أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة العقائد الإسلامية » الإمامة والحكومة في الإسلام

الإمامة والحكومة في الإسلام

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

في وجوب العصمة: –

 

1 – الحفظ العلمي والعملي:

فللإمام كما كان للنبي حفظ الشريعة علما وعملا. وإذا كان واجبا عليه ذلك فيجب أن يكون معصوما.. وذلك: لان غير المعصوم إما أن يكون: –

ألف – عادلا: وإذا كان كذلك ولم يكن معصوما لا تحصل فوائد نصب الامام ووجوده، حتى وإن كان معذورا بارتكاب ما يرتكبه من ذنوب وآثام، فإن المعذورية شي وتفويت الفوائد شي آخر. كما ان السهو بارتكابها لا يرفع إلا العقاب، فتبقى الحاجة إلى من يرد فاعلها. كما ان العادل قد يرتكب الصغائر، ولا يقدح ذلك بعدالته، بل قد يرتكب الكبائر سهوا..

فيحتاج في كليهما إلى من يرده، وبالخصوص إذا ارتكبها عمدا، وإن كان حصول ذلك نادرا ما يكون. بل قد يفسق، وإذا حصل هذا لا يستطاع عزله لكونه الامام المفترض الطاعة، بل أكثر من ذلك قد يبتلى الناس بإمام ظاهره العدالة وباطنه الفسق والفجور. فيجب على جميع هذي الوجوه نصب آخر، والحديث فيه كالحديث فيه، فيجب آخر وهكذا، وهو كما ترى.

ب – فاسقا: فلا يصلح لهذا المنصب بطريق أولى.

2 – الانتصاف من الظالم للمظلوم: –

[ 124 ]

فإذا كان هو ظالما لفرض كونه غير معصوم فمن ينتصف منه ؟ !

3 – رفع مادة الفساد والفتن: –

فإذا كان هو بذرة لهما لكونه كذلك فمن يرفعه ؟ !

4 – حمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم حدود الله والفرائض: –

فإذا قصر في هذا كله أو بعضه لكونه خاليا من العصمة فمن يحمله على ذلك ؟

ولو قلنا بآخر لتسلسل كما في الوجوه المذكورة لان الحديث في الاخر هو الحديث نفسه كما هو اضح.

5 – بل في حالات وإن كانت نادرة ما أدرانا بأنه قد عصى وهو حافظ للشرع ؟

فالشرع سيكون خارجا عن الاستقامة ويصبح الشرع بعد مدة ولو طويلة شرعا آخر كما هو
ظاهر لمن تدبر.

6 – لو عصى الامام لكونه غير معصوم لوجب ردعه وهذا يسبب له إيذائا ويجتمع بذلك النقيضان: –

تفصيل ذلك: الله تعالى يقول (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1).

إذا هو بمقتضى هذه الاية المباركة وكما سنتعرض لذلك عما قريب واجب الاطاعة. فإذا ارتكب معصية.. فيجب علينا مخالفته بل ردعه فيجتمع هنا مصداق الاطاعة ومصداق الردع كلاهما في واحد.

7 – لو صدرت منه المعصية لسقط محله من القلوب والنفوس فلا تنقاد


(1) الاية ” 60 ” سورة النساء – 4 – (*)

[ 125 ]

النفوس إليه، فيكون هذا مخالفا لغرض البعثة: –

8 – كما ان القاعدة المستفادة وهي حسنات الابرار سيئات المقربين تشمله، فيكون أقل شخص في المجتمع أكرم منه وأتقى، كما لا يخفى على المتدبر البصير: –

9 – قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (1).

والذنب ظلم لانه به يتعدى حدود الله، والله تعالى يقول: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) (2).

وإذا قيل، كما قيل بإن هذا في النبوة فكيف سقتموه هنا، قلنا إن الامامة والنبوة في خط واحد من هذه الجهة وهي القيادة والزعامة.

كما ان الاية الكريمة صريحة في الامامة، والامام هو الذي يحذى حذوه، فلا يمكن للمحتذى إلا أن يكون معصوما.
سواء كان نبيا أم إماما. بل النبي بما أنه إمام وقدوة يجب أن يكون معصوما كما هو الظاهر.

10 – (أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (3).

نستفيد من هذه الاية المباركة ما يلي (4): –

الاستفادة الاولى: إطاعة الله مطلقة غير مقيدة بقيد، وبما أن إطاعة الرسول جائت كذلك وعطفت على إطاعة الله سبحانه إذا يجب أن تكون مطلقة كذلك.

الاستفادة الثانية:


(1) الاية ” 125 ” سورة البقرة – 2 –

(2) الاية ” 230 ” سورة البقرة – 2 –

(3) الاية ” 60 ” سورة النساء – 4 –

(4) ما ورد في هذه الاية المباركة من بحث قد كنت اوردته في كتابي الخطي السنن القرانيه
لا سس المسار التاريخي للفرد والمجتمع (*).

[ 126 ]

بما أن الله سبحانه منيع العصمة إذا يجب أن يكون الرسول معصوما وإلا لاختلت الاطاعة الثانية ولما عطفت على الاطاعة الاولى كما هو ظاهر.

الاستفادة الثالثة: قوله تعالى في نهاية هذه الاية المباركة:
(فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا).

يظهر وجوب كون الرسول صلى الله عليه وآله معصوما وإلا لطلب منهم إن يردوه إلى الله فقط لئلا يحدث الخطأ بخطأ رسوله صلى الله عليه وآله، ولما قال في نهاية الاية:
(ذلك خير واحسن تأويلا) لانه إن لم يكن معصوما لاغرانا الله بالباطل سبحانه وادلانا به. هذا أولا وثانيا إن الارجاع إلى الله غير واضح على ما هو عليه لان الله غير ملموس ولا محسوس فالارجاع إليه ارجاع إلى حكمه، وحكمه مستفاد من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي يمثله فقوله تعالى فردوه إلى الله كاف، أو إلى الرسول كاف على هذا إلا أنه لم يكتف بذلك بل قال فردوه إلى الله والرسول ليبين أن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وآله بمنزلة الرد إلى الله وما بينه الرسول بمنزلة ما بينه الله
سواء أظهر هذا الرسول وقال هذا حكم الله أم لم يظهر ذلك بل حتى وإن قال هذا حكمي كما هو بين في أي أمر صدر منه وما هذا الامر إلا العصمة.

ولعله لما ذكرنا لم يكرر حرف الجر بل عطف الرسول على الله بدونه ليدلنا على عدم الاثنينية في ذلك، بعد أن كرر لفظ الاطاعة ليؤكدها وليركزها في أذهان الذين آمنوا. الاستفادة الرابعة: – عطف أولي الامر على الرسول واطاعتهما على إطاعة الله
يقتضي عصمتهم لما قدمناه في عصمة الرسول صلى الله عليه وآله: بل نقول أكثر ببركة ورود أمر واحد بالاطاعة للرسول ولاولي الامر فاطاعتهما واحدة ولذا لم

[ 127 ]

يذكر أولي الامر مرة أخرى في نهاية الاية لاندكاكهم في الرسول صلى الله عليه وآله وللبيان والتوضيح أتى بهم أولا، وللاختصار ولبيان وحدتهم بعد أن جعل لهما اطاعة واحدة لم يذكر إلا الرسول صلى الله عليه وآله أخيرا وهو واضح بحمد الله وبركته ولو جوزنا إلا تكون إطاعة أولي الامر مطلقة كما كانت إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله للزم أن يكون استعمال للفظ اما من باب استعمال المشترك في أكثر من معنى وهذا ما لا يجوزه أكثر أصحاب التحقيق إن لم يكن كلهم. أو من باب المجاز وهو خلاف الظاهر فضلا من أن السياق لا يساعد عليه بعد قوله تعالى
(فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول..) ولم يذكر أولي الامر لما ذكرناه وبعد قوله ختاما
(ذلك خير واحسن تأويلا) كما هو واضح لمن تدبر.

وقد أقر الرازي بدلالة هذه الاية على العصمة ولكنه لحاجة في نفسه أول أولي الامر بأهل الاجماع (1).

بلا دليل يرتكز عليه. وقد رده الشيخ محمد حسن المظفر (قدس) في دلائل الصدق (2) { وفيه أن المنصرف من أولي الامر من له الزعامة } وهذا خلاف أهل الاجماع. وهذا نوافق عليه { إن ظاهر الاية إفادة عصمة كل واحد منهم لا مجموعهم لان ظاهرها إيجاب طاعة كل واحد منهم }. وهذا غير واضح من الاية وبذلك يستطيع أن يدعي خلافه.
{ على أن العمل بمقتضى الاجماع ليس من باب الطاعة لهم، لان الاجماع من


(1) يراجع للاطلاع على رأية تفصيلا كتابه مفاتيح الغيب / ج 3 / ص 357 (2) ص 10. (*).

[ 128 ]

قبيل الخبر الحاكي }. وهذا ليس محل ذلك ففيه ما فيه. فلم يبق إلا التمسك بأن تأويله لاولي الامر باهل الاجماع خلاف الظاهر أصلا ويحتاج إلى دليل واضح لا سبيل له ولا دلالة للاية المباركة عليهم لا من قريب ولا من بعيد مع الانصراف المذكور أولا فيتعين من له الزعامة والامامة، وهو الامام بزعمنا لا غير.

وقد أشكل الرازي على أن المراد بهم الائمة عليهم السلام بوجوه مشوهه:

الوجه الاول: إن الطاعة لهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم.

وإذا قلنا أنه يجب علينا ذلك إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار مشروطا وهو مطلق.

وفيه: –

ألف – النقض: بطاعة الله ورسوله وطاعة أهل الاجماع على رأيه – الشريف –

ب – الحل: فالطاعة ليست مشروطة بمعرفتهم وبقدرة الوصول إليهم بل مطلقا كماهي طاعة الله ورسوله.. فيجب تحصيل المعرفة لهم كما في معرفة الله والرسول صلى الله عليه وآله وإلا لو التزمنا بما ذكر في أولي الامر لوجب ذلك أيضا في الله والرسول وهو كما ترى.

الوجه الثاني: إن أولي الامر جمع وعندهم لا يكون في الزمان إلا أمام واحد
وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر. { وفيه إن المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الازمنة ولا منافاة فيه

[ 129 ]

للظاهر } (1)، بل نقول أكثر من ذلك وهو وجوب طاعتهم كلهم على حد سواء وإن كان الامام واحدا في كل عصر وهذان مقامان مختلفان وهو واضح لمن تدبر.

الوجه الثالث:
(فإن تنازعتهم في شي فردوه إلى الله والرسول) ولو كان
المراد بأولي الامر الامام المعصوم لوجب أن يقال فإن تنازعتم في شي فردوه إلى
الامام المعصوم. وفيه { إن الرد إلى أولي الامر أيضا مأمور به ولكن إكتفى عن ذكرهم
في آخر الاية بما ذكره في أولها من مساواة طاعتهم بطاعة الله ورسوله } (2) بل نقول
أكثر من ذلك من أن المصدر الرئيس للتشريع هو الله سبحانه ولا يجب إطاعة أي مخلوق
فهو الاساس في الاطاعة والمصدر لها وإطاعة المخلوقين تأتي وتترشح من الباري عزوجل،
فذكر تفصيلا من تجب طاعته إبتدائا وفصلا، ثم أخيرا بين الطرفين الاساسيين في عملية الاطاعة وهي المرسل والمرسل لان الاساس إطاعة الله ثم بواسطة المرسلين تترشح هذه الاطاعة كما أنه بالمعاجز يثبتها وثبوت الامامة وولاية الامر متوقفة على الرسول لبيانها وتوضيحها فولاية الامر مستفادة من الله ورسوله.

فولاية الامر هي كذلك من الامور التي يمكن أن يقع التنازع فيها كما وقع وهذا الارجاع إرجاع كلي ولو أرجع إليهم أيضا للزم الدور كما هو واضح فلذا لم يذكر الرد إلا إلى الله والرسول، وهو من الخفايا العجيبة التي استفدتها بعد التمعن ولله الحمد، وكما ذكرنا أولا ولاية الامر مندكة في المرسل لا تفترق عنه فهو المصدر لها ومبينها، ولهذا وذاك ذكر الارجاع إليه مكتفيا به كما هو واضح لمن
ألقى السمع وهو بصير.


(1) و (2) دلائل الصدق / الشيخ محمد حسن المظفر ” قدس “. / ص 11 (*).

[ 130 ]

ومن نافلة القول صرف عنان الكلام إلى بعض ما جاء في كتاب نظرية الامامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمود صبحي. وقد اخترنا بعض مواضيعه التي تعرضت لما تعرضنا له سابقا تتميما للفائدة ولدفع بعض التوهمات وتوضيح بعض النقاط. أولا وقبل كل شي نسأل الدكتور المحترم كيف ترمي الشيعه بعقائدها وتقول [ كيف يصح أن تكون دراسة عقائد الشيعة ضمن أبحاث الفلسفة الاسلامية مع ما تشتمل عليه هذه العقائد من سخف وخرافات، وما تقتضيه الفلسفة من أصالة في الرأي وطرافة في التفكير ؟ } (1).

والحمد لله إنك انتبهت إلى مقالتك لهذه ورددت على نفسك بقولك { ليس يكفي الحكم على هذه العقيدة بعد أربعة عشر قرنا بالسخف لحسم الموضوع لان هذا حكم العاجز لا حكم الباحث } (2).

وكأنك من صفحتك الاولى في مقدمتك منته من كون عقائدهم سخيفة وهذه ليست مقدمة الباحث. ثم تؤكد قولك حيث تقول { وما أكثر ما تشتمل عليه عقيدة الامامة من غيبيات وخرافات } (3).

وأنت بعد لم تبتل قدماك بالبحث فإين قولك إذ تقول { وقد حاولت بصدد هذه الرسالة أن يكون كل تعقيب لي صادرا عن حرية يكتنفها تجنب الرعونة في أبداء الرأي } (4).

فأي تجني هذا وانت متحامل على عقائد الشيعة من أول نطفتك في كتابك لاخر مضغتك منه حتى حشوته العظام حشوا.

وأما قولك من أن الشيعة تمنت { أن لو بقي نظام الحكم المثالي زمن النبي بعده


(1) نظريه الامة لدى الشيعة الاثنى عشريه / د. احمد محمود صبحي / ص 9

(2) المصدر نفسه / ص 9.

(3) المصدر نفسه – ص 13

(4) المصدر نفسه – ص 12 (*).

[ 131 ]

فصاغوا نظرية يوتوبية في السياسة تشخصت وتجسدت في علي } (1) فهذا مدح لهم لانهم تمنوا استمرار الحق وهذا ما يتمناه كل محب للحق. وأما أنهم صاغوا نظرية يوتوبية فهو مجانبة منك للحق حيث يقول الباري عز من قائل
(وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا..) (2).

وهي سنة تاريخية ولذا قالت الزهراء عليها السلام عندما دخلت عليها نسأ المهاجرين والانصار لعيادتها عندما مرضت عليها السلام في جملة ما قالت { ولسار بهم – تعني أمير المؤمنين عليه السلام – سيرا سجحا لا يكلم حشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه، ولاوردهم منهلا نميرا، صافيا رويا تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه، ولاصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا – إلى أن تقول عليها السلام – ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون والذين ظلموا من
هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين.)
} (3)

فهو الحق من ربك.. وقال الامام الحسن المجتبى عليه السلام: – (وأقسم بالله لو تمسكت الامة بالثقلين لاعطتهم السماء قطرها، والارض بركتها، ولاكلوا نعمتها خضراء، من فوقهم ومن تحت ارجلهم من غير اختلاف إلى يوم القيامة قال الله عزوجل:
(ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من
فوقهم ومن تحت ارجلهم)
وقال عزوجل (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا


(1) المصدر نفسه – ص 65.

(2) الاية ” 17 ” سورة الجن – 72 –

(3) الاحتجاج / الطبري / ص 148 / ج 1 / ط. 1966 (*).

[ 132 ]

يكسبون) (1).

ونحن بحمد الله لا نتكلم بنظريات فارغة، بل نذكر حقائق دامغة وأدلة ناصعة، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وآله من طرقهم لا من طرقنا وهذه الكتب بين اليدين وهذا أحدهم وهو الحاكم يذكر في آية
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (عن ابن عباس قال: لما نزلت – الاية – قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الانبياء قبلي) (2).

فلا المأساة قد صنعت الشيعة ولا الواقعية الديمقراطية قد صنعت غيرهم كما هو ظاهر لادنى متعلم. وأما سؤالك وجوابك عندما قلت { لماذا ظلت مشكلة أحقية علي بالخلافة بعد النبي عقيدة حية إلى اليوم في قلوب الشيعة ؟ ! واجبت بعد ذلك ليست المسألة اختلافا بين أشخاص وإنما هي اختلاف المبادئ. تمنى الشيعة أن لو بقي نظام الحكم المثالي زمن النبي بعده فصاغوا نظرية يوتوبية في السياسة تشخصت وتجسدت في علي. وألتزم أهل السنة بما تم في الواقع بعد النبي فردوا على الشيعة بنظرية واقعية في السياسة.
فالخلاف بين الفرقتين هو في جوهره اختلاف بين الثيوقراطية اليوتوبيه وبين


(1) الروائع المختارة من خطب الامام الحسن السبط / ص 58 / ط. مصر

(2) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل / الحافظ الكبير عبيد الله بن عبد الله بن احمد المعروف بالحاكم الحسكاني الحذاء الحنفي النيسابوري / ج 1 / ص 206 / منشورات الاعلمي – بيروت (*).

[ 133 ]

الديمقراطية الواقعية } (1).

أولا نقول: ألم تتمن مثل غيرك من العقلا كالشيعة إن لو بقي النظام المثالي في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !

وثانيا: نقول كما قالوا أن (أهل السنة تشبثوا بكل شي ليبرروا هذا الواقع الذي حدث، تشبثوا بالنص، وعندما خذلهم النص تشبثوا بالافتراض، وعندما انهار الافتراض، تشبثوا بالشورى، وعندما أنهارت الشورى تشبثوا بالرأفة بالمسلمين، والحرص على مصلحتهم ووحدتهم ومستقبلهم حتى لا يتركوا هملا بلا راع. واستقروا بعد طول ترحال على مبدأ أن الامام القائم أو الخليفة القائم هو الذي يسمي من يليه، أي يحدد للامة الشخص الذي عليها أن تبايعه).(2)

وثالثا: أي ديمقراطية واقعية كانت تلك ؟ ! مبايعة الخليفة الاول في السقيفة كانت منها ؟ ! وقد تخلف من تخلف. أم بيعة الخليفة الثاني كانت من الديمقراطية وقد نصبه أبو بكر نفسه ؟ أم مبايعة عثمان كانت منها ؟ ! ثم أنت تتكلم بالديمقراطية والواقعية ونحن نتكلم عن الاسلام وما يريده الله لا ما وقع.
وإلا فمن جملة ما وقع أن يزيد أصبح أميرا – للمؤمنين – فهل هذا هو الحق والاسلام ؟ ! وهل الديمقراطية هي الاسلام ؟ ”


(1) النظرية / ص 65

(2) احمد حسين يعقوب / نظريه عدالة الصحابة / ص 163، ومن اراد ان يستعرض جميع النظريات التي تشبث بها اهل السنة ونقدها بصورة علميه لطيفة فعليه بكتاب النظام السياسي في الاسلام للمؤلف نفسه / ص 8 فما فوق (*).

[ 134 ]

{ وتعني الديمقراطية حكومة الشعب أي أختيار الشعب لحكومته، وغلبة السلطة الشعبية أو سيطرة الشعب على هذه الحكومة التي يختارها } (1).

وهل السلطة في الاسلام باختيار الشعب ؟ وأساس السلطة النبي، فيجب أن يتم اختياره من قبلهم، وهذا الاختيار قد سفهه الله في كتابه إذ قال تعالى:
(وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك.) (2)

وهو اختيار فاسد كما ترى (3).

بل لو اختار هذا الشعب غير الاسلام فبنأا على هذا يكون ذلك صحيحا وواجب الاتباع والقرآن يصرخ بخلافه
(ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين) (4).

أم إننا نتمسك باصطلاحات رنانة لها صداها اليوم لكي نثير في دواخلنا بعض ما تحمله تلك الكلمات في نفوسنا من بريق وصدى، والواقع خلافها. والحق يجيب عن السؤال الذي طرحوه. قد بقت أحقية علي بالخلافة بعد النبي عقيدة حية إلى اليوم، وستبقى إلى الغد في قلوب الشيعة، لان هذا هو الذي أمر به الله تعالى، وصدع رسوله بذلك، وأوجبه علينا اعتقادا وعملا، فضلا عن إننا لمسناه قبل ذلك بعقولنا فجاء الشرع مطابقا لما
أمر به العقل كما هو ديدنه، ولكن متى سيفهم من لا يريد أن يفهم ؟ !. هذا أولا وثانيا

قد صرح بعضهم وهو الحق من أن ذلك دليل قوي على كون الشيعة هم الفرقة الناجية، لان مقتضى القواعد والاسس التي جرى عليها سير


(1) الموسوعة السياسية / اشراف د. عبد الوهاب الكيالي وكامل زهيري / المؤسسة العربيه – بيروت / ص 273.

(2) الاية ” 32 ” و ” 33 ” سورة الزخرف – 34 –

(3) ولو سلمنا جدلا بعدم الفرق فهل تم اختيار الخليفة الثاني بغلبه السلطة الشعبيه ؟ ! ام بغلبتها قد تم اختيار الثالث فضلا عن الكلام المتشعب في الاول كما بينا بعض ذلك فيما سبق.

(4) الاية ” 20 ” سورة ال عمران – 3 – (*)

[ 135 ]

المجتمعات والافكار أن أي فرقة ومبدأ يمر بجز يسير مما مرت به هذه الفرقة من ضغوط وتشريد وقتل مقتضى ذلك أن تبيد وتنتهي فبقاؤها دليل على أن لله فيها شأنا وأن الحافظ لها هو دون أي أحد وإلا لانطمرت وأصبحت في خبر كان كما هو واضح وبين. ويتم الكاتب المحترم كلامه في مرحلة أخرى فيقول { ولعل أعنف هذه الانتقادات هي ما ذكرها ابن تيمية مستنكرا بذلك وجه اللطف أو الفائدة للعباد من وجود إمام غائب إذ يقول:

الامام الذي تصفونه مفقود غائب ومعدوم لا حقيقة له عند سواكم، ومثله لا يحصل به شي من مقاصد الامامة، بل الامام الذي يقوم وفيه جهل وظلم أنفع لمصالح الامة ممن لا ينفعهم بوجه، فإن احتج بإن الرعية لم تملكه فهو ذنبهم، قيل إذا كان عاجزا مقهورا عن دفع الظلم عن نفسه فما الظن برعيته، وكيف يتم اللطف وهو عندكم خائف لم يمكنه الظهور خوفا من القتل. ولا فرق بين أن يخلق الله إماما معصوما ولكنه غائب وبين ألا يخلقه فلا يكون ذلك واجبا عليه وحينئذ فلا يلزم وجوده، فالقول بوجوب وجوده، دون
تمكينه باطل } (1).

ويتم حديثه فيقول: { ويرد الحلي على هذه الانتقادات بقوله: لكي تكون الامامة لطفا لابد أن تتم أمور: خلق الامام وتمكينه بالقدرة والعلوم والنص عليه باسمه ونسبه.. وهذا واجب على الله وقد فعله، ثم تحمل الامامة وقبولها وهذا يجب على الامام وقد فعله، ثم النصرة والذب عنه والامتثال لاوامره وقبول قوله وهذا يجب على الرعية، فعدم التمكين قصور من ناحية الامة لا من ناحية الله تعالى ولا من


(1) النظرية / ص 75 (*).

[ 136 ]

ناحية الامام، هذا فضلا عن أن التمكين من الله والاجبار ينافي التكليف، ولو جاز على الله تمكين الامام لجاز عليه قهر العباد على الطاعات ومنعهم عن المعاصي من غير واسطة الامام وفي هذا إلجاء، بينما طاعة الامام إمتثال لاوامر الله تعالى ونواهيه دون قهر على الطاعة أو على الامتثال } (1).

وأنت ترى هذا كله حيث أن جواب العلامة (قدس) الذي نقله فيه الكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد فلا مجال لقوله بعد ذلك { غير أن الحلي قد بسط وجهة نظر الشيعة ولم يفند انتقادات أهل السنة التي لا تزال قائمة، يقول الرازي: إن الواحد منا إذا احتاج إلى هذا الامام – غير المتمكن ليستفيد منه علما أو دينا أو يجلب بواسطته إلى نفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة، فلو أتى أي حيلة كانت لم يجد منه البتة أثرا ولا خبرا، وإذا كان المقصود من نصب هذا الامام إما منفعة دينية أو دنيوية فالانتفاع يعتمد على إمكان الوصول إليه، فلما تعذر ذلك تعذر الانتفاع به، وإذا تعذر الانتفاع به لم تكن في نصبه فائدة أصلا، فكان القول بوجوب نصبه عبثا. والخوف من الامام مشروط بوجوده، لان الخوف من المعدوم محال
فيستحيل حصول الخوف منه مع تجويز عدمه } (2).

لاننا لا نقول بذلك مطلقا بل نقول إن أحد الاوجه من الانتفاع به هو إمكان الوصول
إليه أما الحصر بهذا الوجه فلا، والفرق واضح. وإذا توقفنا على هذا الوجه فاتت فائدة
أنبياء كثيرين في فترات كثيرة فهذا موسى – على نبينا وآله وعليه السلام – ترك قومه
وذهب يناجي ربه فهل بقي على نبوته في تلك الفتره أم انزاحت منه النبوة بذهابه، وعدم
تمكنهم من الوصول إليه ؟ ! وما فائدة بقائه نبيا في تلك الفترة ؟ !


(1) المصدر نفسه / ص 75.

(2) المصدر نفسه / ص 76 (*).

[ 137 ]

والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله عندما حوصر في شعب مكة وابتعد الناس عنه فأنه اقتضى عدم النفع به لهم فيكون وجوده عبثا ؟ ! وإن أجاب بإنه بعد ذلك أتى قومه فاستفادوا منه قلنا ذلك في الحجة عليه السلام إذ سيستفيد الناس منه بخروجه هذا أولا وثانيا نسأل: لو لم يسأل الرسول ولم يتبع ولم يؤمن به من آمن أكان امانا للعذاب لقومه أم لا ؟ ! مع علم الجاحدين بذلك أم لا. والجواب يكون من كتاب الله إذا استنطقناه بذلك:
(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..) (1).

ونقول في الامام ما قلناه في الرسول صلى الله عليه وآله لانه من نوره ومنهاجه وبه وبامثاله رفع العذاب عنا وعنهم. ولعله لذا وأمثاله ذكر سلام الله عليه وجه الانتفاع به عندما قال: – (وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب. وإني لامان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السماء) (2).

وعندما يقول مؤيدا ومصفقا لابن تيمية { ولا يحلق ابن تيمية في الجدل النظري إنما ينتقد صميم العقيدة الشيعية في الامام المستور حين يقول: إن كان الله أوجب على الناس طاعتهم ولكن الخلق عصوهم قيل لم يحصل في العالم لا لطف ولا رحمة فالمنتظر لم ينتفع به من اقر به أو من جحده. } (3).

نرى مدى جحده وبعده عن الحق بما قدمناه لانه حتى وإن قصر عقله عن استيعاب فائدة الامام المستور الان فلابد أن يستوعب بأن له فائدته عند رفع


(1) الاية ” 34 ” سورة الانفال – 8 –

(2) عن توقيع صاحب الزمان عليه السلام كما ورد في كتاب الاحتجاج / ج 2 ص 284

(3) النظرية / ص 76. (*).

[ 138 ]

الستار عنه وإظهاره هذا أولا ولو لم يستوعبه.

نقول ثانيا بإن الادلة التي سقناها بينت لنا وجوب وجود إمام معصوم وبإن الارض لا تخلو من ذلك لا زالت قائمة تصرخ في وجوههم مع غض النظر عن قاعدة اللطف أفلا يكفي في إظهار الحق ذلك ؟ ! ! ! ! ! !.

ولا يكتفي بهذا بل يتم كلامه { وأما سائر الائمة الاثني عشر سوى علي فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بامثالهم من أئمة الدين والعلم وأما المنفعة المطلوبة من أولي الامر فلم تحصل بهم فما ذكر من اللطف تلبيس وكذب } (1).

ترى مدى مجانبته عن الحق (2)، بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله (في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (3) أولا نسأله لفظ (نفع) ماذا يقصد به ؟ ! هل يقصد به الاخذ ومجرده بأي قول هو نفع بذلك القول ؟ !
أم ماذا ؟ ! وهل يرى المنصف أن فائدة الحسن عليه السلام في زمنه كفائدة معاوية. أم أن فائدة الحسين كفائدة يزيد.. أم أن فائدتهما عليهما السلام كفائدة بقية الصحابة وحتى لو أخذنا منهم ابن عباس مثلا.. لا أرى بإن أحدا من المسلمين يقول ذلك مع كرامة وعلم وفضل ابن


(1) المصدر السابق / ص 76

(2) للاستزاده وطلب معرفة مدى مجانبته للحق يراجع الصواعق المحرقة لابن حجر وكنز العمال وجامع الترمذي وغيرها من الكتب المعتبرة لترى علم ونفع ال بيت النبوه وشأنهم الذى وضحه الرسول الاكرم صلى الله عليه واله باعتراف الجميع.

(3) الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 148، ينابيع المودة / القندوزى الحنفي / ص 226 ذخائر العقبى / محب الدين الطبري الشافعي / ص 17 (*).

[ 139 ]

عباس فكيف بغيره ؟ ! وهل نفع جعفر الصادق في أمته كنفع الجاحظ في محفله ؟ ! وهذه
انباؤهم في التاريخ كان المتفقهون أمثال الذين يزمر لهم هذا وغيره يخشونهم ولا
يخشون الله.. فضلا عن أن الائمة كانوا المرشدين الحقيقين للناس أما غيرهم فاغلبهم
كان على الظن والشك وربما مجانبة الصواب. عن تفسير العياشي { عن زرقان صاحب ابن أبي
داود وصديقه بشدة قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له
في ذلك فقال وددت اليوم إني قد مت منذ عشرين سنة. قال: قلت له ولم ذاك ؟ ! قال لما
كان من هذا الاسود أبا جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين
المعتصم، قال: قلت وكيف كان ذلك ؟ ! قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة وسأل
الخليفة تطهيره باقامة الحد عليه فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع ؟ قال: فقلت من الكرسوع لقول الله في التيمم:
(فامسحوا بوجوهكم وايديكم) واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون، بل يجب القطع من المرفق قال وما الدليل على ذلك ؟ ! قالوا لان الله لما قال
(وأيديكم إلى المرافق) في الغسل دل على ذلك أن حد اليد هو المرفق. قال فالتفت إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر ؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين. قال: دعني بما تكلموا به أي شي عندك ؟ ! قال: أعفني عن هذا يا أمير المؤمنين. قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه.

[ 140 ]

فقال: أما إذا أقسمت علي بالله إني أقول أنهم أخطأوا فيه السنة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الاصابع فتترك الكف. قال وما الحجة في ذلك ؟ ! قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضأ الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع ! أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى:
(وأن المساجد لله) يعني هذه الاعضاء السبعة التي يسجد عليها
(فلا تدعوا مع الله أحدا) وما كان لله لم يقطع.

قال: فاعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الاصابع دون الكف.
قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنيت اني لم أك حيا.

قال ابن أبي زرقان: إن ابن أبي داود قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم اني أدخل به النار. قال وما هو ؟ ! قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه
فقهاء رعيته وعلمائهم لامر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه فاخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك وقد حضر المجلس بنوه وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من ورأ بابه ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الامة بأمامته، ويدعون أنه أولي منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء، قال: فتغير لونه، وانتبه لما نبهته له، وقال جزاك الله عن نصيحتك خيرا } (1).


(1) تفسير العياشي عن زرقان صاحب ابن ابى داود / كما ذكر ذلك صاحب الميزان في ميزانه / ج 5 / ص 335 (*).

[ 141 ]

أعن هؤلاء الفقهاء يتكلم ؟ ! وإذا كان القياس كذلك فعلى الاسلام السلام. لان محمدا بشرعه كلينين بتشريعه. فهذا أتبع وهذا اتبع. وكيف يجرأ أن يقول هذا وهذا علي بن أبي طالب (1) يقول: { لا يقاسن بال محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة. } (2).

وقال تعالى
(ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (3) وهي الاية المباركة التي
جاء بها الامام الرضا عليه السلام محتجا على العلماء الذين جمعهم
الخليفة المأمون العباسي، مبينا لهم أن هذه الاية تقصد أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم المصطفون ووارثوا الكتاب، وقد اعترفوا بذلك كلهم (4). وبعد ذلك يسوق أدلة الشيعة على وجوب نصب الامام، ثم بعدها يقول وقد أصاب بقوله { لا شك إن أدلة الشيعة جديرة بالاعتبار، ولا شك أن انتقاداتهم المتتالية لمبدأ الاختيار لها ما يبررها } (5). إلا أنه يحاول أن يبرر فعل الاخرين بالمشابهة والتطبيق بين نظامهم والنظام الديمقراطي حيث يوجه مصب هذه الانتقادات على ذلك النظام حينما يبدأ


(1) نهج البلاغة شرح ابن ابي الحديد / ج 1 / ص 45

(2) وفيما ذكرنا سابقا من احاديث تبين مقام اهل البيت عليهم السلام وفيما ذكره القوم المعين الصافي والكافي لمن طلب الحق وارادة.

(3) الاية ” 32 ” سورة فاطر.

(4) ابن عبد ربه / العقد الفريد / ج 3 / ص 42

(5) النظرية / ص 98 (*).

[ 142 ]

بالدفاع بقوله { والواقع أن هذه الانتقادات موجهة إلى النظام الديمقراطي بوجه عام حيث قيامه على مبدأ سلطة الامة وأحقيتها في أختيار الامام.. } (1). وكأننا في بحث سياسي ونريد أن نضع النقاط على الحروف بالنسبة لهذا النظام بالذات، وفاته بإن إسلامنا كامل، ولا يحتاج إلى اختبار واختبار وإلى إضافات رجال لكي يكون كاملا، وحديثه تام بلا شك ولكن ضمن القوانين الوضعية، وهذه من أساسيات انتقاداتها إلا أنه منحرف عن جادة الله وهي التي نتكلم بها والتي قال الله فيها:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (2).

فكيف يكون لهم العذر كما ذكر.
وتراه حين يسوق أدلة الشيعة بوجوب صدور استخلاف من النبي لانه يعلم بتفرق امته إلى ثلاث وسبعين فرقة فكيف شجعهم على هذا الاختلاف المأتي من عدم نصب الامام ؟ ! وإذا لم يكن نبيا قد
جاء بشرعه لكل الامم، فليكن سياسيا ومفكرا، له بعد نظر، لا يترك قومه والاخرين على شفا حفرة من الهلاك والضياع بين الاتجاه لهذا والاتجاه لذاك وليحدد مسيرتهم.. تراه حين يعرض ذلك بالتفصيل يقول { وقد استندوا في ذلك إلى برهان الخلف حين افترضوا عكس النتيجة التي أرادوا الوصول إليها ثم دللوا على بطلانها فإذا كانت الفتن قد لزمت من عدم الاستخلاف، وإذا كان النبي يعلم ذلك فلا بد أنه استخلف } (3)


(1) المصدر السابق / ص 99.

(2) الاية ” 4 ” المائدة – 5 –

(3) النظرية / ص 102. (*).

[ 143 ]

ثم يعقب على ذلك ويقول (غير أن برهان الخلف ليس هو النهج الصحيح الواجب إتباعه في استقراء وقائع التاريخ وإنما يستند المنهج التاريخي إلى الخبر والرواية) (1).

إلى أن يقول (فاستخلاف النبي أو عدم استخلافه إنما يرجع إلى ما روي عنه من أحاديث) (2).

هذا الذي قاله أخيرا صحيح وتام ولذا نحن نرجع إلى ما روي عنه من أحاديث ونتمسك بمثل (أنت مني بمنزلة هرون من موسى..)

(قل تعالوا ندعوا أبنأنا وأبنائكم ونسأنا ونسأكم وأنفسنا وأنفسكم) مرورا بغيرها من الايات والروايات وانتهأا بيوم الغدير الخالد (3).

والشيعة عندما جاؤوا ببرهان الخلف ما جاؤوا به ليثبتوا أنه قد حدث هذا
الخطأ الجسيم في الامة والمفروض عدم وقوعه إذا يجب أن يكون قد استخلف لان هذا القول معناه منطقيا فإذا كان قد استخلف فلا خطأ والخطأ موجود إذا فهو لم يكن مستخلفا هذا من جهة ومن جهة أخرى لان الوقائع التاريخية لا يمكن الرجوع لها واسترجاعها.

إلا أنهم يقولون: – بإن رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم علم اليقين بأن الفتنة ستقع من
جراء عدم الاستخلاف، وعلمه هذا من الله تعالى، فحفاظا على أمته التي ضحى من أجلها كل غال ورخيص عليه أن يستخلف وينبههم على هذا الامر ويقيمه لهم واضحا لا أعوجاج فيه، وحتى لو لم يعلمه الله تعالى بذلك – وفرض المستحيل ليس مستحيلا – فعليه كقائد محنك ورئيس إنساني أن ينصب لهم هاديا ومرشدا


(1) و (2) النظرية / ص 102

(3) وقد تم تخريج اغلب الروايات حول هذا الامر المهم وتم الكلام فيه (*).

[ 144 ]

بعده ويلزمهم السير على نهجه، لا أن يترك لهم قاعدة عريضة لحد نهاية هذا القرن وبعد مئات السنين من التطبيق والفشل والفشل والتطبيق لم تبن معالمها ولم تعرف أطرافها. فيضيعوا.

فعليه عليه أن يبين لهم هذا، وإذا انحرفوا كما
انحرفوا لسوء أعمالهم فهو غير مسؤول عن إنحرافهم.. وبتعبير آخر نقول: إن الشيعة لم يقولوا فإذا كانت الفتن قد لزمت من عدم الاستخلاف فلابد أنه قد استخلف. بل يقولون إذا كانت الفتن لازمة لعدم الاستخلاف وهذا ما لا ينكره عاقل في
مجتمع لم ينضج بعد فكريا لتشعب جذور الجاهلية في نفوسه ولقصر مدة الاسلام في ربوعه هذا أولا

وثانيا أن أي مصلح وسياسي بسيط عندما يتبع لابد له من نصب خليفة له فكيف بمحمد صلى الله عليه وآله ؟ فإذا كأن كل ذلك فعليه يجب أن يكون قد استخلف.. ويضيفون بانه قد استخلف ومع استخلافه وتركيزه على هذا الاستخلاف أنكر ذلك حتى ضاع موقف شهده أكثر من مائه وعشرين ألف مسلم في رابعة النهار وتجرأ بعضهم فقال بإنه لم يستخلف ومشى قوله فحدث ما حدث وانكمش الحق باهله.. فكيف به لو لم يستخلف أصلا لضاع الحق وانطمر ولكان الاسلام بخبر كان هذا بعينه الذي يقو لونه يا دكتورنا الاجل وهو الذي يقررونه فراجع.

(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا

[ 145 ]

الالباب) (1).

(أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (2).


(1) الاية ” 10 ” سورة الزمر – 39 -.

(2) الاية ” 36 ” سورة يونس – 10 – (*).

 

فهرس الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *