أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

1

لماذا إحياء الشعائر الحسينية في عاشوراء؟

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما يكون شهر محرم على الأبواب، يبدأ المؤمنون في كل مكان بالإعداد لهذا الشهر الكريم، وينبغي علينا في كل عام جديد أن نهتم أكثر فأكثر بهذا الشهر وبعزاء سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).

لهذا الاهتمام درجات ومراتب، وإحدى هذه المراتب أن يُشارك الشخص في عزاء سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، ومرتبة أخرى أن يقيم الشخص بنفسه في بيته أو في حسينيته، عزاء سيد الشهداء ، وهنالك مرتبة رفيعة من هذه المراتب تتمثل بما وجدتموه لدى كثير من المؤمنين الذين بذلوا ويبذلون أرواحهم وهي أغلى ما يملكون في سبيل سيد الشهداء، كما حصل جراء التفجيرات المؤلمة التي حدثت في العراق وقُتل فيها كثير من المؤمنين.

كان هنالك أحد المؤمنين قد ذهب إلى كربلاء المقدسة ثم عاد منها إلى قم، فأخذ يتحدث ويقول: إنني مُتألّمٌ جداً لأنني لم أنل توفيق الشهادة في هذه التفجيرات([182]).

وكان يبكي عندما ينقل هذه القضية للآخرين، إذن هذه التضحية تمثل مرتبة عليا، فهنالك أفراد يُضَحُّون بأرواحهم وبكل ما يملكون في سبيل الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

هذه المراتب الحاصلة في الدنيا تترتب عليها درجات في الآخرة، لذلك ينبغي علينا أن نهتم بإحياء هذه القضية ــ قضية الإمام الحسين عليه السلام ــ في كل عام جديد أكثر فأكثر، وهنالك عوامل تدعونا لهذا الاهتمام نذكر منها ثلاثةً على نحو الاختصار:

1. التحدي الحضاري

العامل الأول: نحن المؤمنين بلا استثناء دخلنا اليوم في معركة تَحَدٍّ حضاريٍّ كبيرٍ، وجوهر هذا التَّحدّي الحضاريّ بأن نحفظ هويتنا أو نفقدها، فهنالك الآن جهات كثيرة في العالم تحاول أن تجرّدنا من هويتنا، والتجريد من الهوية يعني أن الشاب أو الفتاة تنفصل نفسياً وفكرياً وروحياً عن تاريخها وعن قادتها وعن مُثلها وعن رموزها، فالأمة التي لا تملك تاريخاً كالفرد الذي لا يملك ذاكرة، لا أدري إذا كنتم قد لاحظتم أفراداً فقدوا ذاكرتهم أم لا؟

واليوم عندما نتحرك في الحياة ونقوم ببعض الأعمال، إنما نعتمد في ذلك على مخزون كبير من تاريخنا وهو الذي يوّجه حركتنا في الحياة، فإذا فقد الفرد ذاكرته ــ وهو مرض موجود ومعروف يقال له الزهايمر ــ سيبدأ بنسيان معلوماته شيئاً فشيئاً، ويعيش حالة الغربة عن الأفراد الذين يحيطون به، ولن يعرفهم حتى لو كانوا أصدقاءه، ثم يشتد هذا المرض تدريجيّاً، فلا يعرف أقرباءه أيضاً، فحين يدخل عليه ابنه ويُحيّيه ينظر إليه كأنه رجل غريب، ويشتد المرض أكثر فأكثر فلا يستطيع أن يقوم حتى بأوليات حياته، بمعنى إذا كان يريد أن يلبس ملابسه لا يقدر على ذلك، وإذا أراد أن يأكل يتحيّر كيف يأكل؟! لأن مرضه هذا آخذ بالتطور انتشار.

كذلك الأمة التي لا تاريخ لها تكون مثل فرد من دون ذاكرة، وتوجد هنالك جهات تحاول اليوم أن تفصلنا عن تاريخنا، فالشاب الذي انفصل عن التأريخ، والفتاة التي انفصلت عن التأريخ، يعني أنهما لن يعرفا كيف يسيران في الحياة، ربما تجدون أحياناً أفراداً في الشوارع أو على الأرصفة قد فقدوا تأريخهم! إن هذا الخطر لازال قائماً وماثلاً، فقد كان الذين يذهبون قديماً إلى بلاد الغرب يواجهون هذا الخطر هناك، أما أولادنا وبناتنا الآن فيواجهون هذا الخطر في بيوتنا كأنهم مثل شجرة تُجتثّ من فوق الأرض وما لها من قرار ([183]).

كيف نحفظ هويتنا؟

يجب علينا أن نربط أجيالنا بتأريخنا، لأنَّ التأريخ مهمٌ جدّاً، وأحد أهم الأشياء هو أن نربط أجيالنا ــ الأولاد والبنات وحتى الصغار منهم ــ بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وبأهل البيت عليهم السلام وبالإمام الحسين (صلوات الله عليه)، فكثير من الأفراد سافروا إلى بلاد الغرب وعاشوا في ذلك الخضمّ الذي تعرفونه، لكن الذين عاشوا عاشوراء في قلوبهم وأرواحهم ونفوسهم، تمكنوا من أن يحفظوا هويتهم.

نقل لي أحدُ الأخوة المُطّلعين حول هذا الموضوع: بأنَّ علماءَ الغرب يقومون حاليّاً بدراسات كبيرة ودقيقة جدّاً حول التشيُّع، لكي يعرفوه جيّداً ويعرفوا من هم الشيعة؟ وقال: إنه نُشرت مقالة لأحد المفكرين الغربيين يتحدث فيها حول الجاليات التي جاءت إلى بلدان الغرب حيث ذاب وانتهى كثير منها في ذلك المحيط، ويضيف هذا المفكر الغربي: ولكن وجدنا هنالك أمة واحدة تستعصي عليها عمليات التذويب وتقاوم بقوة وهم شيعة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ــ ربما فقد بعض الأفراد هويتهم، ولكن كأمة عموماً حفظوا هذه الهوية ــ ثم يسأل هذا المفكر الغربي: كيف حافظ هؤلاء الشيعة على هويتهم وكيانهم وأصالتهم؟

فيجيب: يقف وراء ذلك عاملان:

العامل الأول: هو الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وهو عامل مهم جداً، فقد عمل البعثيون في العراق خمسة وثلاثين عاماً([184]) ودمروا وفعلوا الكثير بما يحتاج تدوينه إلى آلاف المجلدات لكي يعرف الإنسان ماذا فعلوا، ولكن على الرغم من ذلك حافظ المؤمنون في العراق على دينهم وإيمانهم، لذلك فإن قضيةَ عاشوراء والارتباط بها تعد من العوامل المهمة في هذا المجال.

العامل الثاني: المرجعية الدينية عند شيعة أهل البيت عليهم السلام، حيث إن هذا الانشداد والارتباط والاعتقاد والإيمان الروحي بهذه المرجعية هو الذي حفظ هذه الأمة، لذلك في الواقع يجب أن نبقي هذا الارتباط بالتاريخ وبالإمام الحسين (صلوات الله عليه) على أقوى ما يكون، حتى عند أطفالنا الصغار.

يوجد في مدينة قم المقدسة موكب مبتكر، وهنالك مواكب كثيرة في هذه المدينة، لكن هذا الموكب الخاص بالأطفال الرُضّع، لعله يكون مُبتكراً، فالكبار يحملون أطفالاً رُضعاً في مسيرة تحمل اسم (موكب علي الأصغر) (صلوات الله عليه) ويسيرون في الشوارع فحتى الطفل الذي عمره عشرة أيام سيرتبط روحياً بعلي الأصغر عليه السلام وبسيد الشهداء عليه السلام.

أحد الأخوة عنده طفل صغير عمره عام أو أقل، وكان كلما يُسقيه الماء يقول له: قُل: يا حسين، ويسقيه، حتى يرتبط هذا الطفل الصغير شيئاً فشيئاً بعلي الأكبر ، وإذا أصبح شابّاً وهو مرتبط بعلي الأكبر فبعد ذلك لا يخون هذا الشاب ولا ينحرف، كذلك الشيخ الذي ارتبط بحبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه)، إننا والحمد لله نملك نماذج مشرقة عظيمة في قضية كربلاء، فعندنا نموذج الشباب وهو علي الأكبر عليه السلام، وعندنا نموذج الشيوخ وهو حبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه)، وعندنا نموذج الأخت المُجاهدة وهي زينب الكبرى (صلوات الله عليها)، وعندنا نموذج الأخ الوفيِّ وهو أبو الفضل العباس (صلوات الله عليه) و… غيرهم.

فإذا اضطر الآخرون أن يخترعوا نماذج، فنحن لا نحتاج لذلك، لأن تأريخنا والحمد لله مليء بهذه النماذج المشرقة.

2. عاشوراء طريق النجاة

العامل الثاني: إنَّ الاهتمام بقضية عاشوراء وسيد الشهداء (صلوات الله عليه) سببٌ لنجاتنا بإذن الله في الدنيا والآخرة، حيث كان المرجع الشيخ عبد الكريم الحائري([185]) (رحمة الله عليه) الذي أسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، في كل يوم وقبل أن يبدأ بإلقاء البحث العلمي على طلابه، يدعو الخطيب لقراءة المصيبة على الإمام سيد الشهداء عليه السلام.

وبعد الانتهاء من المصيبة يبدأ ببحثه العلمي.

وكان (رض) يخرج في يوم عاشوراء أو في ليلة عاشوراء مع المواكب، مع أنهُ كان المرجع الأعلى في حياته، وكان يخرج في المواكب مع الأطفال العاديين ويلطم على صدره وعلى رأسه، قال له البعض: شيخنا هذا وضع لا يناسبك كمرجع. فقال: إن كل ما عندي إنما هو ببركة الإمام الحسين (صلوات الله عليه).

وهنالك قضيتان للشيخ عبد الكريم (رض) إحداهما: إنه أوشك على الموت في قضية مطوّلة، حيث جاءه ملك الموت وقد رأى الشيخ ملك الموت وأعوانه جاؤوا لقبض روحه، وقد كان في حينها في مدينة كربلاء، فتوجه إلى سيد الشهداء (صلوات الله عليه) وقال: يجب أن نموت جميعاً في أحد الأيام، ولكني اليوم ليس عندي شيء من الأعمال، فكيف أفِدُ إلى ربي بيد خالية.

ثم توسّل الشيخ بسيد الشهداء عليه السلام وإذا بالملائكة يرجعون من حيث أتوا، وكان الشيخ الحائري (رض) يقول لابنه: إن كل ما عندي من البركات والتوفيقات في حياتي إنما هي من عطاء سيد الشهداء (صلوات الله عليه).

أما العلامة الأميني([186]) (رحمة الله عليه) فينقل في مؤلَّفه (الغدير)، ويقول: رأيت والدي بعد وفاته في هيئة جيدة ومقام جيد فقلت له: يا أبتاه ؛ كيف وصلت إلى هذا المقام؟. فقال: وصلت إلى هذا المقام ببركة زيارة الإمام الحسين (صلوات الله عليه).

قلت له: إن العلاقات متوترة حالياً بين إيران والعراق ــ والقضية حدثت قبل حوالي ثلاثين عاماً ــ فإنا لا نتمكن من أن نزور سيد الشهداء عليه السلام فماذا نفعل؟ قال: عليكم بإقامة مجالس سيد الشهداء.

نعم قال الشيخ لابنه: إذا لم تتمكنوا من زيارة الإمام الحسين عليه السلام أقيموا مجالس العزاء واشتركوا فيها، وعندما تذهبون إلى هذه المجالس خذوا أطفالكم معكم.

وبعد تنفيذه وصية والده، أوصى العلامة الأمينيّ ولدَه : كنت في أيام حياتي أوصيك بقراءة زيارة عاشوراء كثيراً، والآن أؤكد عليك بعد رحيلي أن تداوم على زيارة عاشوراء، فإنَّ فيها النجاة في الدنيا والآخرة، ويقول ابنه: بأنه اليوم متواصل في قراءة زيارة عاشوراء منذ ثلاثين عام.

كان هنالك لأحد المؤمنين الشباب في الكويت وهو معروف بالتديّن طفلاً مشلولاً عمرُه عام، وقد ذكر لأحد العلماء بأنه يعاني من هذه القضية، فقال له العالم: اقرأ زيارة عاشوراء أربعين يوماً ــ مع السلام مائة مرة واللعن مائة مرة كما ورد في الزيارة ــ يقول هذا الشاب المؤمن: بدأتُ بقراءة هذه الزيارة في وقت واحد ومكان واحد، وإذا بطفلي في اليوم العشرين يقوم سليماً معافىً وكأنه لم يكن يعاني من شيء.


صناعة العقلية

إن الإنسان إذا أقام مجلساً في بيته سيجد فيه بركات كثيرة، أتدرون أن أطفالنا يعيشون اليوم عقلية الأفلام، فهي التي توجّه وتصنع عقليتهم، لكن إذا اُقيم مجلس حسينيّ في بيتكم هذا المجلس سيصنع عقلية الطفل.

وقد نُشر تقرير علمي جديد حول هذا الموضوع، وهو خطر يجب أن يتنبّه له الآباء والأمهات، فهنالك الكثير من الألعاب الموجودة والمتداولة بين الأطفال تحتوي على مشاهد عنف، وجاء في التقرير العلمي المذكور، إنه توجد هنالك في المخ منطقة حساسة تجاه العنف، بمعنى أنَّ الطفل عندما يرى منظراً عنيفاً في الخارج، كأن يضرب شخص شخصاً آخر، فيبدي المخ حساسية تجاه هذا المنظر بالفطرة، ويكره ذلك ويتأثر وينفعل وينزعج، يذكر هذا التقرير بأن الأطفال الذين اُجريت عليهم التجارب ممن يشاهدون الأفلام والبرامج التي تحتوي على العنف ستقلّ حساسيتهم تجاهه، لأن الطفل الذي يرى المظاهر العنيفة في هذه الأفلام مئات المرات، سوف لا يبدي حساسية تجاه العنف، فإذا مر على منظر ما ورأى شخصاً يُقتل يصبح عنده منظراً عاديّاً، ولا يُبدي ردَّ فعلٍ نفسيّ تجاه ذلك، بعكس ذلك إذا كان الطفل رضيعاً، أي عمره عامان أو ثلاثة وينشأ في بيت يسمع فيه الخطيب الحسيني والمواعظ الدينية ويشترك في تقديم الطعام للحاضرين، فسوف تُنظَّم عقليته على هذا النحو.

إن الاهتمام بقضايا سيد الشهداء عليه السلام يحفظ لنا هويتنا أولاً؛ لأن هذه المعركة الكبيرة يعيشها المؤمنون اليوم في كل مكان، وثانياً إن شاء الله تكون هذه الأعمال سبباً لنجاتنا في الدنيا والآخرة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فهرس الكتاب