أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

2

معنى ومفهوم شعائر الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [187]) . صدق الله العلي العظيم.

يدور حديثنا حول الشعائر الإلهية ويشتمل البحث على محورين:

المحور الأول: معنى ومفهوم كلمة الشعائر

إن ما يظهر من كتابات وكلمات بعض العلماء، هو أن (الشعائر) تمثّل العلامات التي تقودنا إلى الله تعالى، ولذلك يُطلق عليها: شعائر الله.

لكن هذا التعريف الذي ذكره بعض العلماء يحتاج إلى وقفة، مفادها أن جميع الأشياء الموجودة في هذا الكون من نبات وحيوان وشجر وحجر وإنسان، تقودنا إلى الله تعالى، حيث يقول الشاعر:

وفي كل شيء له آيــــةٌ             تدلُّ على أنَّه واحـــــدُ([188])

بمعنى أن كل شيء يعتبر آية من آيات الله تعالى وعلامةً من علائمه سبحانه، ودليلاً من الأدلة الدالة على الله عز وجل، ونقرأ في دعاء عرفة للإمام الحسين (صلوات الله عليه) حين يخاطب ربّه فيقول: (عميت عين لا تراك…) ([189]).

إن كل شيء آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، حتى ورقة الشجر هي آية من آياته تعالى، لكنها لا تدل على وجوده سبحانه فقط ــ لندقق في هذه الجملة ــ وإنما تدل على وجوده وعلى علمه وقدرته وحكمته وإحاطته ووحدانيته تع,الى، لذلك جاء في القرآن الكريم (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [190])، فالعالِم هو الذي ينتقل من هذه الكائنات إلى الله تعالى وإلى حكمته وعلمه وقدرته وإحاطته وقيوميته سبحانه.

إن دعاء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) في يوم عرفة مليء بالمعارف وكله معرفة: (عميت عين لا تراك)، لذلك فالعين التي لا ترى الله تعالى مع كل هذه الآيات الموجودة تُعدُّ عيناً عمياء، ولكي يدّعي شخص ويقول بأن الله غير موجود (والعياذ بالله) فهذا يحتاج إلى عمى العين والبصيرة معاً.

إذن جميع الأشياء والكائنات والموجودات تقودنا إلى الله تعالى، ولكنَّ هنالك فرقاً، فهنالك أشياء تدلنا على الله تعالى، وهنالك أشياء أخر متمحضة في الدلالة على الله.

فالنوع الأول: هو ما يدلنا على الله، أما النوع الثاني: ــ وكلامنا يخص هذا النوع ــ فهو ما يكون متمحضاً في الدلالة على الله، بمعنى أن ورقة الشجر فيها أبعاد أحدها هو بُعد الدلالة على الله تعالى، ولكن هنالك أشياء متمحضة في الدلالة على الله، بمعنى أنها بكاملها تدل على الله تعالى، فظاهرها دلالة عليه سبحانه، وكذلك باطنها وجوهرها وشكلها دلالة عليه تعالى، أي أن كيانها كله هو كيان دلالي يدلّك على الله سبحانه.

إن النوع الثاني هو من الأنواع التي تتعلق بالأشياء المتمحضة في الدلالة على الله تعالى، وهي التي يقال لها: (شعائر الله) تعالى، فليس كل علامة فيها تقودك بمفردها إلى الله سبحانه بل كيانها وواقعها وحقيقتها مجتمعة تمثل الدلالة المذكورة.

مثال على ذلك المسجد، فإنه من شعائر الله: (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) فما هو المسجد؟ إن واقعه وهيئته وشكله يدلّك ويقودك إلى الله تعالى، فحين تذهب إلى أحد البلدان سترى أشياء كثيرة، حيث توجد بنايات وعمارات ومصانع وإذا بك تشاهد مسجداً، فعلى ماذا يدلك هذا المسجد؟ إنه يدلك على الله تعالى، إذن هو شعيرة من شعائر الله، فالمآذن والأذان شعيرة من شعائر الله تعالى، ولكن ما هو الأذان؟ إنه وسيلة من الوسائل التي تدلنا على الله تعالى.

إننا نعيش هذه الشعائر مثل السمكة التي تعيش في الماء، فهي لا تشعر بقيمته حتى يخرجونها منه، لذلك فإن هذه المساجد والحسينيات والمآذن والأذان والمجالس الحسينية نعمة لا نشعر بقيمتها، إلا حين نفقده.

كان أحد الغربيين يعيش في بعض البلاد الإسلامية، وقد كتب هذا الرجل الغربي مذكراته في كتاب له ذكر فيه : حين عشت في ذلك البلد الإسلامي كنت أوقت الساعة قبل أذان الفجر وأستيقظ من نومي ثم أفتح النوافذ منتظراً أذان الفجر، ولكن لماذا كان يفعل ذلك؟ يقول: إن هذا يشرح لي روحي فأشعر أنني انتقلت إلى عالم آخر.

لا أدري إذا كان الشباب يسمعون أذان الفجر أو لا؟ فعندما يسمع الإنسان الأذان في ظلام الليل وفي ذلك الهدوء سيتحرك نشاطه الباطني، حيث تؤثر كلمات الأذان في روحه وتقوده إلى عالم آخر.

إن النظر إلى الكعبة عبادة، لأن الكعبة شعيرة من شعائر الله تعالى، فتقودنا إليه سبحانه، كذلك أرض عرفات شعيرة من شعائر الله تعالى، وكذلك أرض المشعر، إن الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الأشياء: (إِنّ الصّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ [191]) فهي علامات تقودنا إلى الله تعالى.

إذن (الشعائر) هي جميع العلامات التي تقودنا إلى الله تعالى، وهي العلامات المتحمضة أو شبه المتمحضة في الدلالة على وجود الله.


شعائر الله تقودك إلى الله

المحور الثاني: وهو محور مهم يتعلق بالاشكالات التي تُثار حول بعض الشعائر الإلهية من قبل الذين ربما لا يعرفونها، فهل يشترط في كون شيء مّا شعيرة من شعائر الله أن يكون هذا في عهد المشرّع؟ بمعنى لو افترضنا أن الشيء الذي يقودنا إلى الله تعالى لم يكن موجوداً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا في عهد الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، بل وُجد قبل مائتَي أو ثلاثمائة عام، فهل يمكن أن يقول أحدهم بأنّ هذا الشيء لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذن نرفضه ولا نقبله؟! نختصر الجواب عن ذلك، لأن هذا يحتاج إلى بحث مطول، حيث بحث علماء الأصول في هذا المبحث، ومنهم المحقق النائيني ([192]) (رحمة الله عليه) وهو أستاذ الفقهاء المعاصرين أو كثير منهم أو شيخ مشايخهم، فالقضايا الشرعية عادةً ما تساق على نحو القضية الحقيقية وليس على نحو القضية الخارجية.

ولكن ماذا تعني القضية الحقيقة؟ إنها تعني المفهوم، فهل لهذا المفهوم أفراد محددون في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بمعنى هل يختص هذا المفهوم بأولئك الأفراد الذين كانوا موجودين في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقط؟ كلا؛ لأن طبيعة القضية الحقيقية تستوعب جميع الأزمنة والأمكنة، وجميع الأفراد لهم الحق في التعبير عنها، لأنها محققة الوجود ومقدرة الوجود أيضاً.

بمعنى: حتى إذا كان إنسانٌ ما ليس موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووُجد بعد ألف أو ألفي عام أو أكثر، فذلك المفهوم الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) أو الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم سينطبق على ذلك الفرد[193])، فلا يشترط لشيء أن يكون موجوداً في عهد النبي (صلوات الله عليه) أو في عهد الأئمة الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم) لكي ينطبق عليه مفهوم الشعائر.

سأقدّم مثالاً ــ كما جاء في الحديث الشريف ــ ثم أنتقل إلى شعائر الله تعالى: (من أحبّ أن لا يُظلَم لَحْدُه فلينور المساجد) ([194]) بمعنى أن قبره أو لحده يكون مضيئاً ولا يكون مظلماً، إذن في إنارة المساجد ثواب عظيم عند الله سبحانه وتعالى، لكن كيف كانت الإنارة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)؟

هل كانت بالمصابيح الزيتية مثلاً أو النفطية أو ما أشبه؟ وهل يشمل هذا الحديث فقط ذلك الفرد الذي أنار المسجد بالمصابيح الزيتية؟ بمعنى إذا أضاء المؤمن في الوقت الحالي المساجد بالمصابيح الكهربائية غير مشمول بهذا الحديث؟

وهل يُقال له يجب أن تأتي بمصباح زيتي أو نفطي حتى يشملك هذا الحديث؟ وإذا جلبت مصباحاً كهربائياً لإنارة المسجد فالحديث النبوي الشريف لا يشملك، هل هذا منطق؟! وهل يقبله عالم أو فقيه؟ إن القضية الحقيقية لا تقبل مثل هذا المنطق، فقد تُلغى كل هذه المصابيح الموجودة الآن بعد ألف عام ولم يعد لها أي وجود، وتكون الإنارة بشكل آخر أو وسائل أخرى، فهل الحديث الشريف لايشمل وسائل الانارة المستجدة؟

إن هذا ليس منطقاً مقبولاً، وهكذا (شعائر الله) تعالى لا يمكن أن يُقال إنها بدعة لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)… إن أي شعيرة من شعائر الله تعالى تقودك إلى الله سبحانه وتعالى، وأي شيء ما عدا المحرمات ــ اتركوا المحرمات ــ أقصد أي شي خارج نطاق المحرمات يقودنا إلى الله تعالى، هو مشمول بهذه الآية: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

هل كانت المدارس الدينية موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهؤلاء الذين يفتحونها هل كانوا موجودين في عهد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؟ كلا، وهل كان الدارسون يجلسون بحلقات في المساجد؟ وهل كان يوجد أستاذ أو معلم وكتّاب يُدرسّون أطفالاً ؟ كلا لم تكن هذه الأمور موجودة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)؛ إذن هل يمكن أن نقول بأن المدارس الدينية غير مشمولة بهذه الآية الكريمة؟ فهل هذا منطق مقبول؟ ولكن لماذا لا يقبلون بتطبيق هذا المنطق على المدارس الدينية؟ ولا يحكمون هذا المنطق في هذه المواقع، ويحكمونه في مواقع ثانية؟ إن هذا ليس منطقاً.

فشعائر الله تعالى: هي كل شيء يقودنا ويذكرنا ويدلنا عليه سبحانه؛ وتعظيمها دليل على تقوى القلوب، فالإنسان المتقي يعظم الله ويعظم كل شيء يرتبط بالله سبحانه وتعالى.

وعندما نكون على أعتاب شهر محرم الحرام، أو على أعتاب عام جديد حيث يمضي عام ثان وثالث ورابع وإذا بنا ننتهي، فالذين كانوا أطفالاً أصبحوا الآن شباباً، والذين كانوا شباباً أصبحوا شيوخاً طاعنين في السن، ولكن ماذا بعد الشيخوخة؟ كنا نقرأ في الكتب الأدبية: (يا قوم قد حَوقَلتُ أو دنوتُ وبعد حيقال الرجال موت)([195])

الشعائر الحسينية شعائر الله

إن الشعائر الحسينية هي جزء من شعائر الله تعالى، أو يمكن أن نعبر عنها ونقول: بأنها من أهم شعائر الله تعالى، فليس للإمام الحسين (صلوات الله عليه) وجود غير ما يدل على وجود الله تعالى، ولا هو بمعزل عن دينه سبحانه، لقد فدى الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) نفسه وكيانه وكل ما يملك لله سبحانه وتعالى، وقال بلسان حاله: (إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي    فياسيوف خذيني) ([196]).

ويقول الشاعر:

(هذي رجالي في رضاك ذبائح      ما بين منحور وبين طعينِ)([197]).

وفي موقع آخر:

(أعطى الذي ملكت يداه إلهـه         حتّى الجنين فداه كُلُّ جنينِ)([198]).

بمعنى أن الإمام عليه السلام أعطى كل ما كان في يده أو عنده حتى الجنين، أعطاه لله سبحانه وتعالى (حتى الجنين فداه كلُّ جنين)، لذلك ليس للإمام الحسين (صلوات الله عليه) وجود منفصل عن دين الله تعالى، وإن تعظيم شعائره ومجالسه (عليه السلام) هو في الواقع تعظيم لشعائر الله سبحانه وتعالى، لذلك ينبغي على الإنسان أن يحاول بالمقدار الذي يتمكن منه أن لا يحرم نفسه من هذا الفيض العظيم في الأيام المباركة لشهر محرم الحرام.

الشعائر الحسينية سبب لغفران الله

نختم موضوعنا بالحديث عن بعض الأفراد الذين وفّقوا لخدمة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) ونالتهم عناية أهل البيت عليهم السلام، وأحد هؤلاء الأفراد، الرجل المعروف ولعلّكم جميعاً سمعتم به وهو الفرزدق، صاحب القصيدة التي اختلف عليها المؤرخون:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته      والبيت يعرفه والحل والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كــلهم       هذا التقي النقي الطاهر العلمُ ([199])

فقد اختلف المؤرخون في من قيلت هذه القصيدة، بعضهم يعتقد أنها قيلت في الإمام السجاد (صلوات الله عليه)، وبعضهم يعتقد أنها قيلت في سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، على كل حال، كلهم نور واحد.

إن هذا الموقف الذي اتخذه الفرزدق هو موقف عجيب حقيقة، فالإنسان يُعرَف من مواقفه، فقد تذهبون مع أحد أصدقائكم العاديين إلى الحج، وقد يتخذ موقفاً ما في خلال دقائق يغير نظرتكم إليه، إن هذا الموقف عجيب حيث سيكشف في دقائق عن عمق عجيب ــ كما لو أنكم تذهبون إلى الصحراء وترون منبع ماء صغير، بسعة شبر أو شبرين، ولكن ستكتشفون أن هذا المنبع الصغير يكشف عن منبع عظيم ــ حيث عرَّض الفرزدق نفسه للقتل أمام هشام، وهذا هو موقفه العظيم جداً.

ينقل الجامي وهو أحد كبار علماء السنة هذه القضية فيقول: رؤي الفرزدق عندما بعث له الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) مالاً فقال للإمام عليه السلام: أنا لا أقبل هذا المال لأني ما قلت الذي قلته إلاّ غضباً لله ولرسوله.

لكن الإمام عليه السلام أصرّ عليه فقبل المال بعد أن قال له الإمام عليه السلام: إن الله رأى موقفك وعلم نيتك ولكن اقبل هذا المال. فقبله.

وينقل الجامي في كتابه أن شخصاً رأى الفرزدق في عالم الرؤيا بهيئة حسنة وجيدة، فقال له: كيف أُعطِيَتْ لك هذه المنزلة وهذا المقام؟ فقال: إن الله تعالى غفر لي بسبب تلك القصيدة.

فيعلق الجامي على هذه الكلمة ويقول: لو أن الله تعالى غفر للعالمين جميعاً بهذه القصيدة ما كان هذا الأمر عجيباً([200])، بمعنى أنَّ هذه القصيدة فيها من قوة الموقف ما يمكن أن يغفر بها الله سبحانه وتعالى للعالمين، لذلك يمكن أن يكون المجلس الذي نقيمه سبباً لغفران الله تعالى ورحمته، كذلك يمكن أنْ تكون المقالة التي نكتبها والكتب التي نطبعها أو الماء الذي نعطيه للقلوب العطشى سبباً للمغفرة، فلماذا يحرم الإنسان نفسه من هذا الفيض؟

دعبل الخزاعي (رض)

كذلك من الأفراد الذين وفّقوا ونالتهم العناية: هو دعبل الخزاعي ([201]) (رحمة الله تعالى عليه) فقد كان موقف هذا الرجل عظيماً، فعلى مدى خمسين عاماً كان دعبل مشرداً من أجل أهل البيت عليهم السلام، وكان يقول: إنني أحمل خشبتي هذه طيلة خمسين عاماً وانتظر من يصلبني عليها ([202])، وقد عرَّض هذا الرجل نفسه للقتل لحبه لأهل البيت عليهم السلام ودفاعه عنهم، وقد قال للإمام الرضا (صلوات الله عليه): (لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها)، فأنا عشت في هذه الدنيا خائفاً، (وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي) أو (يوم وفاتي)([203]).

لا أدري، إن كنتم ذقتم معنى الخوف في أيام الاحتلال، وهنالك بعض الشعوب المشرّدة الآن تذوق معنى الخوف أيضاً، فالخوف شيء قاتل، ودعبل الخزاعي عاش خمسين عاماً خائفاً مشرداً مطارداً من أجل أهل البيت عليهم السلام .. فإذا قلنا على الإنسان أن يقيم مجلساً أو يحضر مجلساً، هل نستكثر ذلك على أهل البيت عليهم السلام؟ أو أن يتبرع الشخص بطبع كتاب للإمام الحسين (عليه السلام) أو لإقامة المجالس الحسينية في داخل الكويت أو خارجها، فينبغي أن لا يستكثر الإنسان ذلك؛ لأنه أمر طبيعي بل قليل جداً في حق الإمام الحسين عليه السلام..

وحينما قال دعبل:

لقد خفتُ في الدُّنيا وأيّام سعيها       وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال له الإمام الرضا (صلوات الله عليه): آمنك الله يوم الفزع الأكبر.

وقد أوصى دعبل أن تدفن هذه القصيدة التائية التي يقرأها الخطباء، معه في كفنه حتى تكون مُنجية له في الليلة الأولى من القبر، ومن القصيدة قوله:

أفاطم لو خلت الحسين مجدَّلاً          وقد مات عطشاناً بشطِّ فراتِ

وقد رؤي الخزاعي (رض) في عالم الرؤيا وعليه ثوب أو ثياب بيضاء وقلنسوة بيضاء أيضاً وهو في هيئة حسنة، فسأله الرائي: كيف أصبحت هكذا وما هذه الهيئة الحسنة؟. فقال: بعد أن توفيتُ، جاءني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لي: أنشدني أبياتك: (لا أضحك الله سن الدهر…)

فقال دعبل: أنشدته الأبيات:

لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت       وآل أحمد مظلومون قد ظلموا

مشردون قد نفوا عن عقــر دارهم       كأنهم قد جنوا ما ليس يغـتفرُ

  ويقول دعبل: أنشدته هذه الأبيات، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم خلع عليّ هذه الثياب البيضاء والقلنسوة البيضاء وتشفع لي عند الله تعالى، وأصبح النبي (صلى الله عليه وآله) شفيعاً لي عند الله تعالى وأنا الآن في هيئة حسنة وأنتظر يوم القيامة ([204]).

السيد حيدر الحلي (رض)

ومن الأفراد الذين وفّقوا في هذا المضمار أيضاً: السيد حيدر الحلي (رحمة الله عليه) ([205]) وهو شاعر جديد وليس قديماً، شاعر عجيب وأشعاره في أهل البيت (صلوات الله عليهم) قوية جداً، ويُنقل في أحواله أن المجدد الكبير الميرزا محمد حسن ([206]) (رحمة الله عليه) قد زاره أحد الأيام في بيته ــ إن هؤلاء الذين يخدمون أهل البيت عليهم السلام يجب أن يعظّموا حقيقة، وأن لا يُنظر إليه بشخصه بل بكونه خادما لأهل البيت عليهم السلام ــ فالمجدد الكبير (رض) صاحب قضية التنباك كان المرجع الأعلى في حياته ومع مكانته ومرجعيته زار السيد حيدر شاعر أهل البيت عليهم السلام، فانحنى هذا المرجع الكبير ــ لاحظوا التعظيم ــ وقبّل يد السيد حيدر الحلي (رض) ليس لأنَّه السيِّد حيدر الحلي بل ينظر إليه بأنه شاعرُ أهل البيت عليهم السلام ولأنه خادمهم (صلوات الله عليهم).

في عالم الرؤيا رأى السيد حيدر (رض) السيدة الصديقة الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها) فدعت له بدعاء مهم جداً ــ يوجد هناك بعض الأفراد يسعون ويخدمون مدة ثم على أثر بعض المشاكل التافهة وغير التافهة يتركون الله تعالى فيُسلَب منهم التَّوفيق، حقاً ينبغي على الإنسان أن يخاف من أن يُسلب منه التوفيق يوماً مّا على أثر أشياء تافهة وغير تافهة نسأل الله تعالى أن يديم هذا التوفيق، ويوجد أفراد سُلب منهم التوفيق فانحرفوا ومنهم حسان الذي دافع عن أمير المؤمنين عليه السلام ثم صار يحرض الناس ضده عليه السلام ــ .

يواصل السيد حيدر (رض) قوله: رأيت الزهراء (صلوات الله عليها) في عالم الرؤيا ــ وهي جدته لأنه (رض) من ذرية الحسين عليه السلام ــ وذهبت إليها وسلمت عليها وقبلت يدها فقرأت لي هذا البيت:

أناعيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعيا            تهيج على مر الليالي البواكيا

  ويواصل السيد الحليِّ (رض): فنهضت من النوم باكياً ثم نظمتُ قصيدة على غرار هذا البيت الذي ذكرته الزهراء (صلوات الله عليها).

حيث يقرأ الخطباء أبيات هذه القصيدة العظيمة (راجع أعيان الشيعة) ([207])، وقد أوصى السيد حيدر (رض) أن تدفن معه في قبره حتى تكون ذخيرة له هناك.

السيد كاظم القزويني (رض)

كذلك كتب سماحة السيد محمد كاظم القزويني([208]) (رحمة الله عليه) خادم أهل البيت عليهم السلام مجموعة من الكتب التي ألفها وهي (علي عليه السلام من المهد إلى اللحد) و (الإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور) وأوصى أن تدفن معه في لحده.

إن هذه الأشياء حقيقة ذخيرة لنا عند الممات، وفي القبر، وفي القيامة، وعند العبور على الصراط، فينبغي أن يستفيد الإنسان من هذه الفرصة لتعظيم هذه الشعائر وخدمتها بقدر الإمكان (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [209]).

نسأل الله سبحانه أن لا يحرمنا من هذا الفيض العظيم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

فهرس الكتاب