أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة العقائد الإسلامية » الإمامة والحكومة في الإسلام

الإمامة والحكومة في الإسلام

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 17 ]

الفصل الاول:-

الحاكم الاول

[ 19 ]

الفصل الاول: – الحاكم الاول:

بعد هذه التوطئة نقول متوكلين على الله تعالى: –

الحاكم الاول المطلق هو الله تعالى. الحاكم الاول في الاسلام المنصوص والمدلول عليه من قبل الله تعالى هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال تعالى: –
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (1).

بعد استقرار الدليل العقلي على أن لله سبحانه وتعالى خلقا يمثلونه في الارض مبشرين ومنذرين.

قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنا لما اثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسهم ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ولا يحاجهم ولا يحاجوه، فثبت أن له سفرأ في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه


الاية ” 65 ” سورة النساء – 4 – (*)

[ 20 ]

فناؤهم، فثبت الامرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه. وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الانبياء وصفوته من خلقه، حكمأ مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب) (1).

وقد ثبت ذلك في كتابه، قال تعالى: –
(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) (2).

وقال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (3).

وهؤلاء يصطفون من خلقه. قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (4).

وقال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (5).

فتوفر شروط كثيرة في هذا المبلغ عن الله تعالى منها ظاهرية ومنها خفية لا يستطيع أن يلم بها بشر، بل هو سبحانه أعلم بها وبارشاد منه سبحانه وبيان نستدل بوجودها فيه، ومن أروعها وأجلاها العصمة. وكفى قوله تعالى دليلا على ذلك بالنسبة إلى نبينا (صلى الله عليه وآله)
(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (6).

ولذا أمرنا بطاعته مطلقا ويظهر ذلك جليا في آيات كثيرة منها:

قوله تعالى


(1) الشيخ الصدوق ” قدس ” / التوحيد / ص 249 (2) الاية ” 6 ” سورة القصص – 28 – (3) الاية ” 166 ” سورة النساء – 4 – (4) الاية ” 76 ” سورة الحج – 22 – (5) الاية ” 125 ” سورة الانعام – 6 – (6) الاية ” 3 “، ” 4 ” سورة النجم – 53 – (*)

[ 21 ]

(وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (1). بل طاعته طاعته بعينها قال تعالى
(من يطع الرسول فقد اطاع الله) (2).

بل قال تعالى: –
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا) (3).


(1) الاية ” 56 ” سورة النساء – 4 –

(2) الاية ” 81 ” سورة نساء – 4 –

(3) الاية ” 37 ” سورة الاحزاب – 33 – (*)

[ 23 ]

الفصل الثاني:-

الحاكم الثاني

 

 

[ 25 ]

الفصل الثاني:- الحاكم الثاني

وهو الذي يسمى عند المسلمين بالامام. والعبأ الذي يقوم به يسمى بالامامة.
ويؤمن بالامامة المسلمون قاطبة، وعليها قام إجماعهم، وهي تمثل الخلافة عندهم. إلا أن الاختلاف وقع في نمطها وكيفيتها. فهل هي مثل النبوة لا تكون إلا بالتعيين من المصدر الاول للسلطة والحاكمية أم لا ؟ ! !

بل هي أمر متروك للرعية، فهي التي تختار. وعلى هذا تكون الامامة بنأا على الرأي الاول أصلا من أصول الدين. وتكون على الرأي الثاني فرعا من فروعه. فعلى الاول حينئذ لا يجوز فيها التقليد بتاتا ولا الاختيار، بل هي أمر تعبدي ثابت من السماء يجب إتباعه لا يمكن تغييره كالنبوة. وعلى الثاني فيجوز التقليد فيها.

ومن هنا حدث أهم أفتراق بين المسلمين.

[ 26 ]

الاطروحة الاولى:

– الامامة الراجعة إلى الامة طريق ثبوتها إما أن يكون:

– ألف – بالاجماع.

ب – بالشورى.

ح‍ – بالبيعة.

وركيزة هذه الافرع الثلاثة أما أن يكون:-

1 – الكثرة.

2 – أو اتفاق أهل الحل والعقد.

ولو أحببنا أن نسبر غور كلا منهما لرأينا.

1 – في جانب الكثرة لا يقف إلا زيادة العدد. وازدياد العدد لم يكن يوما من الايام بحجة شرعا ولا عقلا.

ويشير إلى ذلك الفرآن الكريم في مواطن كثيرة، فها هو يذم الكثرة ويمدح القلة.

قال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) (1).

وقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (2).


(1) الاية ” 13 ” سورة سبأ – 34 –

(2) الاية ” 187 ” سورة الاعراف – 7 – (*)

.

[ 27 ]

وقال تعالى: (وأكثرهم للحق كارهون) (1).

فلا نرى سببا عقلائيا واحدا يحدونا للتمسك بهذا أبدا.

إذ حتى في أشد الامور احتياجا للكثرة، صرح القرآن بعدم نفعها مع وجود القلة المدركة إذ قال تعالى:
(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) (2).

2 – اتفاق أهل الحل والعقد. الامر فيه سيتضح بعد المداولة والمذاكرة لكل من الطرق الثلاثة. الطريق الاول: الاجماع ومدرك حجيته إما الكثرة وتقدم ما فيها – بالاضافة إلى أنها تحتاج إلى من يثبت حجيتها فترجع بهذا إلى الشق الثاني، أو غيرها. فإما أن تكون الحجية مصدرها الكتاب أو السنة أو العقل ولا يمكن أن يكون الاجماع للزوم الدور كما هو واضح.


(1) الاية ” 70 ” سورة الاعراف – 7 –

(2) الاية ” 249 ” سورة البقرة – 2 – (*)

.

[ 28 ]

المصدر الاول: –

1 – الكتاب

واستدلوا بآيات (لا تنهض دليلا على مقصودهم. وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين، وهي قوله تعالى:
(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسأت مصيرا) (1).

ويكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال: – والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الاعدأ عنه نوله ما تولى. فكأنه لم يكتف بترك المشاقة، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين من نصرته والذب عنه، والانقياد له فيما يأمر وينهى.

ثم قال: (وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم)، وهو كذلك كما استظهره) (2).

(فسبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الايمان هو الاجتماع على طاعة الله ورسوله وإن شئت فقل على طاعة رسوله – فإن ذلك هو الحافظ لوحدة سبيلهم).

وقال تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل


(1) الاية ” 114 ” سورة نساء – 4 –

(2) محمد رضا المظفر / اصول الفقه / ج 2 / ص 90 (*)

[ 29 ]

فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)(1) (2).

(أما الايات الاخرى فقد اعترف الغزالي كغيره في عدم ظهورها في حجية
الاجماع فلا نطيل بذكرها، ومناقشة الاستدلال بها) (3).


(1) الاية ” 153 ” سورة الانعام.

(2) السيد محمد حسين طباطبائي / الميزان في تفسير القران / ج 5 / ص 82

(3) المظفر / الاصول / ج 2 / ص 90 (*)

[ 30 ]

المصدر الثاني: –

2 – السنة

لقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) وما يؤدي هذا المعنى في عدة من الروايات.

ويشكل أمر هذه الروايات من جهتين: –

الاولى: جهة السند.

الثانية: جهة المضمون، والدلالة.

[ 31 ]

الجهة الاولى: –

السند وهو غير معتبر. أما لدى الخاصة فواضح. وأما عن طريق الجماعة فهي مروية بطرق مجهولة، ولذا لو حوكمت بميزان أصول الحديث لسقطت عن الاعتبار. فالصحاح الستة خالية منها.

نعم رواها الحاكم في مستدركه، إلا أنه أشار إلى عدم نقأ سندها (1).

(وأما تعدد الرواية فلا ينفعنا في المقام بدعوى الاستفاضة، فإننا نحتمل قويا اختلاقها بنكتة عامة لتصحيح الاجماع الذي تخيل أنه يصحح أساس مذهبهم،
ومع احتمال نكتة عامة في الاختلاف لا يتحقق شرط الاستفاضة أو التواتر. ولعل من يلاحظ ظروف نقل هذه الروايات، وحال رواتها يزداد ظنا باختلاقها بنكتة عامة في الجميع) (2).


(1) من اراد تفصيل عدم نقاء السند فعليه بكتاب ” مباحث الاصول ” / ج 2 / من القسم الثاني / السيد كاظم الحائري / ص 289 / الهامش.

(2) السيد كاظم الحائري / مباحث الاصول / تقريرا لابحاث السيد محمد باقر الصدر (قدس) / ج 2 / ص 292. (*).

[ 32 ]

الجهة الثانية: –

دلالة المضمون (لا تجتمع امتي على ضلالة.) أو ما يؤدي هذا المعنى معناه: –

أنها معصومة. فوصف العصمة هذا، هل يترشح إلى جميع الافراد بنحو أفرادي ؟ ولا أظن أن أحدا يقول به. وإذا كان على البعض دون الاخر، فهذا وصف البعض لا وصف الامة، فإذا اجتمع هذا البعض كانت العصمة، وفيه: – أولا: إن القائل لا يدعي العصمة لاحد، فكيف يصح منه هذا القول.

ثانيا: إن ذلك سيكون وصفا لذلك البعض لا للامة فيصبح الكلام المقدس في غير محله، كما هو واضح.

ثالثا: من رجح هذا البعض على الاخرين، ولم يبين رسوله الكريم ذلك ؟ ! وحديثنا في
قوة ذلك المرجح لو كان. ورابعا: الاخبار كان عن جميع الامة، وأنها لا تجتمع على خطأ
ولا على ضلال. والذي يراد أن يثبت هو اجتماع أهل الحل والعقد فاين هذا من ذاك. إذ
أن أهل الحل والعقد جز من الامة، ولا يمكن أن يكونوا هم الامة هذا وأهل الحل والعقد
لا يراد منهم في أغلب الاحيان إلا أنفسهم في زمن من الازمنة، وفي عصر من العصور.
ولا يراد بهم في أحيان أخرى إلا فقهاء معروفين.

[ 33 ]

وهؤلاء أيضا يكونون من طائفة معينة من الامة. وهذه كلها ليست أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بألفها ولامها ولا يأها، فكيف يصح لا تجتمع امتي، أو هذه الامة، على الضلالة إذا كان يراد منها ذلك ؟ ! ولذا صرح السيد الطباطبائي في ميزانه بأن الرواية (أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الامة على خطأ، ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطأ، وللامة معنى ولاهل الحل والعقد معنى آخر. ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الاول).

ثم أضاف (قدس). (وكذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الامة، بل تنفي الاجتماع على خطأ. وبينهما فرق) (1).

ثم من حقنا أن نتسأل: – (ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي ! ؟ هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الامور غير مختصة بالامة المسلمة، بل كل امة من الامم العظام، بل الامم الصغيرة، بل القبائل والعشائر، لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الامور العامة، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الامم والاجيال وجدت موارد كثيرة اجتمع أهل الحل والعقد منهم في مهام الامور وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا، وربما أخطأوا،
فالخطأ وإن كان في الارأ الفردية أكثر منه في الارأ الاجتماعية، لكن الاراء الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا.

فهذا التاريخ وهذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا:


(1) الاية ” 189 ” سورة البقرة – 2 – (*)

[ 34 ]

فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل والعقد في الاسلام مصونا عن الخطأ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية، بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، ويكون حينئذ كرامة باهرة تخص بها هذه الامة تقيم صلبهم، وتحفظ حماهم، وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم، وبالاخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم، ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الامة العملية، نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية.

فكان من اللازم: – أن يبين القرآن حدوده، وسعة دائرته، ويمتن الله به كما امتن بالقرآن وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، ويبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما يبين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي صلى الله عليه وآله امته، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا بعده اهلا للحل والعقد، وتقلدوا ولاية الامة، وأن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الامر ما حقيقتها ؟ ! وما حدها ؟ ! وما سعة دائرة عملها ؟ !

وهل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الامور العامة لجميع الامة الاسلامية ؟ ! أو تنعقد في كل جمعية اسلامية جمعية أولي الامر فيحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ؟ ! ولكان من اللا زم أن يهتم بها المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ويبحثوا فيه وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالاهلة، وماذا
ينفقون والانفال.

قال تعالى: (يسألونك عن الاهلة) (1).


(1) الاية ” 189 ” سورة البقرة – 2 – (*).

[ 35 ]

(يسألونك ماذا ينفقون) (1).

(يسألونك عن الانفال) (2).

فما بالهم لم يسألوا ؟ ! ! أو أنهم سألوا ثم لعبت به الايدي فخفي علينا ؟ ! فليس الامر مما يخالف هوى أكثرية الامة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالاعراض، فالترك حتى ينسى.

(ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وآله حينا بعد حين). فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب ؟ ! !

ولم تظهر بين قدمأ المفسرين من الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده) (3)، وقد أشار بهذا لما فسر عند من ذكر بأن أولي الامر الوارد في آية.
(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (4). بأنهم أهل الحل والعقد. وأنى لهم أن يثبتوا ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ؟ !


(1) الاية ” 215 ” سورة البقرة – 2 –

(2) الاية ” 1 ” سورة الانفال – 8 –

(3) السيد الطباطبائي / الميزان / ج 4 / ص 394 – 396.

(4) الاية ” 59 ” سورة النساء – 4 – (*).

[ 36 ]

ولنستعرض الروايات: –

(لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا).

(لا يجمع الله هذه الامة (أو أمتي) على الضلالة).

(لا يجمع الله أمتي (أو هذه الامة) على الضلالة أبدا، ويدالله مع الجماعة).

أو كما نقل (لا تجتمع أمتي على خطأ) (1).

نحاور هذه المرويات بطريق آخر: –

نقول إن الرواية الاخيرة يمكن أن تكون اللام فيها للنهي لا للنفي، فتكون وصية للامة. ونقول بعدها: –

أ – ورد عن طرق الفريقين بما لا مجال للشك فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة.

وأي كانت هذه الفرقة. هل يشك شاك بعد هذا أن اجتماع فرقة من الامة، أو طائفة من الامة، لا يعني بأي حال من الاحوال اجتماع الامة ؟ ! ! نعم لو إلتزمنا بما يقولون جدلا فستكون النتيجة أن اجتماع تلك الفرق كلها على أمر، كاشف عن أن هذا الامر ليس فيه ضلالة كاجتماعهم على وجوب الصلاة مثلا، أو بقية الضروريات. وهذا اجنبي عن الاجماع المدعى.

ب‍ – ورد عنه صلى الله عليه وآله عن طرق الفريقين أيضا (اختلاف أمتي رحمة)


(1) انظر مستدرك الصحيحين / الجلد الاول / ص 115 – 117 (*).

[ 37 ]

فعلى توجيههم لهذا الحديث، وأخذهم بظاهره كيف سيجتمع مع قوله صلى الله عليه وآله (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) فإذا كان الاختلاف رحمة، فالاجتماع الذي ليس فيه ضلالة لا تكون فيه الرحمة، أو أنه يريد أن يبين أن امته لا تجتمع على أمر أبدا فتكون النتيجة منافية لغرضهم فمن يلتزم بهذا ؟ !

نعم يمكن أن توجه الاحاديث تلك بطريقين اثنين لا ثلاث لهما: –

 

الطريق الاول: –

ما وجه به صاحب الميزان قد. مضمون تلك الروايات بمؤدى لا تجتمع أمتي على خطأ (إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الامة، بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: أما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد. فيوافق مادل من الايات والروايات على أن دين الاسلام، لا يرتفع من الارض بل هو باق إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) (1). فعلى هذا تجتمع مع الروايات الواردة على افتراق الامة إلى ثلاثة وسبعين فرقة.


(1) الاية ” 89 ” سورة الانعام – 6 – (*)

[ 38 ]

الطريق الثاني: –

بيان أن الامة المقصود منها قوم بالخصوص، لا كل المسلمين إذ ورد عن أبي عبد الله عليه السلام فيما رواه أبو بصير: –

(قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من آل محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! قال ذريته. فقلت: أهل بيته ؟ !
قال: الائمة الاوصيأ. فقلت: من عترته ؟ !

قال: أصحاب العباء. فقلت: من أمته ؟ ! قال: المؤمنون الذين صدقوا بما جاء به من عند الله عزوجل، والمتمسكون بالثقلين اللذين أمروا بالتمسك بهما: كتاب الله عزوجل، وعترته أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهما الخليفتان على الامة بعده) (1).

وعلى هذين تخرج هذه المرويات عما استدلوا عليه أصلا.


(1) الشيخ الصدوق / معاني الاخبار / ص 94 (*).

[ 39 ]

المصدر الثالث: –

3 – العقل وغاية ما يمكن تصويره به أن الصحابة إذا بينوا أمرا وقطعوا به، فلابد أن يكون قطعهم راجعا إلى حجة شرعية، وكلما أزداد عددهم أزداد احتمال الاشتباه والخطأ عليهم بعدا. والتابعون بما أنهم أخذوا عنهم، فكلما اجتمعوا عليه فكذلك. وتابعوا التابعين كذلك. وهكذا. فيقرب من المستحيل، بل يستحيل عادة إلا يكونوا قد أدركوا الحكم الشرعي بهذا.

وهذا كما ترى. فيه:

أولا: المفروض أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أمر، وكذا الباقين فكيف إذا لم يكن ذلك، بل شذ عنهم من شذ.

ثانيا: إذا اجتمعوا اجتماعا نستكشف به رأي المعصوم، الواجب الاتباع فبها ونعمت، وسيكون حينئذ رأي المعصوم هو المتبع، ولا يكون الاجماع حينئذ دليلا قائما بذاته مقابل كل من الكتاب والسنة الشريفة.

ثالثا: إذا اجتمعوا وفرضنا بإننا لم نكتشف رأي المعصوم بهذا الاجتماع فسيكون قطعهم مهما كان قابلا للغفلة، أو الاشتباه، أو الغلط أو بعضها أو كلها مجتمعة، فكيف نقطع بحكمهم أنه هو الحكم الشرعي.

[ 40 ]

رابعا: ربما يكون هذا الاجماع قد أتى من مجرد عادة كانت عندهم، أو عقيدة طمست على أعينهم. بالاضافة إلى أن هذا كما ذكرنا سابقا يكون موردا للشك إذ ربما ميل إليه لاجل تصحيح ما حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة. ولذا اشترط المنطقيون في قبول الخبر المتواتر إلا يتطرق إليه احتمال اشتباه المخبرين، أو غلطهم في فهم الحادثة، أو تعمد الركون إلى أمر لتصحيح آخر دبر بليل. فلا تنفع حينئذ الاستفاضة ولا التواتر. ولذا لا يؤخذ بهما فيما استفاض أو تواتر عند الملل المنحرفة عندنا بأي حال من الاحوال.

ونقول أخيرا: – إن الحقائق الدينية لاي دين سماوي يكون طريقها الوحي الالهي. ولا يخرج الاسلام عن هذه الدائرة. والوحي فيه متمثل بالقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه. والقرآن كما لاحظنا، ونلاحظ أكد على حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وآله بمعناها الشامل، واشار أن لم يصرح بصورة واضحة إلى حجية سنة اهل البيت عليهم السلام كما بين ووضح واشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، فكانت عندنا حجية السنة بمعناها الاعم واضحة وضوحا لا مجال للشك فيه. ولا يعدو الاجماع عن ذلك.

[ 41 ]

فلابد من تصريح وتوضيح وبيان له ولحجيته. وإذا ألقينا السمع باصرين فلا يعدو الاجماع عن ان يكون بمنزلة (الخبر الواحد)، أو بمنزلة حكم الخبر الواحد. والخبر الواحد كما نعلم لا يفيد إلا ظنا. والظن لا يغني من الحق شيئا. فإذا قلنا أن الامامة من اصول الدين فالامر فيها واضح، إذ لا يكون – الظن – فيها حجة اصلا، لانها كما نعلم يجب أن تكون مستندة على امر وعلم قطعي، وهو ليس كذلك. وإذا قلنا أن الامامة فرع من فروع الدين فكذلك، وذلك لانه لا يكون الظن فيها حجة ما لم يقم دليل معتبر يبين حجية ذلك الظن بالخصوص من الكتاب والسنة كما قلنا أولا، أو بعد قبول حجية العقل أيضا عن طريقهما في هذه الامور، والعقل لا يقول بحجية الظن أصلا وخاصة في مثلها، إلا عند الانسداد والدليل موجود فلا إنسداد، ولا دليل معتبر على حجيته لا من الكتاب ولا من السنه، فالنتيجة تكون عدم حجية الاجماع باي حال من الاحوال.

ب – الشورى.

ج‍ – البيعة.

والكلام المتقدم كله أوجله يأتي فيهما فلا نعيد (1).

بقي شي: لو تنزلنا وقلنا بحجيتها وإن كان ذلك أشبه بالمستحيل لما بين أيدينا من أدلة قدمها القوم ويقدمونها لا تقوى على النهوض، وكأنهم بعملهم هذا يطرقون على حديد بارد، يريدون بذلك بعث الحياة فيه، وما هو بذي حياة، ولا هم بباعثين.


(1) وسيأتي زيادة توضيح في مطاوي البحوث التاليه. (*)

[ 42 ]

مصداقية الاجماع في حكومة الخلفاء:

– نقول مقدما أن الحكومة ثبتت في الدولة الاسلامية لكل من أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. ولم يحظ واحد منهم بنصيب من الاجماع إلا الاخير.

بيان ذلك: – إن أريد بالاجماع كثرة الناس في ذلك الوقت، فهذا ليس بحجة جزما مع وجود المخالف. وإن أريد بالاجماع، الاجماع الحاصل من أهل الحل والعقد كما هو المدعى فالمناقشة فيه ظاهرة وثابتة على المسلكين المعروفين، على المسلك الاول من المسلمين وهو الذي يقول بأنه لا حجة بالاجماع ما لم يحرز دخول المعصوم فيه، وهذا الاجماع خال من المعصوم فلا يكون حجة. وعلى المسلك الثاني أيضا، وذلك لان قوة حجية الاجماع مأخوذة من اجتماع أهل الحل والعقد من امة محمد صلى الله عليه وآله، وهذا – مع الاسف – لم يحصل لا للخليفة الاول لان اللبنة الاولى للخلافة أسست في سقيفة بني ساعدة
ولم يكن حاضرا فيها إلا مجموعة من الانصار ومجموعة أخرى من المهاجرين قد لا يتعدون أصابع اليد عددا (1)، أغلبهم لم يكن من أصحاب الحل والعقد، إن لم يكن كلهم. وأما أهل الحل والعقد من المسلمين فكانوا مشغولين بالنبي الكريم صلى الله


(1) وهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابى حذيفة. راجع كتب التاريخ والسير، ومنها شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد / ص 187 (*).

[ 43 ]

عليه وآله بالاتفاق، كعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن العباس والزبير بن العوام وطلحة، والمقداد بن أبي الاسود الدؤلي، وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وفروة بن عمرو، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، والبراد بن عازب، وقيس بن سعد بن عباده، وخزيمة بن ثابت، وبقية بني هاشم (1).

ومن الغريب أنهم قالوا للانصار على لسان عمر (من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أهله وعشيرته) (2).

ومن العجيب أنهم في ذلك اليوم تركوا النص الجلي في إمامة أمير المؤمنين علي وتشبثوا بنص آخر في حسم النزاع بينهم وبين الانصار، إذ بعد رد وبدل قال الانصار منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش. فسقط ما في أيدي الانصار، إذ قام عمرو أبو عبيدة وصفقا على يد أبي بكر وقالا: السلام عليك يا خليفة رسول الله. ولم يلحظ مدى صحة ذلك القول، المنسوب إليه صلى الله عليه وآله. ولا مدى دلالة ما
جاء عنه صلى الله عليه وآله على هؤلاء، أو أن المقصود
بهذا غير أولئك، وهم ما أتفق عليه القوم كل القوم بانهم إثنا عشر، وأنهم من أهل


(1) انظر مروج الذهب / ج 2 / ص 301، العقد الفريد / ج 4 / ص 259، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 208، الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 325، تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 103، تاريخ ابي الفداء / ج 2 / ص 63

(2) وهم قد منعوا ابنته ميراثها، ومنعوا سلطان محمد صلى الله عليه واله ابن عمه وعميد عشيرته وقومه. راجع ما قالوه وما فعلوه كتب التاريخ مثل كتاب الطبري / ج 7 / ص 198 الامامه والسياسه / ابن قتيبه النظام السياسي في الاسلام / احمد حسين يعقوب 126 – 133 (*)

[ 44 ]

البيت، وأن جلهم من نسل علي وفاطمة، كل هذا ضاع في غمرة لحظات تلك الساعة القصيبة والحرجة ليس في تاريخ المسلمين فحسب بل في تاريخ الانسانية كلها..
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (1).

فتم الامر على حين غفلة من أولى الحل والعقد، وعجلة من قوم آخرين. ولذا خرج سعد بن عبادة مغضبا. وإذا قيل أن من ذكرت بايعوا بعد ذلك. فلقائل أن يقول: ان منهم من لم يبايع حتى قتلته (الجن) كسعد بن عباده سيد الخزرج بل الانصار يومها. كما أن اتفاقهم بعد ذلك لا يمكن أن يكون حجة، وذلك لاحتمال الاجبار والاكراه، والمحافظة على بيضة الاسلام وكلمته. وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. والاكراه وارد على كل حال، وظاهر لمن تتبع تاريخيا أحداث تلك الايام.
ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في باب نبذ من أخبار عمر إن عمر هو الذي وطأ الامر لابي بكر، وقام فيه حتى أنه دفع في صدر المقداد، وكسر سيف الزبير، قال: –

(وعمر هو الذي شيد بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده، ودفع في صدر المقداد، ووطي في السقيفة سعد بن عبادة، وقال: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا، وحطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة عليها السلام


(1) الاية ” 25 ” سورة الانفال – 8 – (*)

[ 45 ]

من الهاشميين، وأخرجهم منها) (1).

وفي موضع ثان قال: أن الحباب بعد ما قال ما قال أخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب (2).

وقال غيره: – أنه نادى على سعد بغضب (أقتلوا سعدا، إنه منافق) (3).

وقد قام إليه قائلا (لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، أو تندر عيونك) (4).

وأخذ قيس بن سعد بلحية عمر قائلا (والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة) (5).

وعندما رفع الزبير يومها سيفه قائلا (لا أغمده حتى يبايع على). قال عمر: (عليكم الكلب). فؤخذ سيفه منه، عندما عثر، وضرب به الحجر، وكسر (6).

عندما بعث أبو بكر عمر وجماعة إلى من كان في بيت فاطمة الزهرأ بنت النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وقال له: (فإن أبوا فقاتلهم).
فأقبل الرجل بقبس من نار، يريد إحراق بيت النبوة، فصاحت عليه الزهراء فاطمة عليها السلام: (أجئت لتحرق دارنا ؟ !). قال: (نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة) (7).


(1) نهج البلاغة / شرح ابن ابي الحديد / ج 1 / ص 86 / نبذة من اخبار عمر.

(2) النهج / ج 2 / ص 129.

(3) ابن عبد ربه / العقد الفريد / ج 3 / ص 62، شرح النهج / ج 2 / ص 128

(4) نفس المصدرين السابقين

(5) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 210

(6) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 199.

(7) العقد الفريد / ج 3 / ص 63، ابن قتيبة / الامامة السياسة / ج 1 / ص 19، ابن ابى الحديد (*)

[ 46 ]

وفي رواية الطبري أنه قال: (لتخرجن إلى البيعة، أو لاحرقن على من فيها). فقيل له: (إن فيها فاطمة). قال: (وإن). فخرجت الزاهرأ عليها السلام بعدها وهي تنادي باعلى صوتها: –

(يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة ؟ !) (1).

وقد سيق الامام علي عليه السلام إلى المسجد، وقيل له: (بايع). فقال: (إن لم أفعل فمه ؟ !) فقال: (إذن والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك). قال: (إذن تقتلون عبد الله واخا رسو له) (2).

ولهذا وغيره كثير قالت أم مسطح بن أثاثة (3) وهي تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله.

قد كان بعدك انبأ وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (4)

(وقال البراء بن عازب:.. وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمرون بأحد


< – / ج 2 / ص 134. والشهرستانى في الملل والنحل بلفظ مقارب / ج 1 / ص 56 (1) الامامة والسياسة / ج 1 / ص 20، اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج 4 / ص 114 (2) نفس المصدر الاول السابق (3) وقد تنسب هذه الابيات بالاضافة الى غيرها الى الزهراء فاطمة عليها السلام كما في الاحتجاج / 1 (4) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 2 / ص 136، ابن سعد / الطبقات / ط دار الفكر / ج 2 / ص 332. (*).

[ 47 ]

إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عقلي.. فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعمارا، وهم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين) (1).


(1) شرح النهج / ابن ابي الحديد / ج / ص 106 وان كان في كلامه ونقله نحو تأمل، وذلك لان اعادة الامر شورى لا محل لها هنا اصلا، إذ لو رجعنا الى نص حديثه الذي يذكره هو بنفسه بعد ذلك في صفحة (184) فيقول فدعوني إليهم فاتيتهم، فوجدت المقداد بن الاسود.. ويذكرهم واحدا بعد واحد، وإذا بحذيقة يقول لهم ” والله ليكونن ما اخبرتكم به، والله ما كذبت ولا كذبت، ” فلو تأملت هذا القول ستري غرابة ” وإذا القوم يريدون ان يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين “، ويحتمل في هذه
الاضافة واحتمالين اما ان تكون قد جاءت من قبل الراوي، واضيفت الى كلام البراء أو انها جاءت تبرعا من الناقل نفسه، ولم يفهم حديثهم، فظن هذا الظن والا فمقتضي سياق الكلام ان حذيقة وبما انه من الاشخاص العارفين بالمنافقين وباسمائهم واشخاصهم، فلديه علم من المعصوم عليه السلام بما سيجري على هذه الامة بعد بيعة السقيفة، فاخبرهم بذلك، والقرينة على هذا قوله ما كذبت ولا كذبت فهذا يقتضى الاخبار لا الانشاء بحدوث امر معين هذا اولا، وثانيا قوله ثم قال: ائتوا ابي بن كعب، فقد علم ما علمت، قال فانطلقنا الى ابي، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب فقال: من انتم ؟ ! فكلمه المقداد، فقال ما حاجتكم ؟ ! فقال له: افتح عليك بابك فان الامر اعظم من ان يجري من وراء حجاب قال: ما انا بفاتح بابى، وقد عرفت ما جئتم له، كانكم اردتم النظر في هذا العقد. فقلنا: نعم فقال افيكم حذيقة ؟ ! فقلنا: نعم، قال: فالقول ما قال، وبالله ما افتح عنى بابي حتى يجرى على ما هي جارية، ولما يكون بعدها شر منها، والى الله المشتكي ” شرح النهج / ج 1 / ص 184 وهناك قرينة خارجية توضح هذا الامر بصورة جلية إذ بعد قتل عثمان، ومبايعة علي عليه السلام، خطب حذيقة هذا في الكوفة مع شدة مرضه ومن جملة ما قال ” فعليكم بتقوى الله وانصروا عليا وازروه، فوالله انه لعلى الحق اخرا واولا وانه لخير من مضى بعد نبيكم وخير من بقى الى يوم القيامة. ثم اطبق بيمينه على يساره ثم قال: اللهم اشهد اني قد بايعت (*)

[ 48 ]

وأما ما روي من طرق الخاصة فهو كثير. وقد كان بنو هاشم منشغلين بالنبي الكريم صلى الله عليه وآله، إذ مكث ثلاثة أيام لم يدفن. والقوم قد تلاقفوها تلاقف الكرة بيد الصبيان على حد وصية أبي سفيان لبني أمية أيام أن أتت إلى عثمان.
وبهذا لم يثبت الاجماع المدعى على حكومة الخليفة الاول (1).

وأما الثاني: فواضح فيه ذلك أكثر وذلك لانه قد تعين من قبله، فلا يكون ثمة إجماع. وأما الثالث: فالامر فيه كما في أخويه من قبل، لان الاجماع ما حصل، بل الذي حصل هو اجتماع ستة من المهاجرين قدتم تعيينهم مسبقا من قبل الحاكم الثاني، ودخلت الاهوأ في البين فضيعت على الامة فرصة النهوض تارة أخرى مع الاسف. وأما الرابع: فقد تم الامر له من قبل المهاجرين والانصار جميعا وسلموا له تسليما لولا هن وهن، فحدث ما حدث من سؤ تصرفات سابقة، وأمور لاحقة. نعم لا نقاش لنا مع من قال بانعقاد الخلافة لشخص بشخصين (2) إذ هذا لا يتعقل بدين كالاسلام، فضلا على أن ينظر فيه ويناقش. هذا هو حال الطريق الاول.


< – عليا ” والتفت الى ابنيه صفوان وسعد قائلا لهما ” احملاني وكونا معه فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا ان تستشهدا معه فانه والله على الحق ومن خالفه على الباطل “. راجع مروج الذهب / المسعودي / ج 3 / ص 65 – 66.

(1) راجع ” الاحتجاج ” للطبرسي مثلا لتجد ذلك واضحا ج 1 / ص 75 – 80.

(2) الاحكام السلطانيه / المارودى / ص 4. (*)

[ 49 ]

مصداقية الطريق الثاني: –

الشورى ما قام الاول، ولا الثاني بالشورى كما هو واضح وأما الثالث فحدث ما حدث من أمرها، ولم يكن بقية أهل الحل والعقد من حضارها.
ولا هم من عينوهم. فلا تكون شوراهم حجة حينئذ على مسلك من يقول بحجيتها. بل هذه الشورى صوريه، لا شكل لها ولا مضمون..

إذ كيف يجتمع قول من جعلها: – (إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش، على وعثمان وطلحة والزبير وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم) (1).

وقوله بعد ذلك لطلحة: (أما إني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد، والبأو (أي الكبرياء) الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب) (2).

وقد علق ابن أبي الحديد في شرحه على ذلك قائلا: (قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ لو قال لعمر قائل: انت قلت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الان لطلحة أنه مات ساخطا عليك للكلمة التي


(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 91.

(2) نفس المصدر السابق. (*).

[ 50 ]

قلتها ؟ ! لكان قد رماه بمشاقصه) (1).

وكذلك بين قوله الاول وبين أمره بقتلهم ؟ ! إذ أنه دعا أبا طلحة الانصاري، وقال له: (انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الانصار حاملي سيوفكم فخذ
هؤلاء النفر بامضأ الامر وتعجيله، واجمعهم في بيت، وقف باصحابك على باب البيت، ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن أتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وأن
اتفق أربعه وأبى إثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فأن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقها. وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لانفسهم) (2). وما هذا التقسيم ؟ ! ! وما وجه ترجيح عبد الرحمن وهو قد خاطبه قبل ذلك (ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الامر ؟ ! !) (3).

وكيف سيختار المسلمون لانفسهم ؟ ! إلى غيرها من الاستفسارات التي لا تجد جوابا أصلا لا في مسألة الشورى ونظريتها، ولا في أطروحة عدم التعيين. وانظر إلى قوله أولا (وقد رأيت أن اجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم). تجد العجب. هل جاء بذلك ملك كريم ؟ ! أم أنه أخذه عن رسول الله صلى الله عليه واله ؟ ! !


(1) نفس المصدر السابق / ص 92 (2) – (3) نفس المصدر السابق. (*).

[ 51 ]

أم ماذا ؟ ! ولا بأس بنقل خلاصة كلام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس). في أبطال مبدأ الشورى، حيث يذكر تلميذه السيد كاظم الحائري تلك الخلاصة بقوله: – (إننا لا نحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده، وذلك لانه لو كان صلى الله عليه وآله اعتمد
عليه، لكان على الرسول صلى الله عليه وآله أن يوضح هذا المبدأ، ولا يمكن أن يكتفي بهذه الاية – ويقصد بها
(وأمرهم شورى بينهم) (1) إذ لابد من إيضاح حدود الشورى وشرائطها. وما هو الحل فيما لو اختلف المتشاورون، فهل يؤخذ برأي الاكثرية ؟ ! أو برأي الثلة الواعية ولو كانوا أقلية ؟ ! وما هي شرائط المشتركين في عملية الادلاء بالارأ ؟ !.. وما إلى ذلك.. فهذه الامور وغيرها لم توضح للامة، بل إننا نرى أن فكرة الشورى لم تكن موجودة حتى عند أعمدة الخط السني وقتئذ (أبي بكر، وعمر) أنفسهم، فحينما حضرت الوفاة أبا بكر نراه أوصى بالخلافة – من بعده – إلى عمر بن الخطاب.

فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله قد أوضح للامة مبدأ الشورى، فمن عمل به، هل السنة أم الشيعة ؟ ! فالشيعة طريقهم واضح، والمسألة عندهم مسألة نص. وأما السنة، فهذا أبو بكر لم يعمل بشي من هذا القبيل، فقد عين عمر بن الخطاب. وكذا عمر بن الخطاب الذي كان قد ناقش في بيعة أبي بكر نفسه، حيث


(1) الاية ” 38 ” سورة الشورى – 42 – (*)

[ 52 ]

وصفها بأنها فلتة، ولم يعمل بهذا المبدأ عند ما حضرته الوفاة – أيضا – حيث حصر الامر في ستة أشخاص، وجعلها شورى بينهم فقط، ولم يجعلها شورى ضمن الامة كلها. إذن فمن الذي فهم فكرة الشورى وقتذاك ؟ فالشيعة لم يقولوا بها، والسنة لم يفهموها ولم يطبقوها حتى من قبل
أئمتهم) (1).

فلذا نرى لما تقدم مجانبة من عرف الدولة الاسلامية ببنود كان الخامس منها (إن الامة هي صاحبة الحق في السلطة، وتختار ولاة الامور عن طريق الشورى، واختيار الكفئ والاصلح قال تعالى:
(وأمرهم شورى بينهم) (2) (3).

ونضيف لما تقدم أن الخليفة نفسه لا يلتزم بمبدأ الشورى بعد قوله (لو ادركت ابا عبيدة باقيا استخلفته ووليته، ولو ادركت معاذ بن جبل استخلفته. ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته، ولو ادركت سالما مولى أبي حذيفة وليته.) (4).

بل لا يلتزم بما أخذ السلطة به من الانصار يوم السقيفة هو وصاحبه إذ في ذلك اليوم رفعا شعار (الائمة من قريش، نحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه


(1) السيد كاظم الحائري / امامة وقيادة المجتمع / ص 57.

(2) الاية ” 38 ” الشورى – 42 –

(3) كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه واله واهل بيته عليهم السلام / لجنة من مؤسسة البلاغ / ج 2 / ص 707 وفات اولئك بان تفسيرها لا يمكن ان يكون ذلك لاختلاف المصطلحات – بل مؤداه – بلسان العرب – هو مشاورة العقل، لا راى الاغلبيه كما هو المصطلح الان، هذا اولا وثانيا لو تنزلنا وقلنا بانه يؤدى الى راى الا غلبيه جدلا لبطل ما يذهبون إليه انفسهم من ترجيح ” النخبة ” ولا تقوم لهم بذلك قائمة ابدا.

(4) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 – 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذرى / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط. (*)

[ 53 ]

وآله، العرب لا ينبغي أن تولى هذا الامر إلا من كانت النبوة فيهم، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، نحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو
متورط في هلكة) (1). إذ شتان بين هذه الاقوال وبين قوله الاخير هذا – وحبل الكذب قصير – فسالم من الموالي، ولا يعرف له نسب في العرب. ومعاذ من الانصار. (فابتسم ألما وحسرة بينك وبين نفسك إذ ترى حجم المؤامرة). وخالد من بني مخزوم، وقد اسلم بعد اللتيا والتي فلعله يعد من الطبقة العاشرة من طبقات الصحابة وليست له سابقة في الاسلام. فأين بقية المهاجرين والانصار ؟ ! ! واين الشورى وغيرها ؟ !


(1) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 – 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذري / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط (*)

[ 54 ]

مصداقية الطريق الثالث: – البيعة ولما تقدم نرى أن البيعة لم تكن حاصلة إلا بالاكراه والاجبار أو المباغتة وعدم الروية، أو بعد ذلك حفاظا على بيضة الاسلام وكلمته فلا تكون تامة بأي حال من الاحوال. والبيعة كما تقدم لا يمكن أن تكون لازمة إلا إذا كان لها رصيدها الالهي وحجيتها، فإين حجية بيعة القوم ؟ ! ! من الكتاب أو السنة، أو العقل المويد بهما. وكل ما جمعوه استحسانات وتقولات. وبعد الرجوع لاحداث تلك الساعات والايام والسنين والتي نقلنا جزا يسيرا منها، لاختفأ اغلبه، لانه ضد السلطة، والتاريخ يكتبه المنتصر، ومع هذا ظهر هذا وغيره فنرى أن ما اسسوه وما سماه اللاحق بعد السابق يصح أن يخاطبوا بان هذه الامور كلها ماهي إلا اسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما انزل الله بها من
سلطان.

فالبيعة بما هي لا تكون حجة إلا إذا قامت على أسس شرعية صحيحة، وإلا لو تمت كما تمت لمروان بن الحكم بعد اتفاقه مع روح بن زنباع الذي كان معه أربعمائة رجل من حزام جعلهم يؤيدون ولده عبد العزيز بن مروان في تنصيبه لابيه (1)، هل تكون صحيحة مسلمة (2) ؟ ! !


(1) راجع الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ج 2 / ص 16 (2) وقال الشاعر: (*)

[ 55 ]

وأخيرا لنا وقفة مع: –

من قال: – أقل ما تنعقد به الامامة من أهل الحل والعقد خمسة يجتمعون على عقدها، أو يرضى أربعة منهم بما عقده الخامس منهم مستدلين على ذلك بأن بيعة أبي بكر تمت كذلك فقد بايعوه أولا خمسة، ثم تابع الناس ذلك (1).

أولا: نقول له من حدد هذا العدد ألله ورسوله ؟ ! فجعل به سلطة لفرد من الامة على آلاف الناس من الامة بل ملايينها.

وثانيا: الحكم حتى على مبنى من قال أن المصدر للتشريع هو الكتاب ثم السنة. لا يوجد هذا لا في كتاب الله ولا في سنته كما ذكرنا أولا، ؟ ؟ ؟ ؟ سنة الخلفاء أو غير الخلفاء لا يمكن أن تكون سنة مشرعة لنا، بأي حال من الاحوال، مع ما يلتزم القائل بهذا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس معصوما إلا في تبليغ الاحكام، كيف يقول بعصمة غيره ؟ ! وليس له أن يقول بأني لا أدعيها، فالالتزام بجعل تصرفه حجة ملزمة استنبط منها الحكم يجعله معصوما وهذا من موارد اختلاف النظرية عن التطبيق عند العامة كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا (المعايير العلمية لنقد الحديث).
وثالثا: لو قال بأنكم نسيتم المصدرين الاخرين وهما الاجماع والعقل فالاجماع مر ما فيه فراجع، وأما العقل فأي عقل يقصدون ؟ ! ! لا يمكن أن يساعد على ما ذكر بأي حال من الاحوال، لما تقدم. < –


لي الله قوما امروا ” خيط باطل ” * * على الناس يعطي من يشاء ويمنع لان مروان هذا كان يمسي ب‍ ” خيط باطل ” / راجع مروج الذهب للمسعودي.

(1) راجع / الاحكام السلطانية / المارودي / ص 4 (*)

[ 56 ]

وقال علماء من الكوفة: إنها تنعقد بثلاثة. ومع من قال من علماء الكوفة: بإنها تنعقد بثلاثة يتولا ها أحدهم برضا الاثنين ليكون ثمة حاكمان وشاهدان، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وأنت ترى ما في هذا كله. فعقد الولاية ليست كعقد النكاح. وحتى لو تنزلنا وقلنا هما واحد، فالنكاح متقوم ليس بالشاهدين ولا بالحاكم، بل هما يؤيدان رضى الطرفين وتلفظهما بهذا الرضا، واثبات ذلك.

فالولاية لو جعلناها كذلك، فليست هي متقومه، بالشاهدين ولا بمن يحكم بإن هذا أصبح متوليا وواليا، بل تقول ان
هؤلاء يؤيدون رضى الطرفين وتلفظهما بالولاية، وإثبات ذلك وهما هنا الامة والحاكم المنصوب. والامة لا يمكن أن تمثل بأي حال من الاحوال بعد دمعين لا باثنين ولا بثلاثة ولا بخمسة، كما هو واضح لكل من تدبر وتفكر، وخاصة لو عقدوا بلا مشاورة ولا مراجعة. إذ من جعل السلطة لاي عدد من الناس في جعل زمام أمور امة كاملة بيد فرد واحد ؟ !

ما هذا إلا افتراء.
من هذا نرى ما في قول من قال، من أنها تنعقد وإن لم تجتمع الامة، فلا يشترط في عقد الامامة الاجماع. والعجيب أنه أيضا يستدل بامامة أبي بكر وإنها لما عقدت ابتدر بإمضاء أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار. أو حتى من قال إنها لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضا عاما، والتسليم لامامته إجماعا.

[ 57 ]

لان هذا لم يحدث، ولن يحدث، لانه ما حدث عندما كان المجتمع قليلا فكيف يحدث والمجتمع بهذه السعة وبهذا العدد ! ؟ وكيف الامر سيكون لو بايعوه، ثم لم يرض به عدد منهم، أولم يرض به جلهم، أو لم يرض به كلهم ؟ ! ما هذا إلا أثارة فتن وعداوات وما هو إلا اختلاف كبير ولو كان من عند ألله لما وجدوا فيه اختلافا كبيرا. والعجيب أنهم يستدلون ببيعة أبي بكر وفيها: – أولا: إنها بحد ذاتها ليست حجة بأي حال من الاحوال.

ثانيا: أنها (فلتة) على حد تعبير الخليفة الثاني وعلى حد تعبير الاول كذلك، فعلى أي معنى حملنا (الفلتة) فلا يمكن أن تكون مقياسا للحكم. وذلك لانه إن كانت فلتة بمعنى إنها ليست ذات أسس صحيحة وليس لها رصيد إلهي فهي ساقطة من الجذور جزما. وإن كانت على رأي من دافع عن الحاكمية الاولى بمعنى المباغتة فكذلك لان ما كان حاله كذلك كيف يجعل مقياسا لاستنباط الاحكام الالهية.

وثالثا: إنها لم تثبت للخليفة الثاني كذلك.
ورابعا: إنها لم تكن باعتراف الخليفة الثاني أيضا لا من الله ولا من رسوله إذ قام وقال بصريح العبارة وواضحها: – (ايها الناس إني كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وآله) (1).

فالبيعة نعود ونكرر ونقول بإنها لا يمكن أن تكون حجة علينا أو على أي


(1) راجع سيرة ابن هشام / ح 4 / ص 311. (*)

[ 58 ]

مسلم ما لم تملك رصيدا إلهيا. كأن يكون وعلى أقل تقدير مثلا بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وقد رأيت فيما تقدم ما كان فيها من خدش.
(قل الله أذن لكم..) (1).

بل نفس أهل الحل والعقد من جعل لهم السلطة على هذا الامر ؟ ! ! وكما قلنا أولا بإن السلطة الحقيقية والاولى له سبحانه وتعالى ولا يمكن أن تترشح على أحد، ويدعيها أحد إلا منه وحده، فالذي يعطيها إياه فهو صاحب السلطة، وإلا فلا. وإذا جعل له سلطنة وسلطه في جعل السلطة والسلطنة لاي أحد كان الامر كما أفاد بحدودها التي يجعلها ويبينها هو، وإلا لتغيرت أحكام الله وقوانينه في البر والبحر. فلذا نقول بأنه لا يمكن أن يكون إجتماع أهل الحل والعقد حجة بأي حال من الاحوال ما لم يقم دليل واضح على حجيته. فتكون حينئذ سلطنتهم وسلطنته ثابتة ونافذة.


(1) الاية ” 59 ” سورة يونس – 10 – (*)

[ 59 ]

الاطروحة الثانية: –

 

الامامة لا تثبت إلا بالتعيين نقول مقدما: –

 

أضرار عدم التعيين وإشكالاته: –

أولا: لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وهو العظيم في خلقه وخلقه أن يترك الانصار بعد وفاته عرضة لقريش واحقادها، ولقمة سهلة لمن وتربهم حينما أقاموا صرح الاسلام وشيدوه، إذا قام الموتورون أنفسهم بالامر من بعده، ووصلوا إليه، إن لم يعين فيكون بذلك خاذلا لمن نصره وأيده أول الامر – وحاشاه أن يكون كذلك -.

(روى أبو بكر (أحمد بن عبد العزيز الجوهري) قال: أخبرنا أحمد بن إسحق بن صالح: قال حدثنا عبد الله بن عمر، عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت الانصار إلى سعد بن عباده، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيده، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير. إنا والله ما ننفس (أي نحسد) هذا الامر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبنائهم وآبائهم، وإخوانهم). فقال عمر بن الخطاب: (إذا كان ذلك قمت إن استطعت..).

قلت: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر بن محمد العلوي الحسيني المعروف

[ 60 ]

بابن أبي زيد نقيب البصرة في سنة عشر وستمائة من كتاب السقيفة لاحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: –

(لقد صدقت فراسة الحباب، فإن الذي وقع يوم الحرة، وأخذ من الانصار ثأر
المشركين يوم بدر) (1).

ثانيا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله ولا ينبغي له أن يترك آله وذريته، عرضة لاطماع الطامعين والموتورين كذلك. ولذا أتم ابن أبي الحديد المعتزلي نقله بقوله: – (ثم قال لي: – ومن هذا خاف رسول الله صلى الله عليه وآله على ذريته وأهله، فإنه كان عليه السلام – وآله – قد وتر الناس وعلم إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فمازال يعزز لابن عمه قاعدة الامر من بعده، حفظا لدمه ودمأ أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الامر كانت دماؤهم اقرب إلى الصيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضأ والقدر (2).

وكان من الامر ما كان. ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت.) (3).

ثالثا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله أن يترك ابن عمه، وناصره في المواطن كلها لهذا الخطر العظيم. (قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ.


(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 184 – 185

(2) تمعن في عبارته، لتجد الحق واهله.. لم لم يساعده القضاء والقدر ؟ ! هذا من عجائب الامر وغرائبه.

(3) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 185. (*).

[ 61 ]

قال: نقلت من خط الصولي قال: الجاحظ… (ولست ألوم العرب، لا سيما قريشا في بغضها له (1)، وانحرافها عنه، فإنه
وترها، وسفك دمأها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب واكبادها كما تعلم. وليس الاسلام بمانع من بقأ الاحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عيانا، والناس كالناس الاول، والطبائع واحدة. فاحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم وقد قتل واحد من المسلمين ابنك واخاك، ثم اسلمت أكان اسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنانه ؟ ! ! كلا. إن ذلك لغير ذاهب، هذا إذا كان الاسلام صحيحا، والعقيدة محققة، لا كأسلام كثير من العرب، فبعضهم أسلم تقليدا، وبعضهم للطمع والكسب وبعضهم خوفا من السيف، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الاسلام واعدائه. وأعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه وآله بسيف علي عليه السلام وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته صلى الله عليه وآله عصبت تلك الدمأ بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده، لانه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدمأ إلا بعلي وحده.

وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدمأ القاتل، فإن مات، أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت بها أمثل الناس من أهله) (2).

فإذا علم ذلك الجاحظ أجهله رسول الله صلى الله عليه وآله ! ؟


(1) يقصد بذلك عليا عليه السلام.

(2) المصدر السابق / المجلد الرابع / ص 130 – 131. (*)

[ 62 ]

ولذا لا نعجب من سؤال ابن أبي الحديد حيث يقول: –

(سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إني لاعجب من علي عليه
السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وكيف ما اغتيل، وفتك به في جوف منزله، مع تلظي الاكباد عليه ؟ ! فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الارض لقتل. ولكنه أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الاول، وذلك الشعار ونسي السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في الارض، أو راهبا في الجبال. ولما أطاع القوم الذين ولوا الامر، – ويصعب علي أن أنقل كلمته ولكن أذكرها لابين مدى الجرأة منهم على الله ورسوله وأوليأه – وصار أذل لهم من الحذأ (1) تركوه وسكتوا عنه. ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الامر، وباطن في السر منه. فلما لم يكن لولاة الامر باعث وداع إلى قتله وقع الامساك عنه. ولولا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين).

وهم كادوا يفعلون ولما، فها هو يتم حديثه قائلا (فقلت له: أحق ما يقال في حديث خالد ؟ ! فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك.

ثم قال: وقد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأل


(1) وقد نقل هذه العبارة مع ضخامة وقعها على السمع والفؤاد والروح والجسد ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بلا تعليق أو تعقيب مع انه يرد ابسط الكلمات ويوجهها إذا اتت موجهة للخلفاء، وقد نقلتها لرد اولئك الذين يدعون ان ابن ابى الحديد المعتزلي من الشيعة فهذا اوضح دليل وانصعه، لانه لو كان من شيعته لما نقلها، وإذا فعل لعلق بما يشفي الغليل. (*).

[ 63 ]

عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم، نحو الكلام والفعل الكثير والحدث. فقال: إنه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال..) (1).

فبناء على ذلك نستبعد من شخص كريم، كرسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك من نصره وآواه على وجه العموم، وأهل بيته بالخصوص، وأقرب الناس إليه بالاخص غرضا لكل تلك الدواهي العظيمة.. فهيهات ثم هيهات. رابعا: أكان حرص أبي بكر على الاسلام أشد من حرص رسول الله صلى عليه وآله (أحضر أبو بكر عثمان – وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهدا، وقال: –

أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (وهو اسم أبي بكر واسم أبيه) إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه.. وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب. وأفاق أبو بكر، فقال: اقرأ. فقرأه، فكبر أبو بكر، وسر. وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي !

قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله.

ثم أتم العهد. وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم.) (2).

فإذا خاف أن يختلف الناس إن مات في غشيته، فكيف لا يخاف رسول الله


(1) شرح النهج / المجلد الرابع / ص 131

(2) راجع كتب الاخبار والسير ومنها / شرح النهج / ج 1 / ص 82، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 429، سيرة عمر / ابن الجوزى / ص 37، تاريخ ابن خلدون / ج 2 / ص 120 (*).

[ 64 ]

صلى الله عليه وآله، وهو أولى بذلك. وأقف أخيرا مذهولا، وأزداد تعجبا ممن لا يقر بالنص وهو يقرأ هذا في التاريخ ! ! !

أكان أبو بكر أوعى من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أم كان أحرص على إلا يختلف الناس ؟ !

أم كانت الشورى واضحة لدى الخليفة، ولم يعرها أي أهمية، ونصب عمر على المسلمين فخالف الله ورسوله بذلك ؟ !

ثم لاحظ عبد الله بن عمر حين دخل على أبيه وهو يلفظ انفاسه الاخيرة قائلا له: –

(يا أمير المؤمنين، استخلف على امة محمد، فإنه لو جائك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه ولا راعي لها للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة ؟ !

فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ؟ !) (1).

أتراه وضح له من الامر ما لم يتضح لنبي الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أو لاحظ قول عائشة قبل ذلك حين خاطبت عبد الله بن عمر هذا (يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، إستخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني اخشى عليهم الفتنة) (2).

فلاحظ قولها ولا تدعهم بعدك هملا.. وقولها فإني اخشى عليهم الفتنة. فهل الرسول صلى الله عليه وآله يا أم المؤمنين – ويا – مؤمنون – ويا – عقلا – قد ترك امته بعده هملا..


(1) الامامة والسياسة / ص 23، تاريخ الطبري / ص 34، مروج الذهب للمسعودي / ج 2 / ص 353.
(2) المصدر السابق نفسه (*)

[ 65 ]

وهل لم يخش عليهم الفتنة.. مالكم كيف تحكمون ؟ ! وهل ينادي الرسول – صلى الله عليه وآله – من بعد – وحاشاه ثم حاشاه – مثل ما نادى خليفة خليفة المسلمين وآخذ الامور من بعده عمر بن الخطاب (كل الناس افقه منك يا عمر حتى المحجلات في البيوت.) ؟ !

خامسا: إن كتب التاريخ والسير تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما ترك المدينة في أيام حياته يوما، إلا وعين فيها واليا عليها من قبله، حتى يرجع، فكيف يتركها بلا تعيين من عنده، وهو يعلم بأنه سيفارق الدنيا. سادسا: الناس العاديون حتى البسطأ منهم يفعلون ذلك، فضلا عن القادة والملوك والرؤسأ، فكيف مالا يخفى على
هؤلاء خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائد النبيه، وبالاخص أن الامة لم تنضج بعد. سابعا: الامبراطورية الكسروية من جهة، والامبراطورية القيصرية من جهة ثانية وهما أقوى قوتين في عالم ذاك اليوم تراقبان بقلق كل ما يجري في الجزيرة العربية، كيف يترك القائد المحنك امته الفتية لسبب مهم للانقسام والفرقة مع وجود هاتين القوتين الضاربتين، مع وجود الاعوان لهم من الداخل المتمثلين بالمنافقين، وهي فرصة عظيمة للدخول في هذا الامر الخطير والتأثير على مجريات أحداث المنطقة كلها.

 

 

فهرس الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *