أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

3

شهر محرم ودلائل الحب والولاء

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ([271]).

إن كل صفة من الصفات القلبية لابدّ أن يكون لها مظهر ليكشف هذا المظهر أُموراً عدَّةً، منها:

 أولاً: وجود تلك الصفة.

ثانياً: حجم تلك الصفة.

1. وجود الصفة

قد يدعي أحدهم الشجاعة فيقول: إنَّني شجاع، وهنالك كثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا يدعون الشجاعة ويدعون الإيمان والولاء، ولكن هل الإدعاء يغير الواقع؟ وهل يغني عنه؟ كلا، أحياناً ليس إدعاء فقط، وإنما هنالك تصور أيضاً؛ فقد يظن أحدهم بل يقطع بأنه شجاع ومؤمن وعنده يقين وعلم وليس مجرد ادعاء، ولكن هل يقلب هذا التصور الذهني الواقع عما هو عليه؟ طبعاً كل.

فعندما تقوم هنالك حرب فإن الحقائق تُظهِرُ الدخائل، (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ([272]) فقد ميّز الله تعالى في حرب أحُد الخبيث من الطيب، وتبيّن أنَّ المؤمنين هم مجموعة قليلة حقاً وتبين أنَّ الأغلبية كانوا يدعون ذلك مجرد ادِّعاء، ولذلك تبينت في حرب اُحُد الدخائلُ والحقائق الباطنية.

وقد أبتُلي المؤمنون في حرب الخندق وزلزلوا زلزالاً شديداً (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً‚ ([273]) فكان هنالك مرض في هذا القلب ولكنه كان خفيّاً أو مرضاً كامناً، إن هذا المظهر يبين حقيقة الإيمان، حيث هنالك من يدّعي الإيمان ويقول أنا مؤمن، لكنه في حرب الخندق يقول: (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَ غُرُوراً) فتبين أن كل ذلك الادعاء كان كذباً، وكله كان خلافاً للواقع، فلا يوجد (عند المدعين) الله ولا توجد (عندهم) آخرة ولا يوجد (عندهم) نبي، وهنا تبينت الحقائق، فإذا تجلّت هذه الصفة الباطنية في مظهر سيكشف أولاً: بأن هذه الصفة موجودة أو غير موجودة، وثانياً: الإيمان موجود أو غير موجود.

2. حجم الصفة

لنفترض أن هذه الصفة الباطنية متحققة، فما هو حجمها؟ وما حجم الشجاعة ــ مثلاً ــ ؟ أو ما هو مقدارها؟ فقد يكون الفرد شجاعاً لكن في مقابل فرد واحد فقط، وقد يكون شجاعاً في مقابل اثنين، وقد يكون شجاعاً في مقابل عشرة أفراد، هذه المواقف هي التي تكشف حجم الصفة الباطنية، وقد يكون الإنسان شجاعاً بلا حدود، أي لا يوجد حد لشجاعته، فإذا وقف أمامه ألف إنسان لا يخافهم، أو مائة ألف لا يخافهم أيضاً، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (واللهِ لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها) ([274]) إن هذا الموقف يكشف ليس فقط عن وجود تلك الصفة، وإنما يكشف عن حجمها أيضا.

يقول الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) فالتقوى صفة باطنية، ولكن كيف نعرف أن هذه التقوى موجودة أو غير موجودة؟ إنها تكشف من خلال تعظيم شعائر الله تعالى، فإذا عظّم الإنسان شعائر الله تعالى، سيدل هذا على وجود التقوى في قلبه، والإنسان الذي لا يعظم شعائر الله تعالى، فهذا يدل على عدم وجود التقوى في قلبه (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).

إننا في نهاية عام من أعوام حياتنا، فهذا العام في أخريات أيامه، حيث سيبدأ عام جديد بشهر محرم الذي من خصائصه كشف الحقائق ليس للآخرين فقط، بل كشفها للإنسان ذاته.

يوجد لدينا إيمان سيظهر في شهر محرم، ولكن ما مقداره؟ وما هو حجم ولائنا وحبنا لأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)؟ إنه سيظهر في شهر محرم الحرام، فإذا بذل الإنسان في شهر محرم واحداً بالمائة من قدرته في خدمة سيد الشهداء عليه السلام، سيكون ذلك دليلاً على إيمانه وولائه وحبه لأهل البيت (صلوت الله وسلامه عليهم) بما يساوي هذه النسبة، وهذه حقيقة وليست مجاملة، كذلك حين يبذل الإنسان عشرة بالمائة من قدرته وطاقته ووقته في هذه الأيام المباركة، فهذا دليل على أن حبه وإيمانه واعتقاده يساوي عشرة بالمائة فقط.

إن شهر محرم يكشف الحقائق، ويكشف الإيمان والحب والاعتقاد، فكلما كان إيمان الإنسان أكثر، يكون عطاؤه وتفانيه أكثر.


محرم شهر كشف الحقائق

قبل أكثر من ألف عام، كشف شهر محرم الحقائق، حيث كان كل الناس ــ بحسب الظاهر ــ موالين ومحبين لأهل البيت عليهم السلام إلاّ البعيدين، حيث كانوا يظهرون ذلك الحب ويعظمون الأئمة (صلوات الله و سلامه عليهم)، حيث كان للأئمة عليهم السلام مقامهم وكانوا معروفين بالعلم والتقوى والأخلاق لأنهم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن جاء شهر محرم فتبينت الحقائق، وتبين ما مدى استعداد كل إنسان على ما يبذله في سبيل إيمانه وولائه لأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم).

رأيت أن أنقل للقارئ الكريم هذه القضية: جاء عبد الله بن عمر إلى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) حباً به ــ بحسب ظاهر الحال ــ، ولكن ما مقدار هذا الحب؟ هل هو حب حقيقي أم تظاهر بذلك؟ إن هذا هو إمام زمانك وهو الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا[275] )، ولكن هل يكتفي عبد الله بن عمر بهذا المقدار؟.

قال للإمام عليه السلام: يا أبا عبد الله لا تخرج إلى الكوفة فليس لأهل الكوفة وفاء ولايُعتمد على كلامهم، فقال له الإمام عليه السلام: إنني مأمور بأمر لا أظن فيه، فهذه وظيفة إلهية، ولابد أن أمضي.

إن هذا إمامك، وهذه هي الوظيفة التي كُلِّف بها، ولكن عندما أصبحت القضية حاسمة قال عبد الله بن عمر: اكشف لي عن الموضع الذي كان يقبّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فكشف له الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) عن الموضع الذي كان يقبّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فقبَّل ذلك الموضع ([276]).

إن هذا أحد المواقف فحسب. وهنالك موقف آخر يتمثَّل بما بذله شهداء كربلاء، فهو موقف لا حدود له، حيث يُنقل أن أحد الذين جاؤوا إلى كربلاء مع الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) سمع وهو في كربلاء بأن ابنه قد أُسر في الرَّي ــ في حدود طهران حيث كانت هنالك حرب بين المسلمين والكفار ــ وقد كان معرضاً للموت والتعذيب ولكل شيء، ولكن هذا الأب اكتفى بهذه الكلمة وقال: (أحتسبه عند الله).

سمع الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) بالقضية فجاء إليه وقال له: أنت في حلّ من بيعتي، فانطلق واعمل في فكاك ابنك، اذهب وحاول أن تنجي ابنك من الأسر.

فقال لسيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه): أكلتني السباع حياً إذا فارقتك! أنا لن أفارقك، ليُقتل ابني فلا يهمني ذلك، إنِّي لن أفارقك حتى اُقتل معك([277]).

إذن ذاك موقف من يُقبِّل الموضع الذي كان يقبّله رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط، أما الموقف الآخر فإنه يسير حتى النهاية وإلى الموت والقتل في سبيل الله.

لقد ظهرت الحقائق في عاشوراء، فظهر الإيمان والولاء ودرجاته، لذلك ينبغي علينا في الأشهر المباركة أن نعمق هذا الإيمان ونبذل كل ما نستطيع عليه في سبيل سيد الشهداء عليه السلام.


إقامة الشعائر ذخيرة الآخرة

في قضية ينقلها الحاجي النوري ([278]) (رحمة الله عليه) في كتابه (دار السلام)؛ وهو كتاب جدير بالمطالعة والقراءة، حيث يقول أحد العلماء الربانيين: كان لرجل في زماننا بعض المنكرات.. وأي رجل منا ــ إلاّ من عصمه الله ــ يخلو من المنكرات؟ والحقيقة إذا أحصى الإنسان الجرائم التي ارتكبها في حياته لعله يجد أنه ارتكب آلافاً منها في حياته، حيث كل غيبة تعد جريمة.

مات هذا الرجل الذي كانت له بعض الجرائم والمنكرات، وفي احد الأيام ــ يقول العالم ــ وأنا في عالم المنام رأيت أنني أمشي بين بساتين وقصور وحدائق وكأنها الجنة، هكذا تراءى لي في عالم الرؤيا، وكان معي شخص يخبرني بأن هذا بيت (فلان…)، وهذا قصر (فلان…)، وهكذا، حتى وصلت إلى إحدى القصور فقال لي الشخص الذي معي: هذا بيت (فلان…) الذي توفي قريباً، ويقصد به الرجل الذي كانت له بعض المنكرات والذنوب فيما بينه وبين الله، يقول العالِم في عالَم الرؤيا: لقد استغربت كثيراً، إذ كيف يوضع هذا الرجل في هذا القصر وفي هذا المقام، جئت ودخلت فرأيته جالساً على سرير في مكان من القصر، أنا أعرفه فسلّمت عليه، حينها قال لي: تعال. وأجلسَني بجانبه، وكنت أفكر في نفسي أن هذا الرجل لا يستحق هذا المقام ولا يستحق هذا المكان فكيف جلس في هذا القصر وكيف أعطاه الله تعالى هذا المقام؟.

فأخذ هو ينظر إليّ وتفرس في وجهي وقال: كأنك تفكر بي وبهذا المقام الذي حصلت عليه؟. فقلت له: نعم. قال: في الواقع أنا مستحق لكل ما تفكر فيه من عذاب وعقاب، ولكن كان لي شيء واحد في حياتي وببركة ذلك الشيء أعطاني الله تعالى هذا المقام. فقلت له: وما هو ذلك الشيء؟ فقال: كان عندي معدن ملح في أرض طالقان ــ من مدن إيران ــ فخصصتُ المعدن كله لعزاء سيد الشهداء عليه السلام، فكنت آخذ الوارد الذي كان يأتيني من ذلك المعدن وأبعثه إلى النجف الأشرف وأخصصه لإقامة عزاء سيد الشهداء عليه السلام.

هذا هو العمل الذي كان لي في حياتي، وعندما جئت إلى هنا، عوضني الله تعالى بهذا المقام وهذا المكان مقابل هذا العمل.

يواصل العالم قوله: ثم قمت من المنام لا أعرف القضية، وجئت إلى بيتي في الديوانية، فنقلت هذه الرؤيا للأصدقاء الذين كانوا هناك، فقال أحدهم: إن هذه الرؤيا من الرؤى الصادقة، وأبي كان طرفاً في هذه القضية وأضاف قائلاً: إن هذا الشخص الميت الذي رأيته في منامك، كان له معدن ملح في أرض طالقان وكان وارده من هذا المعدن (مائة تومان) في كل موسم وهو مبلغ ضخم جداً في ذلك الوقت، وكان يبعث بكل هذا المال إلى والدي في النجف وكان والدي يصرفه في عزاء سيد الشهداء (صلوات الله و سلامه عليه).

من هنا ينبغي أن يحاول الإنسان في مثل هذه الأيام المباركة بذلَ ما يتمكن عليه من وقته وماله واهتمامه لإقامة هذه الشعائر، إن شاء الله تكون هذه الأعمال ذخيرة لنا في آخرتنا.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا في ذلك وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

فهرس الكتاب