أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

3

تعظيم الشعائر الحسينية من تقوى القلوب

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [210]). صدق الله العليُّ العظيم.

قبل أن نتحدث في موضوع (الشعائر) لابدّ لنا من مدخل، لعله يعالج مجموعة من الإشكالات القائمة وهذا المدخل يتعلق بموضوعات الأحكام وهي على نوعين:

النوع الأول : الموضوعات المجعولة

هنالك موضوعات للأحكام لم تكن موجودة من قبل، وقد جعلها المشرّع وهو الله سبحانه وتعالى على لسان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه الموضوعات اخترعها الشارع مع أنها لم تكن موجودة من قبل، وربما كانت موجودة ولكن لم تكن بهذا الشكل أو بهذه الهيئة المجعولة من قبل الشارع.

فالحجُّ مثلاً: هل كان موجوداً من قبل أم لا؟ إنَّ الحجَّ كان موجوداً في زمن الجاهلية، فهو موجود من زمن آدم عليه السلام واستمر إلى زمن الجاهلية، وكان الجاهليون يحجون حول الكعبة رجالاً ونساءً ([211])، ولكن هيئة الحج الحالية وهذا النوع من الطّواف والسّعي والرّمي لم يكُن موجوداً من قَبْلُ، فالشارِع اخترع هذه الهيئة وجعلها؛ إذاً فالحج يعدّ من الموضوعات المجعولة، بمعنى المخترعة بالاختراع الشرعي.

الصلاة أيضاً كانت موجودة من قبل، ولكن هل كانت بهذه الهيئة التي نصلي بها الآن؟، كلا، في كتاب (الألفية) يوجد ألف واجب من واجبات الصلاة، كما يوجد في كتاب المثلية([212]) ألفا مستحب (2000) من مستحبات الصلاة، إذن هذا الشكل من الصلاة لم يكن موجوداً من قبل، لذا تُعد الصلاة هيئة مجعولة، أي إنها موضوعاً مخترَعاً بالاختراع الشرعي.

فإلى من نرجع عندما نريد أن نحدد هذه الموضوعات؟ هل نرجع إلى العقل؟ أم نرجع إلى الناس؟ كلا، إنما نرجع في هذه الموضوعات المخترعة إلى الشارع ونطرق باب الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) ونقول له: سيدي ومولاي كيف نصلي؟ فيعيّن لنا كيف نصلي، أو نطرق باب الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه): سيدي ومولاي كيف نزكي؟ فيبيّن لنا الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) كيف نزكي؟ إذن، فالمرجع في هذه الموضوعات المجعولة هو المشرع.

النوع الثاني: الموضوعات الممضاة

إن حديثنا ليس في النوع الأول، وإنما الحديث كل الحديث في النوع الثاني، وهي الموضوعات الممضاة، وبعبارة أدق وأشمل، الموضوعات غير المخترعة وغير المجعولة، فالشارع ليس لديه جعل في هذا الموضوع، فقد يطرح الشارع موضوعاً ويطرح حكماً، ولكنه لا يمس هذا الموضوع، لا توسعةً ولا تضييق.

مثال ذلك، الوضوء.. بماذا يكون؟ إنه يكون بالماء، والماء مطهر، فهل نبحث عن حكم شرعي حول ماهية الماء؟ فالماء ليس موضوعاً مخترعاً شرعيّاً حتى نسأل الإمام الصادق (صلوات الله عليه) عن الماء، بل هو مفهوم عرفيّ، إذن، نسأل العرف والعرف موجود ببابك، بمعنى اسأل الناس وقل لهم ما هو الماء؟ سيجيبك الناس عن ذلك، فماء البحر هذا هل هو ماء أم لا؟ إذا قال لك العرف إنه ماء، إذن يمكنك الوضوء به.

المياه الكبريتية والمياه الزاجية هي أنواع من الماء، وتوجد في بعض المناطق، فهل هذه مياه أم لا؟ نسأل العرف والناس فإذا قالوا: هذه مياه، إذن يمكن لنا الوضوء بها، أما إذا قالوا: إنها ليست مياهاً، فلا يمكن لنا الوضوء به.

وهنالك نقطة محورية حول هذا النوع، نحصرها بالسؤال التالي: هل يجب أن يكون موضوع الماهيات غير المخترعة، والحقائق غير المجعولة موجوداً في عهد الشارع؟ الجواب: كلا، لا يلزم ذلك.

حين يطرح الشارع حسب الاصطلاح العلمي ــ ويجب أن ندقق في هذه النقطة لأنها محورية وتخص موضوع الشعائر ــ قضية ما على النحو الحقيقي (القضية الحقيقية) وليس على النحو الخارجي (القضية الخارجية)، لنوضح ذلك بهذا المثال: يقول المولى: (من أنار مسجدا فله كذا.. وكذا… من الثواب العظيم عند الله)، ولكن بماذا كانت تتم الإنارة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)؟ كانت تتم بالشموع، ولكن اليوم تتم الإنارة بالمصابيح الكهربائية.

فهل إذا أنار أحدهم المسجد بهذه المصابيح الكهربائية ليس له ثواب عند الله؟ قد تقول إن المسجد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُضاء بالشموع، فأنا الآن أجلب شموعاً إلى المسجد وأنيره بها، هذا منطق غير مقبول، لأن كلمة (من أنار) ليست قضية خارجية بل هي قضية حقيقية، بمعنى كلما تحقق مصداق لـ(أنار)، فالحكم يترتب على هذا المصداق.

نأتي بمثال آخر: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ[213] ) وهنا نسأل: هل كان عقد التأمين موجوداً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)؟ وهل يوجد عقد تأمين على الحياة في ذلك الوقت؟ الجواب كلا، إذن ألا يشمل (أوفوا بالعقود) عقد التأمين؟ راجعوا كلمات الفقهاء (رحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم) حيث يقول الفقهاء: إن العقود قضية حقيقية، فأي عقد من العقود وفي أي زمن من الأزمان تشمله هذه الآية الكريمة: (أوفوا بالعقود) لذلك تشمل هذه الآية الكريمة عقد التأمين وتشمل العقود الجديدة التي تتجدد يوماً بعد يوم.

ما هي الشعائر؟

نأتي إلى (الشعائر) يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) فما هي الشعائر؟ إنها تعني معالم الدين والعلامات التي تسوقك إلى الله سبحانه وتعالى وتأخذ بيدك إليه، ولكن هل حدّد الشارع ما هي هذه الشعائر؟ إن الشارع لم يحدد تصرُّفاً معيّناً ــ دون غيره ــ في هذا الموضوع؟ وهل توجد لدينا رواية تحدد ما هي الشعائر؟ كلا.

إذن هذا الموضوع يُعدّ من النوع الثاني، وإذا كان كذلك، فإنّ كل الشعائر التي تدل على الله تعدّ من شعائر الله تعالى، سواءً كانت موجودة في زمان الإمام الصادق عليه السلام أو لم تكن، فإذا انطبقت الآية الكريمة، فإن تعظيم هذه الشعائر هو تعظيم لله تعالى وتعظيم للدين ودليل على تقوى القلوب.

اللطم

هل كان اللطم موجوداً في زمان الأئمة (صلوات الله عليهم) أم لا؟ الجواب: نعم كان موجوداً، ولنفترض أنه لم يكن موجوداً، ولا يضرنا ذلك، لأن كلمة (مَن) في قوله تعالى (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).

 لم تحدد شكلا معيناً لهذه الشعائر، فكل شكل منها يؤدي إلى هذه النتيجة فهو مرضي عند لله تعالى ومقبول عنده سبحانه وتعالى.

تعالوا إلى هذا البلد وإلى كل البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، فلو جُرِّدت الكويت ــ مثلاً ــ من مجالسها، بحيث لا توجد في الكويت حسينيات ولا مجالس ولا مآتم، فهل يبقى هنالك شيء من الشعائر؟ ولو جردنا بلداً من البلدان من كل هذه الأشياء ماذا سيحصل؟ نحن كيف تربينا؟ ومن الذي ربانا؟ هل الإذاعات هي التي ربتنا وساقتنا إلى الله سبحانه وتعالى؟ أم القنوات التلفزيونية هي التي فعلت ذلك؟! ومن الذي ساقنا إلى الله تعالى سوى مجموعة من الأشياء ومن جملتها هذه الشعائر بمختلف أنواعها، إن هذه الشعائر هي التي أبقت الدين حيّاً في النفوس، وإذا كان لدينا قليل من المعرفة بالدين، إنما هو ببركة هذه الشعائر (وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب).

على أعتاب محرم

نحن الآن على أعتاب محرم الحرام وينقضي عام كامل من عمرنا وتبدأ سنة جديدة بهذا الشهر الذي هو شهر الحزن والعزاء والشعائر الحسينية، وفي هذا الشهر المبارك ينبغي على كل واحد منّا أن يهتم بتعظيم هذه الشعائر، أي أن نوفيها حقها، فالمجالس الحسينية يجب أن تؤدّى على أفضل وجه، ويجب أن تقام المنابر في كل صقع وناحية، ويجب أن تبقى هذه الشعائر قوية، لأن بقاء الدين منوط بهذه الشعائر، فكل خطوة وكل حركة وكل قطرة دمع وكل مشاركة ولو كانت صغيرة، كلها مكتوبة ومسجلة عند الله تعالى، (كل عين تأتي باكية يوم القيامة إلاّ عين بكت على مصاب سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) وعين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله)، هذه العيون الثلاث تأتي قريرة يوم القيامة.

فالمشاركة ولو بهذا المقدار القليل، ولو بالحضور إلى هذه المجالس، كل ذلك مكتوب عند الله تعالى، بعضهم قد يقول، ما قيمة هذه الدمعة؟! وما قيمة هذا الحضور؟! وما قيمة الكتاب الذي أطبعه حول شعائر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) ؟! بل كل هذه المشاركات لها أعظم الأجر عند الله (سبحانه وتعالى) ولكن بشرط الإخلاص، وبشرط أن يقومَ الإنسان بهذه الأعمال دون أن يكون مدلاّ بعمله، إنه لا يصعد من عمل المدلّ شيء…

هنالك رجل كان يخدم في حرم سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) وكان هذا الرجل يقوم بشؤون الزوار الذين يأتون لزيارة الحرم المبارك، وبعد مضي مدة تقلبت به الأيام والليالي وأصبح محتاجاً ففكر، ما الذي يعمل ؟ وكلما طرق باباً من الأبواب لم يفتح له، فكر في ذلك اليوم أن يذهب إلى الهند، وكانت الهند في ذلك الوقت مركزاً مهما من مراكز التجارة العالمية.

إننا يجب أن لا ننخدع بالثروة، فهؤلاء الذين تجدونهم الآن يعيشون في أشد الفقر كانت الثروات بأيديهم يوماً ما، بحيث يأتي آخرون من بقية البلدان ويخدمونهم، لكن (وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ[214] ) وهذا ليس كلامي بل هو كلام الله تعالى؛ فلا ننخدع ببضعة دنانير في أيدينا، لأن الثروة لا تبقى، لذلك يجب على الإنسان أن يعمر آخرته قبل أن يفقد القدرة على ذلك، ولكي لا يذهب إلى هناك ويقول : (يَا حَسْرَتَا عَلَىَ مَا فَرّطَتُ فِي جَنبِ اللّهِ [215]).

فقال ذلك الرجل: أذهب للهند، وذهب إلى هناك فعلا، ودخل على شخص وكان راجا من الراجوات المهمين ([216]) من الذين كانوا يأتون إلى العتبات سابقاً، وكان هذا الرجل يقوم بخدمته، وحين دخل عليه قال له: لماذا أتيت للهند؟ أجابه الرجل: في الواقع اُصبت بالفقر، وأحتاج إلى مال.

فقال له: أنا مستعد أن أعطيك كل ما تريد من ثروة مقابل أنْ تهديني سلاماً واحداً من سلامك على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وذلك فيما كنت تمرّ من هناك وتشاهد تلك القبة المباركة وتقول: (السلام عليك ياأبا عبد الله). فقال الرجل: أنا موافق، ثم فكّر وفكّر أن يعطيه سلاماً متواضعاً جدّاً…

نحن أحياناً نقوم بأعمالنا بتوجه وبإخلاص، وأحياناً لا يكون كذلك، إنّ صلواتنا تحتاج بالحقيقة إلى استغفار، أي بعد أن ننهي الصلاة يجب أن نستغفر الله تعالى من هذه الصلوات التي أديناها، فإذا كنا نكلِّم أحد الملوك، لم نكن نتكلم معه بهذه الطريقة، لكننا نتكلم مع الله تعالى وفكرنا شارد هنا وهناك. فهذا الرجل فكّر بسلام متواضع جداً أدّاه في أحد الأيام على سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، وقال للراجا: أعطيك سلام ذلك اليوم.

فقال له: كم تريد مقابل هذا السلام؟. قال الرجل: مائة دينار أو مائة روبية ــ مثل. فأخذ المال، وفي المساء رأى هذا الرجل الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في المنام، فقال له الإمام عليه السلام: كل سلامك لم يُقبل إلاّ هذا السلام الذي أعطيته للراج.

فقال الرجل: لماذا يا أبا عبد الله؟ فقال له الإمام عليه السلام: لأنك كنت تقوم ببقية السلامات وأنت مدلّ بعملك.. كأن يقول البعض: أنا الذي قمت بهذا العمل…!

كأن الله بحاجة إلى هذا العمل، بينما الله تعالى ليس بحاجة إلى هذه الأعمال، ولا سيد الشهداء (صلوات الله عليه) يحتاج إلى ما نقدمه، إنما نحن الذين نحتاج.. (يَـا أيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ [217])، إن سيد الشهداء عليه السلام ليس بحاجة إلى بكائي، بل أنا الذي أحتاج إلى هذا البكاء، حتى آتي يوم القيامة وعيني قريرة يوم تكون كل العيون باكية.

وأنا الذي أحتاج للحضور في مجالس سيد الشهداء (صلوات الله عليه)، حتى آتي يوم القيامة وقلبي حيّ يوم تموت فيه القلوب، لأن القلب الذي يحضر مجالس سيد الشهداء عليه السلام يكون حيّاً في الحياة الدنيا، ويكون حيّاً أيضاً يوم القيامة، إذن، لنؤدي أعمالنا بتواضع لا بإدلال..

ولكن ذلك اليوم ــ يقول سيد الشهداء عليه السلام ــ مررتَ على الصحن المبارك وأنت في حالة لم تكن فيها متطهراً، فرأيت ذلك الضريح وتلك القبة وأنت خجِل لأنك لم تكن متطهراً، فخفضت رأسك وغضضت من طرفك وقلت بكل خجل: (السلام عليك يا أبا عبد الله) فهذا السلام هو الذي قُبل منك.

استيقظ الرجل من المنام وذهب إلى ذلك الرجل الهندي وقال له: أريد أن أفسخ المعاملة التي تمت بيننا، خذ روبياتك وأرجع لي سلامي.

فقال له: أبداً! لقد تمت المعاملة (أوفوا بالعقود) فلن أرجع عن الاتفاق الذي تم بيننا.

ونحن أيضاً عندما نذهب إلى تلك النشأة، إنشاء الله، وزالت عنّا غواشي هذه النشأة، نفهم حينئذ ما هي قيمة كل قطرة دمعٍ وكل خطوة وكل مشاركة صادقة عند الله سبحانه وتعالى؟ فإذا كان السلام بإخلاص له هذه القيمة عند الله تعالى، فما بالك بمن يقيم مآتم الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؟

وما بالك بمن يطبع الكتب التي تعظم الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؟

إن كل هذه الأشياء في الحقيقة منظورة لهم، يقول الإمام (صلوات الله عليه): (إني والله لأحب تلك المجالس) ([218])، إن الأئمة الأطهار عليهم السلام يحبون هذه المجالس، وجاء في حديث آخر: (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا) ([219]).

كان هنالك رجل خطيب يأتي فوق المنبر ولا يقول سوى ست كلمات فقط، وإذا بالمجلس كله يضجّ بالبكاء، إنه أمر عجيب! فماذا كان يقول؟ إنه كان يجلس فوق المنبر ويقول: (السلام عليك يا أبا عبد الله)، إنها ست كلمات فقط، فسألوه: ما هو السر في ذلك؟.

فقال: كنت في أيام شبابي في مدينة كاشان، فذهبت في ليلة العاشر من محرم وقرأت وعدت إلى بيتي حوالي منتصف الليل منهكاً ومتعباً..

يقول ذلك الخطيب: وأنا في حالة التعب، جاءني شخص وقال لي: شيخنا أو سيدنا، عندنا مجلس في بيتنا، تفضّل لقراءة المجلس عندنا.. قلت له: أنا متعب ولاأستطيع ذلك.

فألحّ عليّ فاستجبت له وذهبت إلى بيته، وعندما دخلت لم أجد أي شخص سوى صاحب البيت، وقد نصب كرسياً وقال لي: تفضّل اقرأ.

قلت له: لمن أقرأ؟! قال: اقرأ لفاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها).

فصعدت فوق المنبر وبدأت كلامي بقولي: (السلام عليك يا أبا عبد الله)، وإذا بي أسمع صوت بكاء نساء، قال: لم تكن هنالك نساء في المجلس، لكن مع ذلك سمعت صوت البكاء، فقرأت المصيبة وقد تغيرت حالتي ثم نزلت من المنبر وذهبت إلى البيت، في تلك الليلة رأيت في المنام قائلاً يقول لي: إن السيدة فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) كانت حاضرة في ذلك المجلس.

ومنذ ذلك اليوم بمجرد أن أقول: (السلام عليك يا أبا عبد الله)، أجد هذا التأثير في النفوس المؤمنة.

هنيئاً لكل أولئك المتعبين في حبّ الحسين (صلوات الله عليه)، جاء عن الإمام الصادق (صلوات الله عليه): (رحم الله تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس في حبّ الحسين صلوات الله عليه) ([220]).

إذن ستنقضي هذه الأيام وتنقضي أعمارنا ولا يبقى لنا عند الله تعالى إلاّ هذه الأعمال (إعمل ما شئت فإنك ميت)، وبعد أيام سوف نغادر هذه النشأة، لذلك يجب أن نتزود حيث هنالك (لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [221]).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في هذه الأيام المباركة للمشاركة في عزائهم، (… يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا) ([222])، وأن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فهرس الكتاب