أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

7

الأبعاد الفقهية والاجتماعية للمجالس الحسينية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ([308]). صدق الله العلي العظيم.

الحديث عن المجالس الحسينية له أبعاد، وأول ما يلفت انتباهنا هو:

أولاً : البعد الفقهي للمجالس الحسينية

ولكي يتبين لنا هذا البُعد، لابد أن نشرح بإيجاز قضية المقدمات الوجودية للواجب، فماذا تعني المقدمات الوجودية؟ إنها تعني بأن الإرادة المولوية عندما تتعلق بشيء معين ــ على نحو الإلزام ــ، أو حين يتعلق الحب المولوي بشيء معين كذلك، فإن هذا الشيء سيتصف بصفة الوجوب.

بمعنى أن المولى يريد هذا العمل ويحبه ويأمر به، وهنالك شيء آخر بالإضافة إلى هذه الإرادة وهذا الحب يلاحظه العقل وهو الشيء الذي تعلقت به إرادة المولى، فيجد العقل أن وجود هذا الشيء يتوقف على مقدمات معينة، بمعنى أنك عندما تحاول أن تحقق ما يحبه المولى وتحاول أن تنفذ ما أراده الله سبحانه وتعالى منك، ستجد أن هذا الشيء يتوقف على مقدمات.

هنا توجد مسألة اللاّبدية التكوينية، وهي تعني أن العقل يرى بأنه لكي يصل إلى هذه النتيجة لابد له من تكوين ليحقق هذه المقدمة التي تتصف بالوجوب العقلي، بمعنى أن ذلك الهدف يتصف بالوجوب الشرعي، وهذه المقدمة تتصف بالوجوب العقلي، لأن المحبوب للمولى يتوقف على هذه المقدمة، إذ يقول المولى: (وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ… [309]).

فالحج محبوب للمولى وهو واجب بالوجوب الشرعي المولوي، ولكن كيف يمكنك أن تصل إلى مكة؟ وكيف يمكنك أن تؤدي هذه الأعمال وهذه المناسك؟ إن تحقيق هذا الغرض يتوقف على طي المسافة، فلابد أن تذهب وتهيّئ وسيلة السفر لتصل إلى تلك البقاع، ولكن هل قال المولى: اركب السيارة؟ كلا، وهل قال المولى: اركب الطائرة ؟ كلا، ولكن العقل يقول: مادام يتوقف هذا الهدف على هذه المقدمة، إذن فهي واجبة بالوجوب العقلي، بمعنى لابد أن تركب الطائرة أو السيارة أو تستخدم أية وسيلة أخرى للوصول إلى هذا الهدف.

هذه الأمور تسمى بالمقدمات الوجودية للواجب.

والآن نأتي إلى المجالس الحسينية التي كانت والحمد لله عامرة في أيام عاشوراء المباركة وينبغي أن تظل عامرة فيما بعد، فإذا تأمل الإنسان وفكّر في هذه المجالس سيعرف الكثير عنها، ونحن نعيش داخل هذه المنظومة، ومن يعيش داخلها سوف لا يفهم ماذا يجري فيها، ولكنه إذا عاش خارج المنظومة سيفهما بصورة أفضل.

إن السمكة التي تعيش في الماء ربما لا تفهم ما معنى الماء؟ وإذا كان النور سرمداً، بمعنى (دائماً) علينا في الحكمة الإلهية، لمّا كُنّا نفهم ما هو معنى النور؟ وإذا لم يكن الظلام موجوداً، لما كنا نخرج من حيّز النور، ولما فهمنا ما هو معناه؟ وهذا الموضوع يحتاج إلى توضيح سنتركه إلى وقت آخر.

إننا نعيش ضمن هذه المنظومة، والذي يعيش خارجها يفهم دور هذه المجالس، وهم الأعداء الذين يفهمون ما معنى هذه المجالس؟ فمن الذي يخلق الانتماء الديني والولاء الديني وهذه المشاعر التي تربطنا بالله سبحانه وتعالى وبالقيم وبالحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؟ ومن الذي أبقاها ألفاً وأربعمائة عام؟ إن إحدى أهم هذه الوسائل هي هذه المجالس التي بقيت عامرة، كما أن الأعداء ليسوا بغافلين، بل يحاربون المجالس الحسينية بوعي وتخطيط، ولكن لماذا يحاربونها؟ ولماذا عندما دخل المستعمرون الكفار بلادنا في القديم، كانوا يمنعون هذه المجالس؟ لأنهم هم الذين كانوا يفهمون ما معنى هذه المجالس وتأثيرها؟

فحتى لو أقمت مجلساً في بيتك وحضره طفل واحد من أطفالك يضعون هذا العمل بين قوسين، أي تحت المراقبة لأن هذه المجالس تخلق الانتماء الديني والولاء المذهبي وتبقي المعاني والقيم الدينية في نفوس الأجيال جيلاً بعد جيل، لذلك إذا كانت هذه المجالس مقدمة لتحقيق هذا الواجب، فهي تتصف من الناحية الفقهية بالوجوب العقلي، بمعنى أنها واجبة عقلاً، ولها وجوب عقلي.

الوجوب العقلي للمجالس الحسينية في إحدى البلدان البعيدة التي لا توجد فيها هذه المجالس التي هي نعمة لنا ولأولادنا، كان أحد العلماء يقول فوق المنبر: (من مات ولم يحج يُقال له عند موته: مت إن شئت يهودياً وإن شئت نصرانياً)([310]) فكان يلاحظ حدوث همهمة بين الحاضرين وعندما ينزل من المنبر يُسأل عن هذه الهمهمة؟ فيقول: كان الحاضرون يسأل بعضهم بعضاً، ما معنى هذا الحديث؟ أي ما معنى مات يهوديّاً، هل اليهودي غير جيد؟ ومن  يُقال له مت إن شئت نصرانياً، هل هو ليس جيداً؟ إنَّه مسلم لكنه لا يعرف الفرق بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية.

إن أبناءنا الذين انفلتوا وذهبوا إلى البلاد الأجنبية، ونحن مسؤولون عنهم، لأن كل ذي استطاعة وكل من هو قادر يكون مسؤولاً، فمن الذي يحفظ أبناءنا هناك؟ كلهم يعيشون في أجواء الكفر وأجواء الفساد، كان أحد الأخوة يعيش هناك فقال: كانت تمر علي الأيام والأسابيع ولا أسمع فيها صوت (الله أكبر) وكنت أتلهف لذلك، وإذا ذهبت أحد الأيام إلى مكان أو محل فيه مجلس للحسين (صلوات الله وسلامه عليه) أو سمعت مؤذناً يؤذن، أشعر بنشوة لا تعادلها نشوة أخرى.

إنها تشبه قضية إبراهيم (صلوات الله عليه) حينما سمع ذلك الرجل أو الملك يقول: (سبّوح قدّوس)، فهذه المجالس هي التي تحفظ الانتماء والولاء ولذلك فهي واجبة شرعاً بالوجوب العقلي.

ثانياً: البعد الاجتماعي

إن الأشياء تُعرف بأضدادها، قارنوا الشخص الذي تربى في مجالس الإمام الحسين (صلوات الله عليه) مع شخص آخر ضعيف، ولاحظوا سلوك هذا وسلوك ذاك، زوروا مستشفيات الأمراض العصبية، ولاحظوا كم فرداً من الذين يحضرون مجالس الحسين عليه السلام يُصاب بالأمراض العصبية؟ وكم يُصاب من الذين لا يحضرونها؟ كذلك الحال مع المجرمين الذين يأتون بهم إلى السجون، فكم تجد منهم في المعتقلات من الذين نشئوا تحت المنابر؟ كم من هؤلاء الذين نموا تحت المنابر يقتلون الأبرياء؟ وهل من ينمو في مجالس الحسين (صلوات الله عليه) يقتل ويفجر الأبرياء؟ إن الشخص البعيد عن الإمام الحسين عليه السلام هو الذي يقوم بمثل هذا العمل في حرم الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه).

الحقيقة أنا لا أدّعي الإطلاق في حكمي من الناحية الاجتماعية، أي إن حكمي ليس مطلقاً، فالقضايا نسبية، أقصد لاحظوا معدل الذين يحضرون المجالس الحسينية والذين لا يحضرونها؟ لاحظوا حياة هؤلاء وحياة أولئك، إن أعمق القيم النبيلة تولدها هذه المجالس، فإذا اصطحبت ابنك إلى المجالس أو أقمت مجلساً في بيتك، لاحظ كيف سينشأ ابنك، أمّا إذا نشأ الابن بعيداً والبنت بعيدة في تلك الأجواء المعروفة سترون كيف سينشأ الابن؟ وكيف ستنشأ البنت؟ لذلك في الواقع ــ بالإضافة إلى البُعد الشرعي الأول ــ يوجد هنالك بُعد اجتماعي لهذه القضايا، وهو أنَّ هذه المجالس والمنابر تخلق نفوساً طيبة، فقد جاء في الأحاديث: زوّج ابنتك ممن ترضون دينه وخُلُقه..

لا تلاحظ الثروة والجمال والمال، بل زوّجها من متدين، لماذا؟ لأنه إما أن يحبها وإما أن لا يحبها، فإذا أحبها أكرمها، وإن أبغضها ولم تتوافق طباعهما وأخلاقهما ولم ينسجما مع بعضهما، لا يظلمها ([311]) بل سيتعامل معها معاملة عادلة، هذا هو الشيء الذي تحث عليه وتربي به مجالس الإمام الحسين (صلوات الله عليه). فإذا أقيمت هذه المجالس بالشكل المطلوب الذي ينبغي أن تكون عليه، لم تكن هذه المشكلات في بيوتنا، أو لقلّتْ في أضعف الإيمان.

ثالثاً: البعد الغيبي

أحياناً لا تكون هناك مصلحة لتدخل المشيئة الإلهية بشكل مباشر، فالمصالح تمنع ذلك، أما كانوا يقتلون أنبياء الله؟ كانوا يأخذون أحد أنبياء الله تعالى ويدفنونه حياً، ولم يكن الله سبحانه يتدخَّل غيبيّاً لمصالح مثبتة، لأن هذه الدار دار امتحان وابتلاء.

ولكن ربما يمكن أن نقول بالقطع واليقين في غالب الحالات تتدخل الإرادة الغيبية في كثير من الأمور، فإذا توسل الإنسان إلى الأولياء ولجأ إليهم يتدخلون غيبيّاً لحل الأمور، وقد جعل الله تعالى الحياة بشكل يُبتلى فيه كل إنسان.

الحاضرون الآن في هذا المجلس فرداً فرداً، كل واحد منّا لديه مشكلة تقض مضجعه ولا تتركه هانئا، إن الدنيا دار امتحان ودار ابتلاء، فالإنسان يجب أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى أوليائه، لذلك يجب أن يحضر المجالس ويقيمها في بيته، ويستمد منهم العون في شؤون الدنيا والآخرة.

أنقل هذه القضية بلا واسطة، قبل سنوات لعلها أربع أو خمس، كان هنالك رجلٌ أعرفه ذهب مع عائلته إلى مشهد الإمام الرضا عليه السلام في ظل ظروف معينة، هو وزوجته وطفله، هذا الطفل يُبتلى في مشهد بمرض، فلا يستطيع أن يأكل، إنه طفل رضيع، ولا يستطيع أن يشرب الحليب، وكلما يأكل لا يستقر الطعام في معدته، طبعاً هذه الحالة إذا استمرت تؤدي إلى موت الطفل. يقول الأب: كان شغلي في مشهد أن أذهب بالطفل صباحاً إلى الطبيب فيعطيني دواءً وأعود به إلى البيت وأعطي الدواء للطفل لكن لاتوجد فائدة من ذلك، ثم نذهب إلى طبيب ثانٍ لعل هنالك علاجاً شافياً، لكن لاتوجد فائدة أيض.

يواصل الأب كلامه: وأخذ الطفل يضمر ويضمر كونه طفلاً رضيعاً، ليس له لسان ولا يتمكن أن يتكلم، إنه يبكي ولا يتركنا أن ننام في الليل. ويضيف الأب: في أحد الأيام كنت منزعجاً جداً، من هذه الحالة لأن طفلي سيموت أمام عيني ولا أستطيع أن افعل له أي شيء، والذهاب إلى الأطباء لم يُجْدِ ذلك نفعاً، وفي أحد الأيام دخلتُ البيت ورأيت زوجتي ترتدي عباءتها وبوشيتها وتروم الخروج، فقلت لها: إلى أين؟ قالت: أريد أن اذهب إلى حرم الإمام الرضا (صلوات الله عليه).

فقلت لها: لماذا ؟ قالت: لأطلب الشفاء لهذا الطفل من الإمام الرضا عليه السلام.. فقلت لها: أين الأدوية؟ قالت لي: رميتها كلها في القمامة! رأيتها في حالة انفعال شديد فلم أقل لها شيئاً، وذهبت فعلاً إلى حرم الإمام الرضا (صلوات الله عليه) دقائق أو مدة معينة ثم رجعت إلى البيت، انشغلنا عن قضية طفلنا بالمرة، تناولنا غداءنا في الظهر، وجاء الليل مبكراً، وإذا بالطفل يشرب الحليب.

ويواصل الأب قوله: كنا غافلين عنه، وفجأة التفتنا، ما هذا الذي حدث؟ فهذا الطفل الذي لم يكن يستقر اللبن في أمعائه.. وإذا بنا ننتبه إلى أن ذلك التوسل أنقذ طفلنا في لحظات من موت محقق… وهذه القضايا موجودة بالمئات إذا تبحثون عن مصادرها الموثقة، فيجب على الإنسان أن يلجأ إليهم عليهم السلام لحل مشكلات الدنيا والآخرة.

أنقل لكم بعض الروايات :

الرواية الأولى: سأل موسى بن عمران عليه السلام الله سبحانه وتعالى قال له: إلهي بم فضلت أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأمم؟ فقال تعالى: بعشر خصال تختص بها هذه الأمة المرحومة.

فقال موسى (صلوات الله عليه): وما تلك الخصال؟ عدد الله تعالى له الخصال واحدة بعد الأخرى وآخر خصلة منها، (… وعاشوراء) من الخصال التي اختصت بها هذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: وما عاشوراء؟ قال الله تعالى: البكاء والتباكي على سبط المصطفى والمرثية والعزاء على مصيبة ولده، يا موسى ما من عبد من عبيدي ــ في ذلك الزمان ــ بكى أو تباكى أو تعزى على ولد المصطفى إلاّ وكانت له الجنة، وما من رجل أنفق ماله في محبة ابن بنت المصطفى درهماً أو ديناراً إلاّ وباركت له في دار الدنيا وغفرت له ذنوبه ([312]).

الرواية الثانية: يقول حماد: دخلت على أبي عبد الله الصادق (صلوات الله عليه) فقلت له: إني أدخل بلاد الشرك ــ كانوا يذهبون إلى البلاد الأجنبية في ذلك الوقت للتجارة وما أشبه ــ وإن من عندنا يقولون: إن مت هنالك حشرت معهم، أي مع الكفار، فهل هذا الكلام صحيح؟ قال الإمام عليه السلام: إذا كنت في بلاد الكفر، هل تذكر أمرنا وتدعو إليه، وهل عندك حرية وتتمكن أن تقول ما تحب؟ وتعقد مجالس العزاء على الحسين صلوات الله عليه؟ هل تستطيع فعل ذلك أم لا ؟ فقلت: نعم توجد حرية في بلاد الكفر. فقال: يا حماد فإذا كنت في هذه المدن، في بلاد بني أمية وبني العباس الذين كانوا يدعون الإسلام، هل تذكر أمرنا وتدعو إليه وهل تعقد المجالس أم لا تقدر؟ قلت: كلا، لا أقدر على ذلك. حقاً في بلاد المسلمين لا يستطيع المؤمن في زمان بني أمية وبني العباس أن يعقد مجالس الحسين عليه السلام ..

وفي بلاد الكفر يستطيع أن يعقد هذه المجالس، فكيف يمكن أن يتخلص الإنسان المؤمن من هذا الألم؟ ــ فقال لي: يا حماد إنك إن متّ فمتْ هناك في بلاد الشرك، حُشرتَ أمّةً وحدك وسعى نورك بين يديك ([313]). هذا يحشر وحده يوم القيامة ونوره يسعى بين يديه ويساق إلى الجنة.

الرواية الثالثة: عن الإمام الرضا (صلوات الله عليه): (من تذكر مصابنا وبكى كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) ([314]).

إن الله سبحانه وتعالى سيجزي الذين سعوا وعملوا في مثل هذه الأيام المباركة، فإذا كانت تلك المجالس عامرة، والله سبحانه وتعالى وفق المؤمنين إلى هذه الخدمات التي هي ذخر ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فالمهم هو أن تبقى هذه المجالس وأن توسّع وأن تقام في كل بيت، فهي واجبة أولاً، وتربي أولادنا وبناتنا ثانياً، وثالثاً يؤمل أن تكون هذه المجالس وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى لحل مشاكل الدنيا والآخرة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك.

اللهم أحينا محيا محمد وآل محمد، وأمتنا ممات محمد وآل محمد، ولا تفرق بيننا وبينهم طرفة عين أبداً، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

فهرس الكتاب