أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة أهل البيت عليهم السلام » الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

الامام الحسين عليه السلام عظمة الهية وعطاء بلا حدود

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

3

خصائص الإمام الحسين عليه السلام الاستثنائية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يدور حديثنا حول بعض الاستثناءات التي حباها الله تعالى لسيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

وقبل أن نبدأ في هذا الحديث نقدم هذه المقدمة: إنَّ هنالك سمةً ملحوظةً في جميع السنن الإلهية، سواء كانت هذه السنن تتعلق بالتاريخ أو بالمجتمع أو بالطبيعة، وهذه السمة هي سمة الإطِّراد، وبعبارة أخرى سمة (الثبات).

إن القرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة ويقول: (فَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً) [38]، فالشيء الذي يبدو لنا في بادئ النظر، أن مفهوم التبديل يختلف عن مفهوم التحويل، فالتحويل: تبدلٌ في الموقع مع ثباتٍ في الصفة، بمعنى أن الصفة ثابتةٌ ولكن الموقع يتغير ويتحول، بينما التبديل: ثباتٌ في الموقع وتبدل في الصفة.

إن سنن الله سبحانه وتعالى لا تقبل التبديل ولا تقبل التحويل، وكلمة (لن) في هذه الآية تفيد تأبيد النفي، الله لا يقول (لا تجد) وإنما يقول (لن تجد)، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، فهذه طبيعة السنن الإلهية، سواء كانت متعلقةً بالطبيعة، أو كانت متعلقةً بالمجتمع، أو كانت متعلقةً بالتاريخ.

إن إحدى الاستثناءات الكبرى من السنن الإلهية الثابتة هي قضية سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، ولعل هذا الاستثناء الإلهي نابعٌ من أن العمل الذي قام به سيد الشهداء عليه السلام كان عملاً استثنائياً، فنحن لا نجد في التاريخ مثيلاً لهذا العمل ولن نجد في التاريخ مثيلاً لهذا العمل.

إن النبي إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) يمثل قمةً في التضحية، وأن الله تعالى أعطاه مقام الإمامة على أثر ابتلائه بتلك الكلمات، أي امتَحَنه في نفسه وامتَحَنه في ولده وامتحنه في أهله (فأتمّهن..) (وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً[39])، ولكن أين الامتحان الذي قدمّه نبي الله إبراهيم عليه السلام من الامتحان الذي قدمه سيد الشهداء عليه السلام؟، هل يمكن أن نقارن الامتحان الذي ابتلى الله به نبيّه إبراهيم عليه السلام في أهله مع الامتحان الذي ابتلى الله به الحسين عليه السلام في أهله؟ إن نبي الله إبراهيم عليه السلام قام بتضحية كبرى (رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ [40]) ترك الأهل في ذلك البر الأقفر، وهذه تضحيةٌ كبرى، وقالت له زوجته هاجر: إلى من تكلنا في هذا البر الأقفر؟ فقال عليه السلام: أكِلُكم إلى الله، هي عملية نسمعها ولكنها شاقّة.

ولكن أين هذا الامتحان من الامتحان الذي ابتلى الله به سيد الشهداء عليه السلام في أهله؟، الامتحان الذي لا نظير له في التاريخ، فالإمام السجاد (صلوات الله عليه) يقول: (كلما نظرت إلى عماتي وأخواتي خنقتني العبرة وتذكرتُ فرارهنّ من خيمة إلى خيمة [41]) فأين ذلك الامتحان وهذا الامتحان؟، أين ذلك الامتحان على عظمته مع هذا، إن امتحان نبي الله إبراهيم عليه السلام في ولده كان عظيماً جداً، فأن يأتي أب في كهولته ويذبح ولده، هذا امتحان شاقٌ جد.

نقرأ في دعاء بمفاتيح الجنان: (يا ممسك يد إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنّه وفناء عمره[42]) أين هذا الامتحان الكبير الذي ابتلى الله به إبراهيم عليه السلام من الامتحان الأكبر الذي أمتحن به سيد الشهداء عليه السلام في أولاده، في أخوته، في أهل بيته، في أصحابه، في طفله الرضيع؟ وأين الامتحان الذي ابتلى الله به نبي الله إبراهيم عليه السلام في نفسه، والامتحان الذي ابتلى الله به الحسين عليه السلام في نفسه؟.

إن عمل الإمام الحسين (صلوات الله عليه) كان عملاً استثنائياً في جميع أبعاده، فقد ذهب الإمام الحسين (صلوات الله عليه) إلى النهاية في هذا الامتحان، أما نبي الله إبراهيم عليه السلام فقد كان لامتحانه حد، إلى اللحظة التي يأخذ فيها السكين ويحاول أن يذبح ولده، لماذا لم يأمره الله سبحانه بأكثر ؟ لماذا يقف هذا الامتحان إلى هذا الحد؟ لبعض العلماء تفسيرات في ذلك ليس الآن مجال بيانها، ولكن سيد الشهداء عليه السلام ذهب إلى النهاية بأمر الله تعالى، بمعنى أنه لا أظن أن هناك شيئاً يُتصور ولم يُبتل أو يُمتحن به سيد الشهداء عليه السلام فالعمل الذي قام به سيد الشهداء عليه السلام كان عملاً استثنائياً في جميع أبعاده.

لله سبحانَه وتعالى قانون في هذا الكون، وهو قانون التعويض، حتى الكافر إذا قدّم أقل عمل، فإن الله يعوّضه عن ذلك في هذه الدنيا، حاتم الطائي كان كافراً ولكنه كان جواداً فعوضه الله تعالى، وفي الآية الكريمة وهي في المؤمنين (أني لا أُضيع عمل عامل منكم [43])، لاحظوا الآية، مفردة العمل نكرة والعامل نكرة أيضاً، (عمل عامل) بمعنى أي عمل مهما كان، ومن أي عاملٍ كان، فإن الله لا يضيّعه، فكيف بهذه التضحية الكبيرة للإمام الحسين عليه السلام بل هذه التضحيات الكبرى وهذا العمل الاستثنائي، فإن الله سبحانه وتعالى عوّضه بتعويضٍ استثنائي، وهذه الاستثنائات تأتي على نحوين:

 

النحو الأول: الاستثنائات التشريعية

إن الله تعالى جعل لسيد الشهداء عليه السلام استثناءات تشريعية في ميدان التشريع، لا توجد لدى أي شخص، حتى لخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، إن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الإمام الحسين عليه السلام بلا إشكال، وأمير المؤمنين عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام، والصديقة الطاهرة فاطمة صلوات الله وسلامه عليها أفضل من الإمام الحسين عليه السلام بلا إشكال، ولكن هذا العمل الاستثنائي عوضّه الله بجزاءٍ استثنائي في ميدان التشريع.

سأضرب مثالاً واحداً حتى ننتقل إلى النحو الثاني:

إن الجزع مكروه على أيٍ كان كما يبدو من بعض الروايات، وهذه الروايات مذكورة في كامل الزيارات([44]) وهو من الكتب المعتمدة، وفي غيره أيضاً، ولكن هنالك استثناء واحد في ما نعلم وهو الجزع على سيد الشهداء عليه السلام، ليس الجزع فقط وإنما الهلع أيضاً، فما هو الفرق بين الجزع والهلع؟ الهَلَع: كما يقول اللغويون، إن أكبر أنواع الجزع يُقال له هلع، فالإمام السجاد (صلوات الله عليه) يقول: (حتى كادت نفسي تخرج فتبيّنت ذلك مني عمتي زينب فقالت لي: (ما لي أراك تجود بنفسك) ــ لاحظوا العبارات ــ (فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع [45])، هلعٌ وليس جزعاً فقط.

راجعوا روايات (كامل الزيارات) إن الجزع كله مكروه ما خلا الجزع على الحسين عليه السلام وعلى فرض أنه إذا كان قتل النفس جائزاً فكثير من المؤمنين كانوا يقتلون أنفسهم في يوم عاشوراء من عظم المصيبة، فهذا الذي يأخذ السيف ويضرب به على رأسه، محدد بالحكم الشرعي الذي لا يسمح له بأن يقتل نفسه، وإلاّ لكان كثير من هؤلاء يقتل نفسه جزعاً على سيد الشهداء عليه السلام من شدة تفاعلهم إذا كان قتل النفس جائزاً، ولكنه محرّم..

مع ذلك لدينا أحد العلماء وهو الشيخ خضر بن شلال([46]) له رأي في هذا الموضوع مذكور في كتابه (أبواب الجنان)، راجعوا رأيه، ولكن المشهور أن هذا حدٌ شرعيٌ، فالتطبير ليس فيه إشكال وهو مظهر من مظاهر الجزع على سيد الشهداء عليه السلام.. البعض يظهر هذا الجزع والهلع على الإمام الحسين عليه السلام بالضرب على رأسه بالسيف.

راجعوا الروايات، إن الجزع كله مكروه ما خلا الجزع على الحسين (صلوات الله عليه)، وفي رواية أخرى مذكورة أيضا في (كامل الزيارات) في العبارة إظهار الجزع، وهذا استثناءٌ تشريعي في ما أعلم، وإن هذا الاستثناء خاصّ بسيد الشهداء عليه السلام.

 

النحو الثاني: الإستثناءات التكوينية من السنن الإلهية

وهنا نشير إلى موردين:

المورد الأول: استثناءٌ يتعلق بعالم الطبيعة.

المورد الثاني: استثناءٌ يتعلق بالمجتمع.

المورد الأول: استثناءٌ يتعلق بالسنن الطبيعية

إن من المستثنيات على السنن الطبيعية في قضية الإمام الحسين عليه السلام قانوناً تكوينياً وتشريعياً أيضاً، بمعنى أن هذا الاستثناء يشكل استثناء مزدوجاً، فهذا التراب الذي تأكلونه محرّم من الناحية التشريعية، ومن الناحية التكوينية ضار، فالتراب مضر، ولكن تراب قبر سيد الشهداء عليه السلام يمثل استثناءاً تكوينياً وتشريعياً معاً، فهو شفاء وأمان.

إن قضية السيد البروجردي([47]) (رحمة الله عليه) معروفة، إجمالها أن عينه ضعفت وكانت تؤلمه بشدة وقد راجع الأطباء حتى يأس من العلاج، ودخل المعزّون لسيد الشهداء عليه السلام يوماً إلى بيته وعلى جباههم طين سيد الشهداء عليه السلام، إنه طين العزاء، وكان على أبدانهم أيضاً، يقول فكّرت مرة واحدة أن آخذ شيئاً من هذه التربة وأضعها على عيني، (فأخذتُ) ــ ربما أخذ الطين من جبهتهم أو من ثيابهم أو حتى من أقدامهم ــ يقول: (فوضعتها على عيني) وإذا بالشيء الذي كان ميؤوساً منه، عاد إليه بصره ونظره وعافيته، حدث هذا عندما كان عمره 89 عاماً، وقد فحصه الأطباء ورأوا أنه شفي تماماً، فكانَ الطبيب متعجباً؛ فالإنسان عندما يشيب تشيب كل قواه، بالذات إذا كانت المطالعة والقراءة هي شغل الإنسان، فلم يكن السيد البروجردي (رض) بحاجة إلى نظارة وعمره 89 عاماً، بل كان نظره أفضل من الآخرين.

السيد الجد (رحمه الله) ([48]) أيضاً له قضية أخرى، إجمالها أن عينه آلمته فتوسّل بأبي الفضل العباس (صلوات الله عليه)، يقول العم (حفظه الله) ([49]) أنه كان في أيام شيخوخته يرى ساعة الصحن الشريف من فوق سطح الدار ونحن في مرحلة الشباب ولم نكن نتمكن من رؤيتها، إن هذا يُعَدُّ استثناءً تكوينيّ.

في بحر الكويت عندما هاجت الأمواج، كان الوالد([50]) (رحمه الله) في المركب وأنا كنت معه لكن لا أتذكر هذا المقطع لأن البحر هاج واضطرب والسفينة هُددت بالغرق والأمواج أخذت تصب المياه إلى داخل السفينة، كان معنا رجل كفيف وكان الموج يتدفق عليه بشدة، ثم نزلنا أنا ومجموعة في الطابق التحتي من السفينة فلا أتذكر هذا المقطع ولكن الأخوة الذين كانوا موجودين نقلوا لنا فيما بعد، أن الوالد (رض) أخذ شيئاً من تربة سيد الشهداء (صلوات الله عليه) وألقاه في البحر فهدأ، إنه أمان وشفاء، وهذا خرق تكويني للقوانين التكوينية.

وتوجد قضية مطوّلة أيضاً منقولة عن أحد تجار مدينة مشهد حين كان مُشرِفاً على الموت ــ والقضايا في هذا الباب كثيرة لكن لا يوجد مجال لنقلها ــ فجاءه الشيخ حسن علي الطهراني([51]) وأعطاه شيئاً من تربة سيد الشهداء عليه السلام، وكان التاجر يوصي الشيخ حسن علي الطهراني، أي كان في حالة وصية (هكذا إفعل بأموالي)، يقول الشيخ الطهراني، أخذ شيئاً من تربة سيد الشهداء عليه السلام وتناولها، وبمجرد ما وضعها في فمه وإذا به يشعر بأنه عاد كما كان من قبل في تمام العافية والصحة.

وجاء في بحار الأنوار أنه بعد قتل سيد الشهداء ودفنه (صلوات الله عليه)، جاءت مائة ألف امرأة عاقر إلى قبر سيد الشهداء، مائة ألف وليس واحدة أو اثنتين، عاقر وعقيم وكلّهن أنجبن فيما بعد مائة ألف مولودٍ([52]).

المورد الثاني: إستثناء في مجال المجتمع

هذا الحب والإنشداد الذي تجدونه في القلوب نحو سيد الشهداء عليه السلام ليس قضية طبيعية، فهو موجود حتى قبل مقتل سيد الشهداء (عليه السلام).

فالشيء الذي يظهر من بعض الروايات أنه يعود ذلك حتى قبل وقوع القضية ربما بآلاف الأعوام، فقد ذُكِرَ في الروايات أن أحد الأنبياء ع ([53]) عندما سمع اسم الحسين (صلوات الله عليه) حزن وبكى، في حين أن قضية الإمام (عليه السلام) لم تكن قد وقعت بعدُ.

نقل عالم كان يعيش في بلاد الغرب أنَّ هنالك فلماً أنتجه المسيحيون في بلاد الغرب حول السيد المسيح عليه السلام حتى اليوم شاهد هذا الفلم في العالم حوالي 250 مليون إنسان، مع أن اليهودية العالمية تحركت بشدة ضد هذا الفلم، لأنه ضد اليهود، فهم (اليهود) كانوا ضد المسيح عليه السلام وضد حركته وهم الذين أرادوا صلبه ــ كما يروي الفيلم أنهم صلبوه على حد زعمهم ــ ومع ذلك شاهد هذا الفلم 250 مليون فردٍ في العالم تقريباً، مع أن قضية السيد المسيح عليه السلام لا تصل إلى قضية الإمام الحسين عليه السلام قطعاً..

فإنهم في مقطع من الفلم يصورن أن اليهود صلبوا عيسى عليه السلام، ــ والذين صُلبوا كثيرون، فأخذوه ووضعوه على الصليب وصلبوه لا أكثر ــ مع العلم بأن قضية الصلب كاذبة، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ )[54].

لكن انظروا ماذا يفعلون بالعالم اليوم؟ كيف يجذبون الناس بذلك؟ في الحقيقة إذا كنا نحن ننتج هكذا أفلاماً حول سيد الشهداء عليه السلام فماذا كانت ستفعل بالعالم؟

نقل لي أحد الأخوة الذي عاد من بلاد الغرب قبل مدة، أن أخاه في بلاد الغرب ذهب إلى الدار التي تعرض هذا الفيلم حتى يراه، فقال: كان يوجد شخص مسيحي يرتبط بكنيسة مسيحية فقال لي: هذه البطاقة لك مجاناً، فقلت له لماذا ؟ قال: إن كنيستنا رأت أن هذا الفيلم أفضل دعاية للمسيحية في العالم فتقدم بطاقاته مجاناً، إن الكنيسة تشتري البطاقات وتوزّعها مجاناً، وتقول اذهبوا وشاهدوا الفلم.

ونحن ــ تجار الشيعة وشبابها ــ لابد أن نتحرك في هذا الاتجاه، فقد اتصل بيّ بعض الشباب الذين أعرفهم، وقال إن أحدهم أقام تمثيلية حول سيد الشهداء عليه السلام في يوم عاشوراء في إحدى البلاد العربية، وقد حضر أكثر من أربعين ألف شخص لمشاهدة التمثيلية، كما كتبت صحف ذلك البلد، ونُقل أن المشاهدين كانوا على سطوح المنازل والعمارات واقفين لمشاهدة التمثيلية، إن هذا الانشداد وهذا الحب ليس شيئاً طبيعيّ.

وقد ذكر العالم الذي كان يعيش في بلاد الغرب، أن شاباً بوذياً جاءني فعرضتُ عليه الإسلام وكلما تحدثتُ معه لم يقتنع ولم يؤثر كلامي فيه حتى انتهى الحوار، وفي نهاية المطاف، قال الشاب البوذي: سمعت أن عندكم شخص يُقال له (الحسين)، فما هي قضية هذا الرجل؟ فقال العالم: بدأت أشرح له بعض الجوانب من قضايا كربلاء وعاشوراء وإذا بملامح الكآبة والحزن أخذت تبدو على وجهه شيئا فشيئا، ثم شرحتُ له بعض الجوانب الأخرى وإذا به انفجر بالبكاء، وكلما مضيت في الحديث ازداد بكاؤه، يقول العالم، لقد خنقتني العبرة من بكائه فلم أتمكن أن أتكلّم فألَحَّ عليّ وتوسل أن أستمر في حديثي، لكني لم أقدر، فأكملت الحديث بصعوبة بالغة، وبعد أن أكملت حديثي، أخذ يكفكف دموعه، ثم قال ما هي شرائط الدخول في الإسلام وفي مذهبكم، فقلتُ له: الشهادتان والشهادة بإمامة الأئمة الإثني عشر (صلوات الله عليهم) فأعلن إسلامه وتشيّعه، قال العالم: إن هذا الشاب البوذيَّ تحول اليوم إلى مؤمن جيد وهو أكثر التزاماً من كثير من المؤمنين.

يذكر أحد أقطاب العامة المهمّين بالنسبة لهم: اذهبوا إلى القاهرة وشاهدوا الناس ماذا يفعلون في مشهد الحسين عليه السلام، يقول: الذين ذهبوا إلى هناك يقولون كأنه مثل الحج، في يوم متعلق بالإمام الحسين عليه السلام ربما هو يوم ميلاده (عليه السلام)..

يقول في تفسير هذه الآية: (إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ )[55]: (والحسين (رضوان الله عليه) ــ هذه عبارته طبعاً ــ وهو يُستشهد في تلك الثورة العظيمة من جانب والمُفجعة من جانب، أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة بالمقياس الصغير كانت هزيمة، أما في الحقيقة الخالصة والمقياس الكبير فقد كانت نصراً، فما من شهيد في الأرض تهتّز له الجوانح بالحب والعطف وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين (رضوان الله عليه) يستوي في هذا المتشيّعون وغير المتشيّعين من المسلمين وكثير من غير المسلمين)([56]).

هذا ما ذكره واحد من كبار أقطابهم عن الإمام الحسين (عليه السلام) في كتابه.

استثناءٌ تكويني في عالم الطبيعة

إن الله تعالى جعل النار محرقة ولكن هنالك استثناءين في ما نعلم:

الاستثناء الأول: نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي أُلقي في النار فكانت برداً وسلاما عليه. (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ [57]).

الاستثناء الثاني: سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، انظروا الآن في نقاط مختلفة من العالم، في إيران وفي بعض النقاط في العراق، وفي تايلاند، وفي الكويت، وفي الهند، يدخلون النار التي تلفح من بعيد، ولا يصيبهم مكروه … إلاّ إذا كان في نيّة الإنسان إشكال.

نقل لي أحد مراجع التقليد هذه القضية وقال: قبل أربعين عاماً تقريباً دخل كثيرون في العراق هذه النار([58])، وربما يكون بعض الأخوة اليوم ممن جرب هذا العمل، وقال: إن النار كانت تلفحُ الوجوه من بعيد، فالإنسان لا يتمكن من التقرّب إليها، لكن أحدهم دخل النار وهو ينادي يا حسين، ثم دخل الآخر وهكذا كثير منهم دخلوا، وكان من بينهم العلامة الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمة الله عليه) حيث دخل النار بجوربه المصنوع من النايلون لكن حتى جوربه لم يحترق..

وكان هناك شخص ينظر وبمجرد أن دخل النار احترقت رجله وصاح متألما، فجاؤوا إليه وأخذوه أو خرج هو وذهب إلى المستشفى وبقي في العلاج مدة.

نقل لي هذا المرجع وقال: أنا ذهبت إلى عيادته وسألته، إن كل هذه الجموع دخلت النار ولم تصب بشيء، فلماذا احترقت رجلك أنت؟! أجاب: في الواقع عندما رأيت هذا المنظر قلت في نفسي: إن هذا الأمر غير معقول! وكان هذا الرجل طبيباً، ولابد من وجود سر في القضية، فالنار مُحرقة بحسب قوانين الطبيعية، ــ كأنّ الله تعالى مقيّد بإطار قوانين الطبيعة!، لكن الله تعالى هو خالق هذه القوانين ونحن مقيّدون بها، أما الله سبحانه فغير مقيّد بهذه القوانين .

ويستمر الرجل الطبيب قائلا: يجب أن أكتشف هذا السر، وقبل أن يدخلوا النار، جاء أحد العلماء وأخرج شيئا مّا من جيبه وقذفه في النار، فقلت لنفسي: لقد انكشف السر! إن هذه مادة ما تبطل مفعول النار، قلت إذن هذا هو السر.

وأضاف الرجل: إن الناس دخلوا في النار وقلت سأدخل، لكن بمجرد ما دخلتها وإذا بي أحترق، واستمر في العلاج أشهراً؟ قال المرجع فقلت للرجل: واضح إن ما ألقاه العالم في النار كان شيئاً من تربة سيد الشهداء عليه السلام، ولذلك في بعض البلاد، في الكويت مثلاً، توجد هنالك جالية في إحدى الحسينيات يدخلون في عزاء النار، ويقرؤون: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ [59]).

هذا العطاء هو استثناء، وهو التعويض الإستثنائي في مجال التكوين وفي مجال التشريع، وفي مجال الطبيعة وفي مجال المجتمع.

إذن ينبغي أن نحاول، نحن أيضاً أن يكون عطاؤنا للإمام الحسين عليه السلام استثنائياً، وأن لا نفكر في الحدود، أي نحاول أن نقوم بعطاء استثنائي، هكذا يلزم أن نفكر، لكن ما هو هذا العطاء الاستثنائي الذي يجب أن نفكر فيه؟ فالإنسان ينبغي أن يرى ما الذي يتمكن عليه، هل في حقل التأليف، أو في حقل المنبر، أو في حقل المجتمع، أو في الحقل المالي؟ لا أن يفكّر أحدنا في المحدود فقط.

تجارة مع الإمام الحسين عليه السلام

هذه قضية نقلها ابن العم عن العم([60])، قال قبل أكثر من خمسين عاماً، فكر مجموعة من أعيان كربلاء المقدسة أن يشتروا البيوت المحيطة بالصحن، لأن الصحن كان صغيراً، وفكروا في توسيعه، فاشتروا البيت الأول ثم البيت الثاني فالثالث، وأحد الأشخاص بمجرد ما علم بذلك أخذ يجدد بيته، يصبغه ويرممه، وعادة الشخص عندما يصبغ بيته يعني انه يريد قيمة أعلى، فذهب هؤلاء الأعيان واشتروا البيوت إلى أن وصلوا إلى بيت الرجل من أجل أن يجعلوا هذه البيوت في الصحن الشريف.

جاء هؤلاء الأعيان إلى بيت الرجل مع مقيِّم، فقالوا له، نحن نريد أن نشتري منك هذا البيت حتى ندخله في الصحن، قال: نعم أنا حاضر، قالوا: هل ترغب في بيعه؟ قال: نعم أريد أن أبيعه، فقالوا لهذا المقيِّم: قيِّم هذا البيت وحدد قيمة مناسبة له.

ثم قالوا للرجل: نحن نشتري منك البيت بهذه القيمة. فقال: هذا قليل، فزادوا له القيمة، وقال: هذا قليل، وكلما زادوا القيمة كان يقول: هذا قليل، إلى أن يأسوا منه وسكتو.

لكن ذلك الرجل أطرق برأسه قليلاً ثم قال لهم: بعتُ البيت، فقالوا له: بكم، قال: أنا لم أبعهُ لكم حتى تسألونني عن ثمنه، قالوا: فلمن بعتَ بيتك؟ قال: بعته لسيدي ومولاي سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام إنه يعطيني ثمناً أغلى مما ذكرتم وأغلى وأعلى، إن الثمن الذي يعطيه سيد الشهداء عليه السلام لا يُقارن بهذه القيمة، ثم قال لهم الرجل خذوا هذا المفتاح وافعلوا بالبيت ما شئتم.

فقالوا له: إذا كنت تريد أن تعطي البيت مجاناً فلماذا صبغته؟ فقال: أنا فكرّت أن لا أقدم لسيد الشهداء عليه السلام شيئاً معيباً، بل أقدم له شيئاً جميلاً لا نقص فيه، هذا المفتاح خذوه وافعلوا به ما شئتم.

إن العم (حفظه الله) نقل لنا أن الجد([61]) (رحمة الله عليه) أوصى أن يُدفن في هذه البقعة، والآن الجد مدفون في بيت ذلك التاجر، فعندما تدخلون من باب القبلة سيكون بيت ذلك التاجر على يمينكم.

فينبغي علينا سواء كنا مؤلفين أو علماء أو خطباء أو تجاراً، أن نفكر ماذا نقدم للإمام الحسين عليه السلام، لأننا قد نندم فيما بعد.

كان هنالك مجموعة من الشباب يجتمعون كل ليلة في بيت واحد منهم، أحد هؤلاء الشباب كان أبوه متديّناً جداً وكان حسينياً بمعنى الكلمة، فقال أنا لا أرضى أن تأتوا وتقعدوا في بيتي إلاّ إذا جئتم بخطيب ليقرأ لكم، وإلاّ فأنا لا أرضى، وفي كل ليلة تكون فيها النوبة على هذا الشاب كانوا يأتون بخطيب وكان المجلس يتحول إلى مجلس تعزية، وحين مات الرجل، والد الشاب، رآه أحد هؤلاء الشباب في عالم الرؤيا وقال له: حدّثني ماذا جرى في موتك إلى اليوم؟ قال له: لا أتمكن أن أشرح، ــ لأننا بالأساس لا نفهم معادلات العالم الآخر تماما، وذلك كما إذا أردتم أن تشرحوا لجنين في بطن أمه هذه الدنيا فلا يفهم شيئا..

اشرحوا لأعمى الألوان، وُلد أعمى، قولوا له عن اللون الأبيض والأحمر فلا يفهم، فقال الرجل للشاب: أنا لا أتمكن أن أشرح لك ماذا جرى لي في هذا العالم منذ موتي حتى الآن.

فقال الشاب لذلك الرجل: إذن قل لي شيئاً عن ذلك العالم، فقال الرجل، أنا سأقول لك شيئاً واحداً، نحن كنا في الدنيا لا نعرف مقام سيد الشهداء عليه السلام وأنتم الآن لا تعرفون مقام سيد الشهداء عليه السلام إلا حين تجيئون إلى هذا العالم وترون مقامه وعظمته.

إذن ينبغي علينا أن نفكر وأن نعمل، كلٌ في مجاله، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة والنفع الشخصي والضرر الشخصي، أن نفكر ماذا نصنع لسيد الشهداء (عليه السلام).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فهرس الكتاب