أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة العقائد الإسلامية » الإمامة والحكومة في الإسلام

الإمامة والحكومة في الإسلام

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 67 ]

دواعي التعيين

[ 69 ]

دواعي التعيين: –

كل ما مر عليك سابقا يستدعي التعيين، مع الحفاظ على كلمة الامة الفتية، وعدم نضوجها لاختيار القائد من بينها، وعدم توضيح الامر لهم وخصوصياته لا من سابق ولا من لاحق كما عرفت. وعدم ترك أي سبب للانقسام حتى وإن كان بسيطا في مجتمع لا زالت العصبية تلعب دورا مهما فيه، ووجود المنافقين والذين يتربصون الدوائر به. وكما هو ديدن العقلا في التعيين، والشارع رأسهم وأميرهم. ولذا حتى اعمدة الفكر الامني قد أقر بهذا ومنهم ابن خلدون حيث يقول (أن الامام ينظر للناس في حال حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته.) (1).

فهل هذه الخصوصية لكل نبي الائمة، وإمام الانبياء ؟ ! مالكم كيف تحكمون ؟ !

وكما هو مقتضى كون الرسالة هي الرسالة الخاتمة، كما سيمر عليك. أو يشك فضلا على أن يقطع وحتى أن يظن بان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يعين ؟ ! !

(فإذا قال المسلمون أنه لم يعين المرجع من بعده، ولم يحدد من الذي سيقوم بوظائفه، ولا حدد من سيبين للناس أحكام العقيدة، ولامن الذي يحدد لهم دائرة


(1) ابن خلدون المقدمة (*).

[ 70 ]

الشرعية والمشروعية، ولا بين من هو ولي الامة من بعده، ولا من هو ركن مجدها القائم مقامه، ولا من هو ثقلها، ولا من هو مثلها الاعلى ولا من هو الذي سيقود معركة تحرير البشرية وإنقاذها. فإذا قال المسلمون ذلك، فإن قولهم هذا يناقض كمال الدين وتمام النعمة، لان
هذه الامور من صلب الدين ومن صميم النعمة، ومن المحال أن تغفلها العقيدة الالهية، ثم أنهم لو اصروا على ذلك لوجدوا أن العقيدة الالهية تتحدى إصرارهم هذا وتعيبه ولا تقره، وان هذا الاصرار يتعارض مع المنطق، والعقل، واساسيات الحياة، فضلا عن تناقضه الصارخ مع قواعد العقيدة الالهية.) (1) التعيين: – الذي يمكن أن نستشف منه التعيين أمران: – الاول منهما: كلي له مصاديق كثيرة، قد لا يتحقق في بعض موارده إلا بمصداق واحد، وقد يذكر هذا المصداق في موارد أخر، وسنتعرض لبعضها على سعة المجال. والثاني: واقعة واحدة قد تكون نافعة في المقام عند بعض. ونقدم الحديث عن الواقعة الثانية أولا.


(1) نظرية عدالة الصحابة / احمد حسين يعقوب / ص 158 (*).

[ 71 ]

الواقعة اليتيمة في التعيين على الخليفة الاول: – وهو المورد الاول: – فأمر النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بالصلاة بالمسلمين عندما اشتد به المرض، وجعله بذلك إماما في الصلاة يقتضي هذا الامر وهذا الفعل تقديمه على كافة المسلمين بمقدمة مفادها أن المقدم فيها مقدم في غيرها. فهل هذه الواقعة أولا ومقدماتها ثانيا ونتائجها ثالثا تتحمل الصمود أمام ما يأتيها من نقاش وتبقى على ثباتها، أم يكون حالها حال رماد اشتدت به الريح، لاقرار لها ولا اعتبار ؟ ! ! !

والمناقشة تتم من وجوه: –

1 – في نفس الواقعة

2 – في مقدمات ما جعلوه نصا.

3 – في النتائج بالاضافة إلى المقدمة.

4 – في الكل كمجموع. إن ذلك لو كان تاما فهو نص منه صلى الله عليه وآله، ولو كان كذلك لاحتج به هو نفسه وأنصاره يوم السقيفة فيما احتجوا به على الانصار. فكيف ما لم يكن حجة عندهم وعند الصحابة نجعله حجة وأصلا نبني عليه.

3 – في النتائج: – التقديم حتى لو ثبت فهو لا يعني شيئا، وإلا لو كان يعني لكان صهيب الرومي أولى من الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب لاختيار من يلي المسلمين، لانه عين صهيبا ليصلي بالناس.

2 – في مقدمات الاستدلال: –

إن التقديم في الصلاة لا يعني أنه مقدم في غيرها، ولا في الامامة بالخصوص أصلا وذلك: –

[ 72 ]

ألف – لان الصلاة أمر خاص، والامامة أمر عام، وما يدل على الخاص لا يمكن أن يدل على العام بأي وجه من الوجوه. ب – على مذهب القائل والمائل لهذا الرأي يجوز تقديم الفاسق في الصلاة جزما إذا كان يحسن القرأة، ولا يشترط العدالة فيها. أما من جهة الامامة فقد قام الاجماع على اشتراط العدالة في الامام بحيث لو فسق وجب على الامة عزله. فإذا كان كذلك بطل ما بنوا عليه الاستدلال من أن، كل مقدم في الصلاة مقدم في غيرها.
لانه قد يتقدم من كان حاله الفسق فلا يتم الاستدلال.

1 – في نفس الواقعة: – هذا التقديم باطل عند الكل، لانه قد وردت روايات عند الخاصة والعامة توضح بإن ذلك لم يكن بامر من الرسول صلى الله عليه وآله. فإذا لم يكن منه صلى الله عليه وآله بطل الاستدلال من أصله. وأما من يدعي أن ذلك حصل بامر منه صلى الله عليه وآله فيمكن المناقشة بدعواه لما يلي: –

أولا: إن ما جاء به بلال من الامر لم يكن مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان بواسطة. ولم يعلم مدى صدق الواسطة بذلك، مع وجود لغط في كذبها، وهي – أي الواسطة – لم تكن معصومة باي حال من الاحوال، وإذا وجد احتمال ذلك لم تبق حجة في هذا الاخبار أصلا.

بالاضافة إلى أن خروجه صلى الله عليه وآله وهو على تلك الحالة من المرض، وتنحيته لابي بكر من الصلاة، وصلاته هو بالناس يدل على ذلك بصورة واضحة جدا، هذا ثانيا.

[ 73 ]

وثالثا: إذا كان الامر منه صلى الله عليه وآله، فكيف خرج ونحاه وأتم الصلاة بنفسه الشريفة على ما اتفق روايته من الجميع، وما هما إلا عملان ينقض أحدهما الاخر، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل ذلك.

ورابعا: لو ثبت ما قلتم أولا لثبت النسخ أخيرا، إذ أن تنحيته عن ذلك بمنزلة نسخه لذلك الامر الاول.

وأخيرا نقول: –

لو كان أمر إمامة الصلاة صالحا للدلالة على الامامة، لصلح أمر إمرة الجيش المبعوث – إمام الصلاة – فيه في الحملة الاخيرة بطريق أولى وأوضح، فهو تابع لا متبوع، فإذا تقدم هو تقدم ذاك عليه، لانه من مجموعته وهو الذي يعين من يتقدم بالصلاة ممن يتأخر. فكان من نصب أميرا جزما على من نصب لامامة الصلاة فقط أولى بالامامة قطعا، لانه أحد جنوده بامر صريح منه صلى الله عليه وآله.

وبذا يكون اسامة بن زيد أولى بالامامة من أبي بكر أو أي فرد في حملته، فبهذا نرى بطلان هذا التقديم. لانه إما غير واقع أصلا، أو قد وقع إلا أنه لا يصلح أبدا لانه خاص والامامة أمر عام، أولا يدل على مزية، ولو كان ذا مزية فمزية الامر تقتضي التقديم على الجندي، أو أنه قد نسخ.

وهذا الامر لما فيه لا يناسب أهمية التعيين وعظمته، فيسقط من الاعتبار. ولا يدفع كثيرا من مضار عدم التعيين التي سبق وذكرناها خاصة مع وجود قول غيره أوضح منه وأقرب.

[ 74 ]

المورد الثاني: – الذي هو كلي له مصاديق كثيرة، بعضها صريح في ذلك، وبعضها يستشف منها ذلك، وبعضها كلي والذي صرح به أحد المصاديق، وبعضها على شخص ذلك المصداق تنطبق أنطباقا، ولو لم يكن كل واحد منها دليلا قائما بنفسه، فعلى الاقل بعضها، ولو لم يكن هذا البعض كذلك فمجموعها يولد الاطمئنان بل الجزم بهذا الامر. النص في شريعتنا له طريقان لا ثالث لهما: –

1 – الكتاب.

2 – السنة.

ونتعرض لذلك بحسب خطة الكتاب، وهو مطلب دقيق لا يمكن استيعابه بصورة شاملة وتامة، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العقائد المطولة، وبالمناظرات التاريخية المنقولة

[ 75 ]

الدليل الاول: – الكتاب الكريم

بما أن الحاكمية لها طرفان طرف مرتبط بالحاكم ذي السلطة، وطرف مرتبط بالمحكوم. فيكون في الطرف الاول سلطه وسلطنة الحاكم التي معناها ولاية الحاكم على المحكوم، وإلا لما استطاع الحاكم أن يحكم الطرف الثاني فيصدر حكمه عليه أوله ولا أن ينفذ حكمه فيه.

وهذا واضح لا لبس فيه. ومقابل هذا حتى يجري ما قرر الحاكم وينفذ يجب أن يكون هناك خضوع لتلك السلطة والسلطنة من الطرف الثاني وهذا ما يسمي بالاطاعة. فمن جانب هناك ولاية، ومن الجانب الاخر تكون إطاعة، ليتم الامر، وتجري الامور بالشكل المطلوب.

وإذا أردنا أن نتبع كتاب الله المجيد لنجد هذه النقطة المهمة فيه، لرأينا آياته موافقة لحكم العقل الذي اثبت خالقية الباري عزوجل، وافتقار الممكن له، فثبتت سلطنته عليه باجلى صور السلطة والسلطنة، وهذا يظهر في الامور التكوينية باتم صورة واوضحها.

قال تعالى: – (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو

[ 76 ]

كرها قالتا أتينا طائعين) (1).

فالسلطة الحقيقية، وأولا وبالذات له سبحانه وتعالى كما كررنا ذلك مرارا. إلا أنه لو أرادها لاحد فمقتضى سلطنته ونفوذها أنها تثبت له بالحدود التي حددها هو سبحانه وتعالى. فهل أشار القرآن الكريم إلى غير الباري عزوجل بهذا الامر الخطير ؟ !

لو تتبعنا آياته كاملة لرأينا أن ذلك ثابت لاشخاص معينين بأوضح صور التعيين وأدقها.

ألف – الرسل والانبياء.

ب – الرسول الكريم صلى الله عليه وآله بالتعيين.

وعن هذه الصورة التي نبحث عنها بالخصوص يتجلى الامر واضحا للنبي الكريم صلى الله عليه وآله الطرف الاول قال تعالى فيه: –
(النبي أوى بالمؤمنين من أنفسهم..) (2).

فثبتت له هذه الولاية وهي الطرف الاول..

أما الطرف الثاني الذي هو الاطاعة فقد برز في كثير من آياته منها قوله تعالى:
(واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) (3).

ومنها (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول..) (4).

إلى ما شاء الله من الايات الكثيرة التي تبين بعضها أن إطاعته إطاعته قال تعالى:
(من يطع الرسول فقد أطاع الله) (5).


(1) الاية ” 11 ” سورة فصلت – 41 –

(2) الاية ” 6 ” سورة الاحزاب – 33 –

(3) الاية ” 132 ” سورة ال عمران – 3 –

(4) الاية ” 33 ” سورة محمد – 47 –

(5) الاية ” 80 ” سورة النساء – 4 – (*).

[ 77 ]

فهل هذان الجانبان موجودان لاحد غيره.. ومن عجيب المقادير، ودقة الخلق، واتقان الامر،
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1).

نرى أن ذلك لم يثبت إلا لبعضهم باعلى مراتب الاثبات وانصعها.. فولايتهم
جاء إثباتها وقد حصرت مع ولاية الله ورسوله باداة حصر، فلا ولاية لاحد بهذه السعة إلا للمحصورين بها، وقد أوضح ذلك الطرف الاخر الذي تذكر فيه الطاعة وقد جائت كذلك مقرونة مع إطاعة الله ورسوله فانظره وتفكر واغتنم.

قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

وإنما في لغة العرب تفيد الحصر، فنستفيد منها حصر الولاية بالله وبرسوله وبالذين آمنوا الذين لهم صفة خاصة قد وضحت وقد تعينت بالروايات المتضافرة أن لم تكن المتواترة بإنها مخصوصة بأفراد معينين، وجاء ذلك وله الحمد من طرق الفريقين. ولو أدعيت لاحد، فعلينا أن نبحث عن الطرف الاخر هل هو ثابت له من الكتاب المجيد، فإن وجد فالامر تام وإلا تبقى الدعوى لا رصيد لها ولا بقاء، تحتاج إلى تصريح من صاحب السلطة والسلطنة الحقيقية.
فليس لاحد على أحد سلطه وسلطنة، وخاصة بهذه القوة إلا لمن قام الدليل القطعي عليه، وتمت الحجة على الناس به.

فهل الاطاعة موجودة لاحد أدعى تلك المنزلة، وكان مصداقا للاية ؟ !


(1) الاية ” 82 ” سورة النساء – 4 – (*)

[ 78 ]

لو تتبعنا القرآن الكريم لشاهدنا أن الاطاعة قد وردت فيه لكل من: –

1 – الباري عزوجل. وهذا لا حديث فيه.

2 – الرسل والانبياء. وهذا قد تم.

3 – رسولنا بالخصوص. وهو قد ثبت.

4 – إطاعة الشيطان، والسادات. الخ وهو ما عاب عليهم الله به.

5 – إطاعة الزوجة لزوجها.

قال تعالى: – (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللا تي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) (1).

فهي مخصوصة في النسأ فقط، وليس كلهن بل النساء المتزوجات فالمورد خارج عن الحديث هذا أولا.

ولدفع كثير من الالتباس والشبه نقول إن الطاعة هنا ليست مطلقة، بل جائت مقابل النشوز، فهي مخصصة المورد بلا ريب ولا شك. فإن اطعنكم في عدم النشوز فلا تبغوا عليهن سبيلا. والنشوز وعدمه قد بين في كتب الفقه بالمقدار الذي يعرفه كل مسلم تقريبا وعدمه التمكين.
فالاطاعة ليست مطلقة على كل حال. وهذه المنزلة بينها الباري عزوجل بهذا المقدار لاهميتها.


(1) الاية ” 34 ” سورة النساء – 4 – (*)

[ 79 ]

ولاهمية البيت الاسلامي وتمشية أموره أمر بها، لكن بحدود عدم النشوز وقد ثبت بمالا مجال للشك فيه أن الاطاعة ليست مطلقة. فهذا بهذا يخرج من حديثنا لمحدوديته ولان الطرف الاول فيه عليه محدد بحدود قد بينته الروايات، ولم يشر إليه في كتاب الله المجيد، وقد ذكرناه دفعا للشبهة، ورفع اللبس، دفعا لمن يقول بإن الاطاعة قد وردت لغير من ذكرت.

 

6 – إطاعة قوم معينين:

قال تعالى: – (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم..) (1).

أولا نقول بدأ الباري عزوجل هذه الاية المباركة بخطاب الذين آمنوا وهو مزيد اعتناء بالامر الذي سيصدر.

وثانيا تنبيه على أن إطاعة ذلك الامر هو من صفات الذين آمنوا.

وثالثا: إذا لاحظنا الاية المباركة لشاهدنا، إن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة أخرى، ولو كانت إطاعة الله وبجانبها إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله فقط لما كان ذلك مستغربا، إذ ورد ذلك في كثير من آياته، إلا أن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة الرسول منظمة لها إطاعة قوم آخرين.

وإطاعة الله معلومة وهو صاحب الحق الازلي. وإطاعة رسوله ثابتة ومفصلة وهي مترشحة منها. فتكون إطاعة أولئك أيضا بهذه القوة.
وقد تعرضنا في كتابنا (المدخل إلى سنن التاريخ في القران الكريم) لتفصيل ما تؤدي إليه هذه الاية المباركة من الاطاعة المطلقة لله ولرسوله ولاولي الامر.


(1) الاية ” 59 ” النساء – 4 – (*)

[ 80 ]

وبما أن الله سبحانه وتعالى قد أمر الذين آمنوا بذلك مطلقا، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الرسول محض نور وأولوا الامر نورا مثله كذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كانوا معصومين. فباضافة هذا إلى ذاك نعلم من أن الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، والذين حصر الباري عزوجل ولاية المؤمنين بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وبهم، ما هم إلا أولوا الامر الذين أمر الذين آمنوا أن يطيعوهم كما يطيعون الله ورسوله.

وبهذا تكتمل الصورة، الطرف الاول الولاية لهؤلاء والاخر الاطاعة لهم.

ولو تتبعنا تفاسير المسلمين قاطبة وأسباب النزول لعلمنا من هم أولئك القوم.
بالاضافة إلى ورود سنة متظافرة من رسول الله صلى الله عليه وآله إن لم تكن متواترة
توضح هذه الولاية بصورة أوضح واصرح، بظروف مناسبة لذلك جدا، وبهذا يتبين أنه حتى لو
وجدت تفاسير أخر لقوم آخرين ستكون محكومة بالخيبة والكذب، لتوافق الكتاب في أكثر من
مورد، مع الروايات لكلا الطرفين وهما ما اجتمعا عليه على أن ذلك لهؤلاءء وليس لاولئك، وقد تمت الحجة.

ومن هنا نرى وضوح يوم الغدير وضوحا تاما. وقد ذكر المفسرون وعلماء الفريقين أن هاتين الايتين المباركتين آية الولاية الاطاعة نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى أنه نقل الاجماع من بعضهم في ذلك كالقوشجي في مبحث الامامة من كتاب شرح التجريد (1).


(1) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغى. وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين زادوا هدى اخيرا فاتبعوا الصراط المستقيم فنطق بالحق وبه جاء (*).

[ 81 ]

وكذا قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك..) (1)

وقوله تعالى بعد ذلك بعد ادائه التبليغ في يوم الغدير العظيم
(اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.) (2).

ولو استقصينا الايات الواردة في آل البيت عليهم السلام، وفي علي بالخصوص التي تدل على مرجعيتهم وإمامتهم للمسلمين والمؤمنين لرأيناها كثيرة، ومن أراد الاستزادة فعليه بالمطولات (3)


(1) و (2) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغي. وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين.

(3) قد اقتصرنا هنا على الاكثر ظهورا ووضوحا في الحاكميه والامامة. (*).

[ 82 ]

الدليل الثاني: – السنة

جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث الثقلين ويعني بهما الكتاب الكريم وأهل بيت النبوة عليهم السلام في أكثر من طريق، وبعدة صيغ، من كلا الطرفين بحيث لا يشك المتتبع لما رواه الفريقان من أن هذا قد صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يكن تواترا لفظيا فهو متواتر تواترا معنويا عند كلا
الطرفين بلا ريب ولا شك. فقد جاء عنه صلى الله عليه وآله:

(يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) (1).

وقد روي عنه صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي. ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ !) (2).

فهنا إخبار وتأييد بعدم الضلال بالاخذ بهما، واخبار وتأييد بعدم افتراقهما، فكما علمنا عصمة القرآن الكريم يقتضي بهذا عصمة عترته أهل بيته أيضا مطلقا،


(1) صحيح الترمذي / باب مناقب اهل بيت النبي صلى الله عليه واله / ج 13 / ص 199

(2) المصدر السابق / ص 201، اسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الاثير في ترجمة الامام الحسن عليه السلام، الدر المنثور / السيوطي / في تفسير اية المودة (*)

[ 83 ]

وإلا لافترقا في موارد عدم العصمة، وما صدق حينئذ كلام الرسول صلى الله عليه وآله وهذا ما لا يقوله مسلم، هذا أولا وثانيا يريد أن يبين أن الذي يأخذ بالقرآن بالصورة الصحيحة لابد أن يرجع لاهل البيت عليهم السلام، وإلا لا يكون رجوعه الاول رجوعا للقرآن الكريم وذلك لعدم أفتراقهما واقرب مثال لذلك الصلاة، فالله تعالى يقول
(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فعندما يصلي الانسان ولا تنهاه صلاته عن الفحشأ والمنكر يعلم جزما بإن صلاته ليست بتامة، بل وجودها كعدمها لان الله سبحانه وتعالى أكد في كتابه الكريم بأنها تنهى عن الفحشأ والمنكر والخارج ليس كذلك فيعلم من عدم وجود التالي عدم وجود
المقدم.

ومثله ورد في مكان آخر: –

(إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ ! فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1).

وقد ورد الحديث بصيغة الامر كذلك: (إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. وأهل بيتي) (2).

كما جاء بألفاظ مقاربة لهذه (3).


(1) مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 109.

(2) صحيح مسلم / باب فضائل علي بن ابى طالب. مسند احمد / ج 4 / ص 366. سنن البيهقي / ج 2 / ص 148، ج 7 / ص 30 سنن الدارمي / ج 2 / ص 431

(3) مسند احمد في اكثر من مورد واحد ج 4 / ص 371، ص 467 (*).

[ 84 ]

وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله أيضا (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى..) (1).

وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (2).

وقد ذكر الثعلبي في تفسيره باسناده في تفسير قوله تعالى (يوم ندعو كل


< – وكذلك ج 5 / ص 181 حلية الاولياء / ج 1 / ص 355، ج 9 / ص 64 مشكل الاثار / الطحاوي / ج 4 ص 368
اسد الغابة / ج 3 / ص 147 تاريخ بغداد / ج 8 / ص 442 كنز العمال / ج 1 / ص 48 مجمع الزوائد / الهيثمي / ج 1 / ص 163 – 164.

(1) مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 343 الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 186 المعجم الكبير / الطبراني / ج 12 / ص 27 (2) مسند احمد / ج 4 / ص 96 صحيح مسلم شرح النووي / ج 12 / ص 440 صحيح البخاري / ج 5 / ص 13 باب الفتن، المعجم الكبير / الطبراني / ج 19 / ص 388 الحديث (910) كنز العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 1 / ص 103 الحديث (464) كنزل العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 6 / ص 65 الحديث (14863) وقد رواه كثير من الشيعة الامامية منهم الكليني في اصول الكافي في عدة موارد منها الحديث رقم 5 / ص 103 / ج 1 مجمع الزوائد / أبو بكر الهيثمي / ج 5 / ص 218 حلية الاولياء / ج 3 / ص 224 سنن البيهقي / ج 8 / ص 156 (*).

[ 85 ]

أناس بامامهم) (1) آلي النبي صلى الله عليه وآله أنه
قال: (كل قوم يدعون بإمام زمانهم).

وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله:
(لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم أثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (2). (3) أو ما يؤدي هذا المعنى.


(1) الاية (71) سورة الاسراء

(2) صحيح مسلم / ج 6 / ص 3 – 4 باب الناس تبع لقريش اخرجه من تسعه طرق (ج 2 / ص 119 كتاب الامارة). صحيح البخاري / ج 4 / ص 165 (كتاب الاحكام). باب الاختلاف صحيح الترمذي / في ابواب الفتن / باب ما جاء في الخلفاء / ج 2 / ص 54 مسند احمد / في عدة موارد / ج 5 / ص 86، ص 90، ص 93، / ص 101، ص 106 ص 108 حلية الاولياء / لابي نعيم الاصبهاني / ج 4 / ص 333 كنز العمال / ج 13 / ص 27 – 76 مسند الطيالسي / الحديث رقم (767) والحديث رقم (1278) تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 41 تاريخ البغداد / الخطيب / ج 2 / ص 126 المعجم الكبير / الطبراني / ج 2 / ص 412

(3) هذا ولو يراجع كتاب ” المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي ” من كتب سلسلة المعارف الاسلامية رقم (1) اصدار مركز الرسالة / ص 74 – 96 / ففيه تحليل لطيف لهذه الاحاديث وزيادة فائدة 1) – بعض مصادر حديث الدار عند نزول اية ” وانذر عشيرتك الاقربين ” 1 – مسند احمد / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 ص 111، ص 159 2 – التاريخ الكبير / الطبري / ج 2 / ص 316 – 317 / ط مصر 1300 ه‍ 3 – الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ج 2 / ص 41 – 42 / ط دار الكتاب العربي – بيروت / 1387 ه‍
4 – البداية والنهاية / ابن كثير / ط مصر 1351 ه‍ / ج 3 / ص 39 (*)

.

[ 86 ]


< – 5 – تاريخ ابي الفداء / ج 1 / ص 119 / ط القسطنطينية 1286 ه‍ 6 – السيرة الجليه / علي بن برهان الدين الحلبي / ج 1 / ص 311 / ط مصر 1330 ه‍ 7 – نقض كتاب العثمانية للجاحظ / أبو جعفر الاسكافي / ص 21 / ط مصر 1352 هم 8 – كنز العمال / المتقي / ج 6 / ص 392 – 397 9 – كفاية الطالب / الكنجي / ص 204 – 207 / ط. الحيدرية 1390 ه‍ 10 – فرائد السمطين / الحمويين / ج 1 / باب 16 11 – تفسير الخازن / ط مصر 1217 / ج 2 ص 371 12 – الدر المنثور / السيوطي / ج 5 / ص 197 / ط مصر 1314 ه‍ 13 – خصائص النسائي / ط مصر 1208 ه‍ / ص 12 14 – مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 133 / ط حيدر اباد 1342 ه‍ 15 – البغوي في تفسيره ” معالم التنزيل ” / ج 4 / ص 278 2) – مصادر لا سيف الا ذو الفقار لا فتى الا على 1 – الكامل لابن الاثير / غزوة احد 2 – تاريخ الطبري / ج 3 / ص 17 3 – ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 74 4 – كفاية الطالب / القريشي الكنجى الشافعي / ص 144 – 148 بتسعه طرق 5 – شرح نهج البلاغه لابن ابي الحديد / ج 1 / ص 9 / ج 2 / ص 236 / ج 3 / ص 281 / ط مصر. 1329 ه‍ 6 – فرائد السمطي / باب 49 / ج 1
3) – بعض مصادر سد الابواب الا بابه 1 – مسند احمد / ج 1 / ص 175 / ج 2 / ص 126 2 – مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 125 3 – جامع الترمذي / ج 2 / ص 462 4 – كنز العمال / ج 6 / ص 393 – ص 408 5 – الدر المنثور / السيوطي / ج 6 / ص 123 6 – ينابيع المودة / ص 87 (*)

[ 87 ]

هذا ولو تتبعنا القرآن الكريم، والسنة النبوية معا، لرأيناهما قد وضحا منذ بداية الخيط الاول من فجر الاسلام، وسلطا الضؤ على من يحمل الراية معه وبعده، إلى آخر لحظات بقأه في هذه الحياة، مرورا بكل موقف وواقعة..

فعندما نزلت (وانذر عشيرتك الاقربين).

راجع التاريخ وسله عمن ارجع عشيرته إليه ليطاع ؟ ! ومن آزره على هذا الامر ؟ ! ولم قالوا لابي طالب وهو شيخهم مستهزئين أنه أمرك أن تطيع هذا الفتى


< – 7 – ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 76 4) – بعض مصادر حديث المنزله. 1 – صحيح البخاري / في غزوة تبوك / ج 14 / ص 386 / ج 17 / ص 475 2 – صحيح مسلم / في فضائل علي عليه السلام / ج 2 / ص 323 – 324 3 – مسند احمد / ج 1 ص 170 / بطرق كثيرة / ج 3 / ص 32 / ج 6 / ص 369 4 – مستدرك الحاكم / ج 2 / ص 108 5 – جامع الترمذي / ج 2 / ص 460 – 461
6 – سنن ابن ماجة / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 / ص 28 7 – خصائص النسائي / ط مصر 1308 ه‍ / ص 8، ص 28 8 – تاريخ الخطيب البغدادي / ط مصر 1349 ه‍ / ج 3 / ص 299 9 – البداية والنهاية / ج 7 / ص 239 – 340 10 – تاريخ ابن عساكر / ط مصر 1332 ه‍ / في ترجمة علي (ع) 11 – مصابيح السنة / البغوي / ط مصر 1318 ه‍ / ج 2 / ص 201 12 – الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ط مصر 1303 ه‍ / ج 2 / ص 106 13 كنز العمال / المتقي الحنفي / ج 6 / ص 153 14 – ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 58 – 62 15 – وفيات الاعيان / ابن خلكان / ج 2 / ص 104 16 – كفاية الطالب / الكنجى الشافعي / ص 148، ص 151، ص 154 17 – العقد الفريد / ط بولاق 1302 / ج 2 / ص 194 (*)

[ 88 ]

ابنك ؟ ! (1) (126).

ولم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ ! ومن شهد له من السماء فالارض ب‍ (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار) (2).

ومن الذي بقي بابه كباب رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سد الابواب كلها إلا بابه ؟ ! (3).

ومن قال له رسول الله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (4).

ومن… ؟ !
ومن.. ؟ !… ومن كان أخيرا صاحب بيعة الغدير ؟ ! !

إذا استعرضت هذا كله وغيره وتفكرت به علمت أن الرسول صلى الله عليه وآله أعين الخليفة من بعده أم لا ؟ ! !

وإذا روي لغيره ذلك أيضا، فقارن بين كل هذه الاحاديث وتلك والايات والروايات لترى ما هو الحديث الموضوع ولم وضع ؟ ! ! !

وعندها تعرف أن الرسول صلى الله عليه وآله إنه، إذا عين فمن الذي قد عين ؟ ! ! !

يقرب الامام علي عليه السلام ذلك لنا بقوله: (إن أولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاؤا به، ثم تلى: –
(إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) (5).


(1) و (2) و (3) و (4) مصادر هذه الاحاديث في الورقة الملحقة

(5) الاية ” 68 ” سورة ال عمران – 3 – (*)

[ 89 ]

وهذا يمثل مساحة واسعة، يمكن للكل أن ينسبوا بعضها أو كلها لهم دون غيرهم أيضا. ولوقارنا ما جائت به السير وما نطق به الرسول صلى الله عليه وآله من مدح فلان وفلان لعلمنا من مدح واقعا ممن لم يمدحه إلا أن الوضاع قد وضعوه لاجل السلطة والمال والحقد والحسد. ولنبتعد قليلا عن الاستدلالات العميقة، والتي ربما يتشعب منها شعب بعد شعب.

ونكمل الاستدلال بطريقة بسيطة يفهمها حتى البسيط من الناس.

فنقول: إن أهل البيت عليهم السلام لهم منزلة خاصة وواضحة عند كل مسلم
لا يشك فيها أحد – ولنترك تفصيل أن المقصود، منهم ما يعم الازواج أم لا – حتى أن الباري خاطب نبيه صلى الله عليه وآله قائلا له:
(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1).

فإذا مودة القربى واضح وجوبها. ولو نوقش في ذلك، فإننا نتوجه بآية اخرى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2).

فهذه تبين معان في الانتقاء والتطهير لم تذكر لغيرهم.

فهم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله.

وهم الذين أوجب الله مودتهم.

وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وهم الذين باهل بهم نصارى نجران ونزلت.


(1) الاية ” 42 ” سورة الشورى – 42 –

(2) الاية ” 33 ” الاحزاب – 33 – (*)

[ 90 ]

(فقل تعالوا ندعوا أبنائنا وابنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وانفسكم) (1).

وهم الذين.. وهم الذين..

فلا يمكن أن يتقدم عليهم أحد.

ولعل لرسوخ ذلك في أذهان المسلمين كان الترجيح للمهاجرين على الانصار يوم السقيفة لكونهم من قريش فهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله. وفات الكل بإن بني هاشم أقرب من قريش له صلى الله عليه وآله. وإن أهل البيت أقرب من بني هاشم.
وعلي عميدهم. وبهذا رسخ عند الكل ولا أهل البيت عليهم السلام، وتعظيمهم، ووجوب حبهم (بل حبهم فرض من ضروريات الدين الاسلامي التي لا تقبل الجدل والشك، وقد اتفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وآرائهم).

(ولا يمكن أن نتصور أنه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حق طاعته فإنه ليس له قرابة مع أحد أو صداقه، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلا عبيدا مخلوقين على حد
سواء، وإنما أكرمهم عند الله اتقاهم. فمن أوجب حبه على الناس كلهم لابد أن يكون إتقاهم وافضلهم جميعا، وإلا كان غيره أولى بذلك الحب، أو كان الله يفضل بعضا على بعض في وجوب الحب والولاية عبثا أو لهوا، بلا جهة استحقاق وكرامة ؟ !) (2)، حاشا لله تعالى ذلك. ثم نضيف بعد ذلك بمالا يمكن إنكاره أيضا: –

هذه الصلاة المكتوبة التي هي واجبة على كل مسلم، يؤديها كل يوم خمس


(1) الاية ” 61 ” سورة ال عمران – 3 – (2) الشيخ محمد رضا المظفر / عقائد الامامية / ص 324 / ط (*).

[ 91 ]

مرات على الاقل بملاحظة أنه يصلى الصلاة اليومية الواجبة فقط وإلا لو كان يؤدي المستحبة كذلك فالعدد يكبر والامر يتسع – وجوب الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله مما لا يمكن إنكاره من أغلب المسلمين ان لم يكن كلهم، ولا تتم الصلاة بالاخلال بها.

ويقول الفخر الرازي في مفاتيح غيبه في تفسير آية
(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الدعاء للال منصب عظيم، ولذلك جعل خاتم التشهد، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الال، وكل ذلك يدل على أن حب آل محمد
واجب.

نقول: من تجب الصلاة عليه على كل مسلم في كل يوم تسع مرات على الاقل هل ميزانه عند الله تعالى – وهو اللطيف الخبير – مساو لمن قد لا تجب الصلاة عليه طول العمر ولو مرة واحدة ؟ ! كل هذه تساؤلات مشروعة، على كل مسلم أن يطرحها على نفسه ليعرف من الذي يكون حينذاك أحق بالاتباع ؟ ! !

فإن الاخرة اتية والله يبعث من في القبور فعلينا تهيئة الجواب والحجة وقد قال تعالى:
(وقفوهم إنهم مسؤولون).

فمن هنا ومن غيره الكثير الكثير نعلم ويخترم بإن المقدم يجب أن يكون من الال انفسهم، ومنزلته عظيمة عند الله تعالى جدا، بحيث أوجب علينا ذلك كله له. ولو تتبعنا السيرة النبوية بعين الانصاف والعدل، لا بعين الاهواء ورؤية الاباء لرأينا كل ذلك واضحا، فهي تبين التفصيل بعد الاجمال، والتوضيح بعد الابهام. وحتى القرآن الكريم لو ألقينا لباس التعصب لرأيناه يشخص ويعين لو تدبرنا آياته وأردنا اتباعه.

[ 92 ]

وإذا قارنت بعين الانصاف ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله.

تفصيلا، مع ما
جاء به القرآن تلميحا وتأصيلا، مع ما حكم به العقل صريحا، لعلمت بان هذا الامر لا يخرج عن العرب دون الناس. وعن قريش دون العرب. وعن قريش دون العرب. وعن بني هاشم دون قريش.
وعن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون بني هاشم. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام بالخصوص، وعن أولاده المعروفين المذكورين دون غيرهم قطعا. فإذا ورد هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعدم الضلالة باتباع القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام وهم الحبل الممدود بين السماء والارض، وإنهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض.

وأخبر صلى الله عليه وآله بأن الدين قائم مادام هناك إثنا عشر خليفة كلهم من قريش فيقتضي أنهم من قريش ومن أهل البيت عليهم السلام بالخصوص.

وإذا تتبعنا واستقصينا لرأينا أنه يعينهم بما لا مزيد عليه، ويرفع بذلك اللبس عنهم (1).

وإذا دققنا كتب القوم، ولم يكن كلهم قد ذكر أو اشير إليه، فعلى أقل تقدير أن علي ابن أبي طالب عليه السلام قد ذكر فيها، والزهراء البتول عليها السلام قد ذكرت والحسن والحسين عليهما السلام، وإذا ذكر واحد من ولد الحسين عليه


(1) من احب الاطلاع على عدد لا باس به من المصادر التى تذكر عددهم واسماءهم فعليه بكتاب السيد طالب الخرسان اللؤلوة البيضاء / في الفضيلة (27) / ص 185 – 186 – 187 / ط قم المقدسة: (*)

[ 93 ]

السلام فهو، ولا يعنينا عدم الذكر، لان هذه الكتب أيضا روت أن الحجة والامام الذي سميلاها عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا هو من نسل علي وفاطمة، إن لم تصرح بعض المصادر بكونه إبنا للحسن العسكري، فقد ذكر الكنجي الشافعي في كتاب (المناقب) أن العسكري عليه السلام خلف ابنه وهو الامام المنتظر، وقال ابو المظفر ابن الجوزي في (الخصائص): وقد ذكرنا وفاة الحسن بن علي عليهما
السلام وأنها سنة ستين ومائتين وذكرا ولادة منهم محمد الامام، ومثله رواه محمد بن طلحة الشافعي خطيب دمشق) (1).. (2).

وقد اتعب القوم أنفسهم في توجيه هذه (الاثني عشر) فلم يأتوا العقلاء بامر


(1) اللؤلؤة البيضاء في فضائل فاطمة الزهراء السيد طالب الخرسان / ص 160 / ط قم المقدسة

(2) وقد ” ذكر منهم مؤلف (كشف الاستار) العلامة النوري اربعين عالما من مشاهير اعلامهم واستدرك عليه مؤلف والشيعة والرجعه ” العلامة الطبسي ما يزيد على عشرين عالما وللباحث مجال واسع وطريق رحب للعثور على اضعاف ذلك العدد من علمائهم الذين قالوا بمقالة الشيعة في الامام عليه السلام والى القارى الكريم جملة منهم تأكيدا للباحث وتتميما للفصل وهم:

1 – محمد بن طلحه الشافعي في كتابه (مطالب المسؤل)

2 – محمد بن يوسف الكنجى في كتاب (البيان في اخبار صاحب الزمان)

3 – ابن الصباغ المالكي في كتابه (الفصول المهمة)

4 – سبط ابن الجوزى في كتابه (تذكرة خواص الامة)

5 – محي الدين بن عربي في كتابه (الفتوحات)

6 – عبد الوهاب الشعرانى في كتابه (اليواقيت)

7 – ابن محمود البخاري في (فصل الخطاب)

8 – محمد بن ابي الغوارس في (الاربعين)

9 – البلخي في (ينابيع المودة)

10 – محمد بن الصبان في (اسعاف الراغبين)

11 – أبو المعالى سراج الدين الرفاعي في (صحاح الاخبار)

12 – البيهقى الشافعي في (شعب الايمان) (*).

[ 94 ]

مفيد أصلا (1).

فإذا كان العقل يرجح التعيين. والانبيأ السابقون لهم أوصياؤهم. والظروف تستدعي التعيين.

والخلفاء الاثنا عشر من قريش لا هوية لهم في توجيهات القوم أصلا (2). والقرآن الكريم والعقل يميلان لعصمة من يملا فراغ النبي صلى الله عليه وآله.

إن لم يكن ظاهرا منهما ذلك. ويوجد قوم يدعون أنهم إتباع إثني عشر إماما، ويذكرون أسمائهم، فإذا بأولهم قد ذكره الرسول صلى الله عليه وآله في أكثر من مواطن بما ظاهره التقديم أن لم يكن نص منه. ويذكر إمامة إثنين منهما تصريحا (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3).

ويصرف الكل بهذا. ويذكر آخرهم أيضا وينعته بالامامة. وواحدهم ولد الثاني إلا الحسن والحسين عليهما السلام. فهم من قريش.


(1) لقد تعرض لهذا التوجيه عدة كتب منها تفسير ابن كثير ج 2 / ص 34 عند تفسير اية ” ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا.. ” من سورة المائدة، السلوك لمعرفة دول الملوك المقريزى ج 1 / ص 13 – 15 من القسم الاول.

(2) راجع بهذا الصدد ينابيع المودة للقندوزى الحنفي الباب (77) عند تحقيق هذا الحديث ص 105 / ج 3 لترى انه لا يمكن حمله لما حملوه كما وضح ذلك هناك بلا زيادة توضيح.

(3) اجمع عليه اهل القبلة، كما قال ابن شهر اشوب في مناقبه ذلك / ص 22 محمد رضا شمس الدين العاملي / المصلح المنتظر في الاسلام / اصدار مكتبه نينوي /
ص 62 (*)
.

[ 95 ]

وهم من أهل البيت. وهم إثنا عشر كنقباء بني إسرائيل (1).

وهم يدعون العصمة، ويدعيها اتباعهم لهم. وهم
علماء، ابرار، أتقياء، ليس فيهم مغمز ولا مهمز وحاشاهم من ذلك. وهم بهذه الكيفية والمواصفات والشروط التي يحكم بها القرآن، ويرشدنا إليها القرآن الكريم، ويشير إليها أن لم يصرح بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وينطق بها العقل. إلا يجعل ذلك كله الاطمئنان في نفوسنا بانهم هم المقصودون، وعلينا أن نأخذ معالم ديننا منهم ؟ ! ! !

فضلا عن ورود نصوص كثيرة عن طرق متبعيهم في نص الواحد على الاخر، وتروي بعضها المعاجز والكرامات الدالة على قربهم من الله سبحانه، وتدل بذلك على إمامتهم وربما نقل التاريخ بعضها. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! !

فأين يريد الذاهب أن يذهب. واين يريد السالك أن يسلك. وأين يريد القاصد أن يقصد. لابد أن ينتهي إلى الله… والله أراد ذلك
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير) فلذا والله العظيم يعتريني العجب عندما أقرأ القرآن الكريم واتدبر، وأقرأ


(1) بل ان لكل نبى اثنى عشر وصيا وقد استقصاهم المسعودي في كتابه (اثبات الوصية) وذكرهم مع بعض تراجمهم، وقد ذكر كذلك الائمة الاثنى عشر وذكر تراجمهم، فراجع (*).

[ 96 ]

السنة الشريفة واتمعن بها، واستقرأ التاريخ متفحصا.. يأخذني العجب من أن هناك قوما من العلماء يذهبون لغير هذا وهم من حملة العلم، ويفهمون الكلام العربي جيدا..

وها هو القرآن قد لمح ووضح، واستطيع أن أقول بكل جرأة أنه نوه باسم علي عدة مرات بأبلغ من التصريح واثبت.. ولكي لا يكون القرآن العظيم بمعرض خطر من تغيير الاسم، كما فعلوا في ماروي عن الرسول صلى الله عليه وآله،.

إلا أن العالم لو تفكر لرأى زيفها بما أتاه الله تعالى من العلم الذي هو حجة عليه يوم القيامة إن لم يتبع ما أنزل الله سبحانه.. وقال: حسبنا كتاب الله… وأخذ يؤل برأيه ويبين على هواه مخالفا لامر مولاه.. قد باع الاخرة بالاولى.. فتربت يداه.. ولعن بما قال.. وبئس ما اشتروا به أنفسهم.. والله المستعان.

[ 97 ]

ولنتكلم بشكل آخر:

 

القسم الثاني: –

الامامة

 

فهرس الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *