا قام الإنسان بعمل في الليل المظلم وفي السرّ، فإنه سيرى نتيجة ذلك العمل.

 

أبعاد العطاء

إذا كان الله سبحانه وتعالى يعوّض العامل الكافر بهذه الدقّة، فما بالنا إذا كان هذا العامل مؤمناً بل كان ولياً من أولياء الله؟ وما بالنا إذا كان هذا العامل أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام وهم صفوة هذا الكون، وهم خيرة الله سبحانه وتعالى: (وَإِنّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَار ِ[123]).

إن لعطاء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) عدة أبعاد:

الأول: المعطي فقد كان الإمام عليه السلام واحداً من أربعة عشر معصوماً عليهم السلام وهم صفوة هذا الكون، ولأجلهم خلق الله الكون.

الثاني: العطاء فقد يكون عطاءُ الإنسانِ واحداً في الألف، فيعوّضه الله تعالى، وقد يكون العطاء واحداً في المائة فيعوّضه الله تعالى، وقد يُقدّم الإنسان شيئاً ثميناً وعظيماً فيعوّضه الله تعالى، وقد يُقدّم الإنسان كل ما يملك في سبيل الله، وهذا كان عطاء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) إذ كان عطاءً بلا حدود.

الثالث: كيفية العطاء قد يحصل أن يموت لإنسانٍ مّا ــ لا سمح الله ــ جميعُ أولاده في حادث غرق في البحر أو زلزال أو ما أشبه، وربما يأتي لإنسان مّا خبر أن ابنه قُتل بسبب حادث وقع.

وقد يقوم الإنسان بالعطاء الخالص لله تعالى في نفسه وفي أهل بيته وولده، فيقدّم نفسه وأهله وأولاده قرباناً في سبيل الله تعالى، فيُقتلون بأجمعهم واحداً تلو الآخر وبتلك الطريقة البشعة، وهو ما حصل لعلي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) حيث قطّعه الأعداء بسيوفهم إرباً إربا، ثم قتل شخص آخر وهو ابن أخيه، وهكذا..

وهذه الكيفية من الموت تفتّ في عضد الإنسان، لذا فإن الإمام الحسين (صلوات الله عليه) من أعظم الأشخاص في الكون عطاءً، لأن عطاءَهُ كان من أعجب كيفيات العطاء، لذا نقرأ في الزيارة: (بأبي المهموم حتى قضى…)([124]).

وفي المقابل عوّضه الله تعالى.. بهذا التعويض الكبير، والذي نقله محمد بن مسلم في روايته، وهو لم يكن راوياً عادياً، وإنما كان أحد أبرز أصحاب الإمامين الباقر والصادق (صلوات الله عليهما) ومن العلماء الكبار لكن المذكور في الرواية ليس كل التعويض، وإنما بعضٌ من التعويض، حيث هناك روايات اُخَر تذكر جوانب أخرى من التعويض الإلهي للإمام الحسين (صلوات الله عليه).

أولاً: الإمامة في ذريته وهذه عطية وخصوصية لا يشارك الإمام الحسين عليه السلام فيها أحد؛ فالإمامان الحسن والحسين (صلوات الله و سلامه عليهما)، لهما ميزة لا توجد عند أي نبي أو ولي، ولا حتى لأي إمام من الأئمة المعصومين عليهم السلام وهي أنهما يشتركان في مجدٍ لا يملكه أحد غيرهما، وهذا المجد والشرف المكتسب هو أن جدّهما خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) إذ لا يوجد في الكون جدّ كالذي لدى الإمامين الحسن والحسين (صلوات الله وسلامه عليهما)، و أبٌ كأمير المؤمنين (عليه السلام)، أو أم كالصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (صلوات الله و سلامه عليها)، فهذا الشرف لا يشارك الإمامين فيه أحد في هذا الكون كله، لكن الإمام الحسين عليه السلام يمتاز عن أخيه الإمام الحسن عليه السلام بمجدٍ آخر ــ طبعاً هذا ليس بمعنى أن الإمام الحسين عليه السلام أفضل من أخيه عليه السلام..

فالإمام الحسن عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام ــ ولكن الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الخصوصية للإمام الحسين (صلوات الله و سلامه عليه) أعطاه مجداً مكتسباً من طرف الأبناء، إذ جعل الله تعالى الأئمة التسعة المعصومين عليهم السلام من ذرية الحسين عليه السلام، وهذا الشرف لا يشاركه فيه أحد غيره حتى أخوه الإمام الحسن (صلوات الله عليه).

لـــه تربة فيها الشفاء وقُبّــــة           يجُاب بها الداعي إذا مسّه الضُرّ

وذرّيــــة دُرّية منه تسعـــــــةٌ                 أئمةُ حقٍّ لا ثمان ولا عشــــــــر ([125])

إنه لَتعويض عظيم أن يكون التسعة من أربعة عشر معصوم عليهم السلام من ذرية الإمام الحسين (صلوات الله عليه) الذين خلق الله الكون لأجلهم بمن فيهم الإمام الحجة المنتظر صاحب الزمان (عجل الله فرجه) الذي تثبت الأرض بوجوده والسماءُ، ويرزق الورى بيُمنه، لذا من المهم جداً أن يكون للإنسان ذرية بهذا الشكل، وللإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) دعاء ظريف في الأولاد، حيث يقول في أولاده: (… وزيّن بهم مجالسي [126])، أي إنَّ الذي عنده أولادٌ مؤمنون وطيبون، هم بمثابة الزينة في المجلس، فيشعر بالفخر عندما ينظر إليهم، وهذا شعور يدركه الآباء الذين عندهم هكذا أبناء، فيما يشعر الآباء الذين ليس لديهم أولاد، بالحرمان من هذا التوفيق والنعمة، هذا إذا كان الأولاد أشخاصاً عاديين، فكيف إذا كان هؤلاء هم الصفوة التسعة المعصومون من الأئمة المعصومين عليهم السلام.

ثانياً: الشفاء في تربته يعتقد بعض الفقهاء أن الاستشفاء بتربة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، لايقتصر فقط على الأمراض الجسدية، وإنما يشمل حتى الأمراض الروحية، كما لو أن شخصاً يعاني مرضاً روحياً مثل مرض القلق الدائم، أو الخوف أو الوسوسة، فله أن يأخذ مقداراً قليلاً من تربة الحسين عليه السلام ليشفى من تلك الأمراض، وهذه الميزة لا يشترك فيها بقية الأئمة المعصومين مع الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، فليس من حق أحد ــ مثلاً ــ الأكل من تربة الإمام الرضا (صلوات الله و سلامه عليه) بنية الشفاء، وهذا هو المشهور بين العلماء.

ومن الناحية العلمية إذا نأخذ تربة الإمام الحسين (صلوات الله و سلامه عليه) ونحللها في المختبر، ربما لا نجد اختلافاً عن بقية أنواع الترب الموجودة في بقية الأراضي، هذا من الناحية الظاهرية، ولكن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء.

إن جبرائيل الذي يفتخر بأن يكون خادماً للحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، كان راكباً على فرس ــ في قصة بني إسرائيل والبحر ــ وهذا الفرس كان واقفاً على أرض، فجاء السامري وقبض قبضة من أثر حافر الفرس، وألقاه في العجل المصنوع من الذهب فجعله يصدر صوت (الخوار) وهو ما جاء في القرآن الكريم وفي سورة طه: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لّهُ خُوَارٌ [127]).

أي إن التراب الذي أخذه السامري لم يكن من جبرائيل، وإنما من أثر حافر الفرس الذي كان يركبه جبرائيل، وفي مكان آخر يسأل موسى عليه السلام السامري عمّا فعله؟ (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَامِرِيّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مّنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي [128])، لذا لا يجب أن نستكثر على الله سبحانه و تعالى أن يجعل الشفاء في تربة سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله و سلامه عليه).

آثار مجربة لتربة الإمام الحسين عليه السلام

إن الكثيرين قديماً وحديثاً جربوا آثار تربة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، أحدهم المرجع الديني الراحل السيد حسين البروجردي ([129]) (رحمة الله تعالى عليه)، في قضيته المعروفة بخصوص ضعف نظره، والقضية منقولة في كتاب (بندهاي جاويدان) أو (العِبر الخالدة)، وهي بالشكل التالي: أن السيد البروجردي (رحمه الله) وقبل أن يأتي إلى مدينة قم المقدسة كان في مدينة بروجرد ــ إحدى مدن إيران ــ وكان يعاني ألماً شديداً في عينيه، فراجع أطباء كثيرين خلال فترة طويلة لكن دون جدوى، وجاء في هذا الكتاب: أن الأطباء يئسوا من علاجه، و قالوا: ليس هناك من علاج لك، يقول السيد المرجع الراحل: في إحدى أيام عشرة محرم، كنت جالساً في بيتي فيما المواكب الحسينية تدخل وتخرج من بيتي ــ كونه عالم دين ــ وبينا أنا جالس وأعاني الألم من عيني، خطر في بالي مرة واحدة أن آخذ قليلاً من التراب الذي يضعه المعزون على جباههم أو على ثيابهم دلالة على الحزن والعزاء، وبالفعل أخذت مقداراً قليلاً ووضعته على عيني، وإذا بالألم في نفس اللحظة تنخفض حدّته ثم بعد فترة بسيطة يزول نهائياً، علماً أن السيد البروجردي كان يُعد من المعمرين إذ بلغ عمره تسعة وثمانين عاماً، فجاء إلى الطبيب ليفحص عينيه، فأبدى الطبيب استغرابه وقال: حسب المقاييس والحالات الطبيعية فإن من يبلغ التسعين سنة من العمر فإن عينيه تبدأ بالضعف، فكيف إذا كان الشخص هو عالمٌ قضى عمره في المطالعة والتأليف مثل السيد البروجردي (رض) الذي كان شغله مع العلم والكتاب وتكون عيناه سليمتين؟

وكان السيد البروجردي (رض) يطالع الخطوط من بعيد دون الحاجة إلى نظارة طبية، وهذا من بركة تربة المعزين لسيد الشهداء (صلوات الله عليه).

ثالثاً: استجابة الدعاء عند قبره وهذه الاستجابة ليست فقط تحت قبته، وإنما عند قبره، ويبدو أن (العندية) لها عرض عريض، أي حتى إذا كان ــ مثلاًــ الآلاف موجودين حول قبر سيد الشهداء عليه السلام، وكان شخصاً على بعد مسافة ضمن هذه الجموع، فيسألونه: أين كنت؟ يقول: عند قبر سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) وهذه المسألة ذكرها الفقهاء في قوله تعالى: (وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى [130])، فحتى إذا كان شخصٌ بعيداً في حالة زحام الزائرين، فإنه يصدق عليه أنه اتخذ من مقام إبراهيم عليه السلام مصلّى.

رابعاً: ولا تعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره فالفترة التي تستغرق زيارة الإمام سيد الشهداء (صلوات الله عليه) ذهاباً وإياباً، لا تعد من عمر الزائر الذي يوفقه الله تعالى لهذه الزيارة.

لقد جاءت في روايات أخرى أن الله سبحانه وتعالى أعطى الإمام الحسين (صلوات الله عليه) الكثير من المزايا غير ما ذكر، منها: أن الله تعالى ألحقه عليه السلام بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فكان معه في درجته ومنزلته في الجنة ([131]).

تجسيد الحب والولاء بالعمل

على الإنسان أن يقدم كل ما يستطيع لإحياء ذكر الإمام الحسين (صلوات الله عليه) بمقدار ما عنده من الحب والولاء، لكن يجب أن يكون لهذا الحب والولاء مظهراً وتجسيداً، وإلاّ فإن الحب المجرد لا يكون حباً كاملاً، فأحياناً قد يُقدّم الإنسان نفسه قرباناً في سبيل الإمام الحسين عليه السلام كما فعل أصحابه، مثل حبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه)، فهذا درجة ومظهر من مظاهر الحب، أو أن يحضر المجالس الحسينية، أو يلبس السواد على مصاب الإمام سيد الشهداء (صلوات الله عليه)، أو أن يساهم بأمواله لإقامة العزاء في أي مكان، وفي ذلك ثوابٌ عظيم.

ومن مظاهر الحبّ ما كان عند المرجع الديني الراحل السيد السبزواري([132]) (رحمة الله تعالى عليه) عندما كان في العشرين من عمره، فقد دفعه حبه لأمير المؤمنين عليه السلام ولسيد الشهداء عليه السلام، أن ينطلق من أطراف مشهد الإمام الرضا عليه السلام سيراً على الأقدام نحو النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، لأنه لم يكن يمتلك المال لسيارة الأجرة، ولذا أعطاه الله سبحانه وتعالى تلك الدرجة والمنزلة العظيمة في الدني.

وهناك قضية حصلت للسيد محمد صادق الصدر([133]) (رحمه الله تعالى) الذي ألّف كتاباً إبان الحرب العالمية الثانية، حول حياة الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، جزاه الله خيراً، فهو كتاب جيد ونافع، يقول في قضيته مع هذا الكتاب: كتبت سبعين بالمائة من الكتاب، ثم فكّرت في كيفية طباعته، إذ لم أكن أملك المال اللازم لذلك، وبسبب الحرب العالمية الثانية فإن الأسعار كانت خيالية، فيقول: جمعت كل الكتب والمصادر الموجودة لديّ ووضعتها في المكتبة وقررت اعتزال الكتابة، يقول: جاءت زوجتي، وهي بنت السيد محمد الصدر (رض) الذي كان يومها رئيساً للوزراء في أربعينات القرن الماضي، ورأت أني جمعت الكتب، فسألت عن السبب؟ فقلت: أنا تخليت عن الكتابة! قالت: لماذا؟ قلت: ربما كتبتُ الكتاب، فمن الذي يدفع تكاليف طباعته؟ وأنا لا أمتلك المال، والأسعار مرتفعة بشكل خيالي في ظروف الحرب العالمية الثانية.

يقول: ذهبَت لفترة ثم عادت وهي تحمل معها ما تملك من الذهب الذي جمعته وقالت: خذ هذا الذهب و بعه واطبع بثمنه الكتاب! قلت: لا… لن أفعل ذلك، فإن من الطبيعي أن يكون للذهب منزلة عند المرأة، يقول: ذهبت، وبعد مضي يومين جاءت وهي تحمل كمية كبيرة من الأموال وقالت: لقد بعت الذهب وهذا المال لك اطبع به الكتاب، يقول: بذلك وضعتني زوجتي أمام الأمر الواقع، فأخذت المال، وأكملت كتابة الكتاب ثم قدمته للطباعة ونزل إلى الأسواق وتكرر طبعه، وهو من الكتب النافعة.

جاء في مقدمة الطبعة الثانية: (…ولأمور اعتبارية كتمت يومئذ من أسدى لي يد العون في إخراج الكتاب، وحيث قد غيب الثرى تلك اليد الكريمة وأصبحت وا أسفاه تلك النفس الرفيعة في ذمة التاريخ، فأرى من واجب الوفاء أن أذكر هذه اليد وأن أشكر هذه العارفة، إنها يد كريمة سيدنا المرحوم السيد الصدر، لقد رأت حيرتي بأمر طبع الكتاب في ذلك الظرف العصيب، فوضعت تحت تصرفي كل ما تملك من مصاغ ذهبي ــ وما أنقله هو من واسطة ــ لصرفه في شؤون الطبع وامتنعت هي أن تعيده إلى ملكها بعد أن بذلته في هذا السبيل، وقالت: إنك بذلت عصارة فكرك في خدمة جدّك ــ يعني أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) ــ بنفع يبقى، فهل أبخل على جدّي ــ لأنها كانت علوية أيضاً ــ بمالٍ يفنى؟ لنفترض أن تلك المرأة لم تكن لتعطي زوجها ذلك المال، فهل كان يبقى لها؟! إنها توفيت ورحلت عن هذه الحياة، لكنها ترى جزاء ذلك العمل (رحمها الله وعرّف بينها وبين أجدادها)، عندما تسأل عن النعيم، حيث تقول الآية الكريمة: (ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ [134]).

إذن يجب أن تكون لنا يدٌ وموقف يكون لنا ذخراً (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [135]).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فهرس الكتاب