أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 150 ]

 

العقبة الثالثة: مسألة منكر ونكير في القبر

* روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ” من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، المسألة في القبر، والشفاعة ” (1).

* وروي انه يجيئه الملكان بهيئة مهولة اصواتهما كالرعد القاصف، وابصارهما كالبرق الخاطف، فيسألانه: من ربك ؟ ومن نبيك، وما دينك ؟ ويسألانه أيضا عن وليه وامامه. وفي ذلك الحال يصعب على الميت أن يجيب وانه يحتاج الى الاعانة على ذلك (2) فلا جرم أنهم قد ذكروا مقامين لتلقين الميت:


= فإن الله عز وجل ينظر إليه في قبره بمنزلة العروس في حجلته الى أن ينفخ في الصور فإذا نفخ في الصور يخرج من قبره كهيئته الى الجنان كما يزف العروس الى زوجها).
أقول مع ضعف سند هذه الرواية ضعفا تاما فإن السيد (رحمه الله) اشعر ما ينوه بضعف ما في المتن وانما ذكرها تسامحا بأدلة السنن ولقاعدة من بلغ.

(1) الأمالي للشيخ الصدوق: ص 242، المجلس 49، ح 5. ونقلها عنه المجلسي في البحار: ج 6، ص 223، ح 23، وفي: ج 8، ص 37، ح 13، وفي: ج 18، ص 340، ح 44.

(2) وقد وردت في شرح تلك الأحوال المهولة كثير من الروايات الشريفة نذكر لك بعضا منها لزيادة عبرة ولجلاء صدء القلب:

1 – روى الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي في الزهد: ص 89، ح 238، ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 6، ص 215 عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال لبعض اصحابه: كيف أنت إذا أتاك فتانا القبر ؟ فقال: يارسول الله وما فتانا القبر ؟ قال (صلى الله عليه وآله): ملكان فظان غليظان، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف يطآن في أشعارهما، ويحفران في أنيابهما فيسألانك،… الخبر).

2 – وفي رواية اخرى في (اليقين باختصاص مولانا علي بامرة المؤمنين) السيد ابن طاووس: ص 410، الطبعة المحققة، في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في آخره: (… فلا يبقى ميت في شرق ولا غرب، ولا في بر ولا في بحر، إلا ومنكر ونكير يسألانه =

[ 151 ]


= عن ولاية أمير المؤمنين بعد
الموت، يقولان للميت: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن إمامك ؟). ونقله العلامة
المجلسي في البحار: ج 6، ص 216، ح 6. 3 – في بصائر الدرجات للصفار: ص 145 – 146
الطبعة الحجرية بالإسناد عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: ان
العبد إذا ادخل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير. فأول ما يسألانه عن ربه، ثم عن
نبيه، ثم عن وليه، فإن أجاب نجا، وإن عجز عذباه. فقال له رجل: مالمن عرف ربه ونبيه
ولم يعرف وليه ؟ فقال: مذبذب لا الى هؤلاء، ولا الى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد
له سبيلا، ذلك لا سبيل له. وقد قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من الولي يا
نبي الله ؟ قال: وليكم في هذا الزمان علي. ومن بعده وصيه، ولكل زمان عالم يحتج الله
به لئلا يكون كما قال الضلال قبلهم حين فارقتهم انبياؤهم *

(ربنا لولا ارسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل
ونخزى)
*… الحديث). 4 – روى القمي في تفسيره: ج 2،
ص 143، ونقله المجلسي في البحار: ج 6، 224، ح 45 بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه
السلام): إن العبد إذا أدخل قبره أتاه منكر ففزغ منه يسأل عن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم)، فيقول له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان بين اظهركم ؟ فإن كان مؤمنا
قال: اشهد انه رسول الله جاء بالحق. فيقال له: ارقد رقدة لاحلم فيها. ويتنحى عنه
الشيطان، ويفسح له في قبره سبعة أذرع، ويرى مكانه من الجنة. قال: وإذا كان كافرا
قال: ما أدري. فيضرب ضربة يسمعها كل من خلق الله الا الانسان، وسلط عليه الشيطان،
وله عينان من نحاس أو نار كالبرق الخاطف، فيقول له: انا اخوك، ويسلط عليه الحيات
والعقارب، ويظلم عليه قبره، ثم يضغطه ضغطة يختلف اضلاغه عليه، ثم قال بأصابعه
فشرجها. 5 – وفي أمالي الصدوق: ص 239، المجلس 48، ح 12 بالإسناد عن موسى بن جعفر عن
أبيه (عليه السلام) قال: إذا مات المؤمن شيعه سبعون ألف ملك الى قبره، فإذا ادخل
قبره أتاه منكر ونكير فيقعدانه، ويقولان له: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول:
ربي الله، ومحمد =

[ 152 ]

أولهما: عندما يضعونه في القبر والأفضل ان يمسك ويحرك المنكب الأيمن باليد اليمنى، والمنكب الأيسر باليد اليسرى.

والمقام الآخر: بعد دفنه. ومن السنة أن يجلس ولي الميت – يعني أقرب أقربائه – عن رأس الميت بعد انصراف الناس عن قبره، ويلقنه بصوت رفيع. ويحسن أن يضع يديه على القبر ويقرب فمه من القبر (1).


= نبيي، والاسلام ديني،
فيفسحان له في قبره مد بصره، ويأتيانه بالطعام من الجنة ويدخلان عليه الروح
والريحان وذلك قوله عز وجل *
(فأما إن كان من
المقربين فروح وريحان)
*… الحديث).

(1) أقول: ورد ذلك بعدة روايات منها: روى الشيخ الصدوق
(رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 108 – 109، رقم الحديث العام 500. وقد
روى سالم بن مكرم عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: (… يجعل له وسادة من
تراب، ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي، ويحل عقد كفنه كلها، ويكشف عن وجهه، ثم
يدعى له ويقال: ” اللهم عبدك ابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم
افسح له في قبره، ولقنه حجته، والحقه بنبيه، وقه شر منكر ونكير “. ثم تدخل يدك
اليمنى تحت منكبه الأيمن، وتضع يدك اليسرى على منكبه الأيسر وتحركه تحريكا شديدا،
وتقول: ” يا فلان بن فلان الله ربك، ومحمد نبيك، والاسلام دينك، وعلي وليك وإمامك،
وتسمي الأئمة (عليهم السلام) واحدا واحدا الى آخرهم – أئمتك ائمة هدى أبرار “. ثم
تعيد عليه التلقين مرة اخرى. وإذا وضعت عليه اللبن فقل: ” اللهم ارحم غربته، وصل
وحدته، وآنس وحشته، وآمن روعته، واسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من
سواك واحشره مع من كان يتولاه ” ومتى زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وأنت مستقبل
القبلة ويداك على القبر، فإذا خرجت من القبر فقل وأنت تنفض يديك من التراب *

(انا لله وانا إليه راجعون) *
ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرات وقل (اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك هذا
ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) فانه من فعل ذلك وقال هذه الكلمات كتب الله
له بكل ذرة حسنة… الخبر).

[ 153 ]

ولا بأس ان يستنيب شخصا آخر لذلك.

* وورد: (فإذا قال ذلك قال منكر لنكير انصرف بنا عن هذا فقد لقن بها حجته) (1).

* وفي كتاب (من لا يحضره الفقيه): (ولما مات ذر بن أبي ذر (رحمه الله) وقف أبو ذر على قبره، فمسح القبر بيده، ثم قال: رحمك الله ياذر، والله إن كنت بي لبرا، ولقد قبضت واني عنك لراض، والله مابي فقدك وما علي من غضاضة، ومالي الى أحد سوى الله من حاجة، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك. ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. والله ما بكيت لك ولكن بكيت عليك، فليت شعري ما قلت ؟ وما قيل لك ؟ اللهم اني قد وهبت له ما افترضت عليه من حقي فهب له ما افترضت عليه من حقك فأنت أحق بالجود مني والكرم (2).

* وروي عن الامام الصادق (عليه السلام): ” إذا دخل المؤمن في قبره، كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر


(1) ورد في عدة أخبار منها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 173،
ح 501 عن يحيى بن عبد الله انه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ” ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير ؟ فقلت: وكيف نصنع ؟ فقال (عليه السلام): إذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به، فيضع فاه على رأسه، ثم ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان، أو يا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقناك [ خ. ل. فارقتنا ] عليه من شهادة ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله سيد النبيين، وان عليا أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وأن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) حق وان الموت حق والبعث حق وان الساعة آتية لاريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. فإذا قال ذلك، قال منكر لنكير: انصرف بنا عن هذا فقد لقن بها حجته “. وراجع الكافي: ج 3، ص 201، ح 11. والتهذيب للطوسي: ج 1، ص 321، ح 103.

(2) الفقيه: ج 1، ص 185، ح 558. وروي في الكافي أيضا: ج 3، ص 250، كتاب الجنائز، باب النوادر، ح 4.

[ 154 ]

مظل عليه، ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته، قال: الصبر للصلاة والزكاة والبر دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فانا دونه ” (1).

* وقال العلامة المجلسي (رحمه الله):

* روي في المحاسن بسند صحيح عن احدهما (عليهما السلام) – يعني الامام الصادق أو الامام الباقر – قال: ” إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستة صور، فيهن صورة أحسنهن وجها، وأبهاهن هيئة، وأطيبهن ريحا، وأنظفهن صورة. قال: فتقف صورة عن يمينه واخرى عن يساره واخرى بين يديه، واخرى
خلفه، واخرى عند رجله. وتقف التي هي أحسنهن فوق رأسه. فإن اوتي عن يمينه منعته التي عن يمينه، ثم كذلك الى أن يؤتى من الجهات الست. قال: فتقول أحسنهن صورة: ومن أنتم جزاكم الله عني خيرا ؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة. وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة. وتقول التي بين يديه: أنا الصيام. وتقول التي خلفه: أنا الحج والعمرة. وتقول التي عند رجليه: أنا بر من وصلت من اخوانك. ثم يقلن: من أنت ؟ فأنت أحسننا وجها وأطيبنا ريحا، وأبهانا هيئة. فتقول: أنا الولاية لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ” (2).


(1) الكافي: ج 2، ص 90، ح 8.
(2) رواه البرقي في المحاسن: ص 288، كتاب (مصابيح الظلم) باب 64 (الشرائع)، ح 432 ونقله المجلسي في بحار الانوار: ج 6، ص 234 – 235، والسند صحيح كما ذكر في مقدمة المتن أعلاه، ولكن العبارة غير موجودة في البحار.

[ 155 ]

* وروى الصدوق في فضل صيام شعبان: ” ومن صام تسعة أيام من شعبان عطف عليه منكر ونكير عندما يسألانه ” (1).

* وورد عن الامام الباقر (عليه السلام) في احياء ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان وصلاة مائة ركعة فيها فضل كثير فمن جملته: ” ودفع عنه هول منكر ونكير وخرج من قبره ونوره يتلألأ لأهل الجمع ” (2).

* وروي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الخضاب أربعة عشر خصلة، وعد منها: ” ويستحي منه منكر ونكير ” (3).

* وقد علمت فيما مضى ان من خواص تربة النجف الطاهرة انها تسقط حساب منكر ونكير عمن يدفن فيها. ولأجل تأييد ذلك نقول:

 

حكاية:

نقل العلامة المجلسي (رحمه الله) في التحفة (4) عن ارشاد القلوب، وفرحة الغري: ان رجلا صالحا من أهل الكوفة قال: كنت في جامع الكوفة، وكانت ليلة ممطرة، فدق باب مسلم جماعة، ففتح لهم.


(1) ثواب الأعمال: ص 87. ورواه في فضائل الأشهر الثلاثة: ص 47، ح 24. وفي الأمالي: ص 30، المجلس 7، ح 1.

(2) اقبال الأعمال للسيد ابن طاووس: 214.

(3) رواه الكليني في الكافي: ج 6، ص 482، ح 12. ورواه الصدوق في ثواب الأعمال: ص 38. وفي من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 123، ح 285 والرواية كما في الفقيه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): ” يا علي درهم في الخضاب أفضل من ألف درهم في غيره في سبيل الله عز وجل، وفيه أربع عشرة خصلة: يطرد الريح من الاذنين، ويجلو البصر، ويلين الخياشيم، ويطيب النكهة، ويشد اللثة، ويذهب بالضنى، ويقل وسوسة الشيطان، وتفرح به الملائكة ويستبشر به المؤمن، ويقبض به الكافر، وهو زينة، وطيب، ويستحي منه منكر ونكير، وهو براءة له في قبره “. ورواه الشيخ الكليني (رحمه الله) في الكافي باختلاف بعض العبارات.

(4) أحد مؤلفات العلامة المجلسي (تحفة الزائر) وهو باللغة الفارسية.

[ 156 ]

وذكر بعضهم ان معهم جنازة، فأدخلوها، وجعلوها على الصفة التي تجاه باب مسلم بن عقيل (رضي الله عنه). ثم ان احدهم نعس فنام فرأى في منامه قائلا يقول للآخر: مانبصره حتى نبصر هل لنا معه حساب أم لا ؟ فكشف عن وجه الميت، وقال لصاحبه: بل لنا معه حساب، وينبغي أن نأخذه منه عجلا قبل أن يتعدى الرصافة فما يبقى لنا معه طريق. فانتبه وحكى لهم المنام. قال: فأخذوا ومضوا به في الحال الى المشهد الشريف (1).

قلت: ولله در من قال:

إذا مت فادفني الى جنب حيدر * أبي شبر اكرم به وشبير
فلست أخاف النار عند جواره * ولا أتقي من منكر ونكير
فعار على حامي الحمى وهو في الحمى * إذا ضاع في المرعى عقال بعير (2)

 

حكاية:

نقل عن الاستاذ الأكبر المحقق البهبهاني (رحمه الله) انه قال: رأيت في الطيف أبا عبد الله الحسين (عليه السلام)، فقلت له: يا سيدي ومولاي هل يسئل أحد يدفن في جواركم ؟ فقال: أي ملك له جرءة لئن يسأله (3).


(1) فرحة الغري للسيد عبد الكريم بن طاووس: ص 35 – 36. وفي ارشاد القلوب للديلمي: ج 2، ص 439 – 440 والظاهر أن الترجمة لما في ارشاد القلوب.

(2) الأبيات في ارشاد القلوب: ص 440.

(3) روى هذه الحكاية الشيخ النوري في دار السلام: ج 2، ص 148، قال: (وقال العالم الفاضل الجليل المولى محمد كاظم الهزارجريبي (رحمه الله) في كتاب تحفة
المجاور: سمعت عن جناب الاغا محمد باقر البهبهاني وهو الاستاذ الأكبر قدس الله تربته يقول… ثم نقل الطيف المذكور..). أقول: نقلت المنام من دار السلام بتصرف.

[ 157 ]

* يقول المؤلف: يقال في أمثال العرب (احمى من مجير الجراد) وقصته هي: ان رجلا من أهل البادية من قبيلة طي اسمه مدلج بن سويد، انه خلا ذات يوم في خيمته، فإذا هو بقوم من طي ومعهم أوعيتهم. فقال: ما خطبكم ؟ قالوا جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه. فركب فرسه، وأخذ رمحه، وقال: والله لا يتعرض له أحد منكم إلا قتلته، أيكون الجراد في جواري ثم تريدون أخذه. ولم يزل يحرسه حتى حميت الشمس، فطار، فقال: شأنكم الآن به فقد تحول عن جواري (1).
حكاية:

نقل عن كتاب الحبل المتين (2) ان المير معين الدين أشرف، من صلحاء خدام الروضة الرضوية قال: رأيت في المنام في دار الحفاظ – أي في بيت الحرس – اني خرجت من الروضة لتجديد الوضوء، فلما أتيت عند صفة مير علي شير، رأيت جماعة كثيرة دخلوا في الصحن المقدس يقدمهم شخص نوراني صبيح الوجه، عظيم الشأن، وبيد جماعة من خلفه المعاول. فلما توسطوا الصحن قال لهم: انبشوا هذا القبر، واخرجوا هذا الخبيث. وأشار الى قبر خاص. فلما شرعوا في النبش سألت أحد الأشخاص: من هذا الأمير ؟ فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام).
فبينما نحن كذلك إذ خرج الامام الثامن (عليه السلام) من الروضة، وأتى إليه (عليه السلام)، فسلم عليه، فرد عليه. فقال: يا جداه اسألك أن تعفو عنه، وتهبني تقصيره. فقال (عليه السلام): تعلم ان هذا الفاسق الفاجر كان يشرب الخمر.


(1) القصة رواها المؤلف في سفينة البحار: ج 1، ص 151، الطبعة الحجرية.
(2) تأليف السيد الفاضل شمس الدين محمد بن بديع الرضوي من رؤساء خدام الروضة الرضوية المقدسة.

[ 158 ]

فقال: نعم لكنه أوصى عند وفاته أن يدفن في جواري، فنرجو منك العفو عنه. فقال: وهبتك جرائمه. ثم مضى (عليه السلام). فانتبهت خائفا، وايقظت بعض الخدام، وأتيت معه الى الموضع المذكور، فرأيت قبرا جديدا قد طرح منه بعض ترابه. فسألت عن صاحبه، فقال: لرجل من الأتراك دفن فيه بالأمس (1).

يقول الفقير: نقل في حكاية تشرف الحاج علي البغدادي بلقاء إمام العصر أرواحنا فداه وسؤاله منه (عليه السلام) انه قال: قلت له: سيدنا ! هل أنه صحيح ما يقال من زار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة فهو أمان له ؟ قال نعم والله. ودمعت عيناه وبكى. قلت: سيدنا ! مسألة. قال: اسأل. قلت: زرنا الامام الرضا (عليه السلام) سنة 1269 والتقينا في (درود) (2) بأحد الاعراب
الشروقيين من سكان البادية التي بالجانب الشرقي من النجف الأشرف، فاضفناه، وسألناه: كيف هي ولاية الرضا (عليه السلام) ؟ فقال: هي الجنة، فأنا الآن لي خمسة عشر يوما آكل من مال مولاي الامام الرضا (عليه السلام)، فكيف يجرأ منكر ونكير أن يدنيا مني في القبر، فان دمي ولحمي قد نبت من طعامه (عليه السلام) في مضيفه. فهل هذا صحيح، ان علي بن موسى الرضا يأتي ويخلصه من منكر ونكير ؟ قال: نعم والله ان جدي هو الضامن (3). z z z


(1) دار السلام: ج 1، ص 267 – 268.
(2) إحدى المدن الايرانية قريبة من بروجرد.
(3) راجع النجم الثاقب للشيخ النوري: ج 2، ص 156، ترجمة وتقديم وتحقيق وتعليق السيد ياسين الموسوي، الطبعة الاولى 1415 ه‍ قم.

[ 159 ]

من المنازل المهولة: البرزخ

[ 161 ]

من المنازل المهولة البرزخ وقد ذكره الحق تعالى في سورة (المؤمنون):

*
(ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) * (1).

* وقال الامام الصادق (عليه السلام) في حديث: ” ولكني والله اتخوف عليكم من البرزخ.
قلت (2): وما البرزخ ؟ قال: القبر منذ حين موته الى يوم القيامة ” (3).

* ونقل عن لب اللباب للقطب الراوندي قال: وفي الخبر كان الموتى يأتون في كل جمعة من شهر رمضان فيقفون، وينادي كل واحد منهم بصوت حزين باكيا: يا أهلاه ! ياولداه ! ويا قرابتاه ! اعطفوا علينا بشئ يرحمكم الله، واذكرونا ولاتنسونا بالدعاء وارحموا (4) علينا وعلى غربتنا، فانا قد بقينا في سجن ضيق، وغم طويل وشدة، فارحمونا، ولاتبخلوا بالدعاء والصدقة لنا لعل الله يرحمنا قبل أن تكونوا مثلنا.


(1) سورة المؤمنون: الآية 100.
(2) الضمير للراوي وهو عمر بن يزيد.
(3) رواه الكليني في الكافي: ج 3، ص 242، ح 3. ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 6، ص 267، ح 116. ونقله المؤلف في سفينة البحار: ج 1، ص 71، الطبعة الحجرية.

(4) الظاهر العبارة مصحفة (وترحموا).

[ 162 ]

فواحسرتاه (1) قد كنا قادرين مثل ما أنتم قادرون. فيا عباد الله: اسمعوا كلامنا ولا تنسونا فانكم ستعلمون غدا فان الفضول التي في ايديكم كانت في أيدينا فكنا لاننفق في طاعة الله، ومنعنا عن الحق، فصار وبالا علينا ومنفعة (2) لغيرنا. اعطفوا علينا بدرهم أو رغيف أو بكسرة. ثم ينادون ما أسرع ما تبكون على انفسكم ولا ينفعكم كما نحن نبكي ولا ينفعنا فاجتهدوا قبل ان تكونوا مثلنا (3).

* ونقل في جامع الأخبار عن بعض الصحابة انه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” اهدوا لموتاكم.
فقلنا: يارسول الله ! وما هدية الأموات ؟ قال (صلى الله عليه وآله): الصدقة والدعاء. قال (صلى الله عليه وآله): ان أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة الى السماء الدنيا بحذاء دورهم وبيوتهم ينادي كل واحد منهم بصوت حزين باكين: يا أهلي ويا ولدي ويا أبي ويا امي ويا أقربائي ! اعطفوا علينا يرحمكم الله بالذي كان في ايدينا والويل والحساب علينا والمنفعة لغيرنا. وينادي كل واحد منهم الى أقربائه: اعطفوا علينا بدرهم، أو برغيف، أو بكسوة يكسوكم الله من لباس الجنة. ثم بكى النبي (صلى الله عليه وآله) وبكينا معه، فلم يستطع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يتكلم من كثرة بكائه. ثم قال: اولئك اخوانكم في الدين، فصاروا ترابا رميما بعد السرور والنعيم، فينادون


(1) في المستدرك الطبعة الحديثة: (فواحسرتا).
(2) في المستدرك الطبعة الحديثة: (ومنفعته).
(3) مستدرك الوسائل، النوري (رحمه الله): ج 2، باب 39، ص 162، ح 1697، وعنه المؤلف (رحمه الله) في سفينة البحار: ج 2، ص 556، الطبعة الحجرية.

[ 163 ]

بالويل والثبور على انفسهم، يقولون: يا ويلنا لو انفقنا ما كان في أيدينا في طاعة الله ورضائه ماكنا نحتاج إليكم. فيرجعون بحسرة وندامة، وينادون: اسرعوا صدقة الأموات ” (1).

* وروي في هذا الكتاب أيضا انه قال: ” ما تصدقت لميت فيأخذها ملك في طبق من نور ساطع ضوؤها يبلغ سبع
سماوات. ثم يقوم على شفير الخندق فينادي: السلام عليكم يا أهل القبور، أهلكم اهدوا إليكم بهذه الهدية، فيأخذها ويدخل بها في قبره، فيوسع عليه مضاجعه.

فقال (عليه السلام): ألا من اعطف لميت بصدقة فله عند الله من الأجر مثل أحد، ويكون يوم القيامة في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظل العرش. وحي وميت نجى بهذه الصدقة (2).

* وحكي عن أمير خراسان انه رأى في المنام بعد موته وهو يقول: ابعثوا الي ما ترمونه الى الكلاب فاني محتاج إليه (3).

* وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) في زاد المعاد (4): ولابد أن لا ينسى الأموات لأن ايديهم تقصر عن أعمال الخير، فانهم يأملون من أبنائهم وأقربائهم واخوانهم المؤمنين ويترقبون منه احسانهم. خصوصا في أدعيتهم في صلاة الليل، ومن بعد الصلاة المكتوبة، وفي المشاهد المشرفة. ولابد أن يدعى للأب وللأم أكثر من الآخرين، وأن يعمل أعمال الخير لهم. وفي الخبر: ان العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما، ثم يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عز وجل عاقا، وانه ليكون عاقا لهما


(1) جامع الأخبار: ص 169، طبعة النجف.
(2) جامع الأخبار طبعة النجف: ص 169.
(3) سفينة البحار: ج 2، ص 557.
(4) زاد المعاد باللغة الفارسية من مؤلفات العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس سره) صاحب موسوعة (بحار الأنوار).

[ 164 ]

في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل
بارا (1).

وأهم الخيرات للأب وللأم وسائر أقربائه أداء دينهم وأن يبرئهم من حقوق الله والخلق، وأن يسعى في قضاء ما فاتهم من الحج وسائر العبادات إما بالإجارة أو بالتبرع.

* وروي في الحديث الصحيح أن الامام الصادق (عليه السلام) كان يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والديه في كل يوم ركعتين وكان يقرأ في الركعة الاولى انا انزلناه، وفي الركعة الثانية انا اعطيناك الكوثر (2).

* ونقل بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه السلام): ” انه (3) يكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق ثم يؤتى، فيقال له: خفف عنك هذا الضيق لصلاة


(1) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي: ج 2، ص 163، ح 21. ورواه الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي في الزهد: ص 33، ح 87. ونقله المجلسي في البحار: ج 74، ص 59، ح 21، ج 74، ص 81، ح 85.

(2) يبدو ان المؤلف (رحمه الله) نقل الرواية بالمعنى، وإليك نصها: في التهذيب للشيخ الطوسي: ج 1، ص 467، ح 178، باب 23، بإسناده عن عمر بن يزيد، والرواية مضمرة: (قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين، وعن والديه في كل يوم ركعتين. قلت له: جعلت فداك ! كيف صار للولد الليل ؟ قال (عليه السلام): لأن الفراش للولد. قال: وكان يقرأ فيهما (انا انزلناه في ليلة القدر) و (انا اعطيناك الكوثر). ونقلها الحر في: وسائل الشيعة، كتاب الطهارة. أبواب الاحتضار، باب 28، ح 7. ونقلها المجلسي في البحار: ج 82، ص 63، ح 5. وفي: ج 88، ص 314، ح 3. وفي ج 91،
ص 220، ح 6.

(3) ان الرواية ابتدأت: (وقال عمر بن يزيد: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أيصلي عن الميت ؟ فقال: نعم انه يكون في ضيق…. الرواية).

[ 165 ]

فلان أخيك عنك. قال: فقلت له: فاشرك بين رجلين في ركعتين ؟ قال: نعم. فقال (عليه السلام): ان الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه ” (1).

وقال (صلى الله عليه وآله) يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء ويكتب أجره للذي يفعله وللميت (2).

* وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله): ” من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا اضعف له أجره ونفع الله به الميت ” (3).

* وورد في رواية: (إذا تصدق الرجل بنية الميت أمر الله جبرئيل أن يحمل الى قبره سبعين ألف ملك في يد كل ملك طبق فيحملون الى قبره ويقولون: ” السلام عليك ياولي الله هذه هدية فلان بن فلان إليك “. ” فيتلألأ قبره، واعطاه الله ألف مدينة في الجنة، وزوجه ألف حوراء، وألبسه ألف حلة، وقضى له ألف حاجة ” (4).

* يقول المؤلف:
من المناسب هنا أن انقل عدة حكايات نافعة من المنامات الصادقة.


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 117، ح 554. وعنه في البحار: ج 82، ص 62، ح 1.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 117، ح 557. وعنه في البحار: ج 82، ص 62، ح 2، وفي ج 88، ص 308، وفي ج 88، ص 311، ح 3.

(3) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 117، ح 556. وفي البحار: ج 82، ص 62، ح 2، وفي ج 88، ص 308، ح 3، وفي ج 88، ص 314، ح 3.

(4) وسائل الشيعة كتاب الطهارة: أبواب الاحتضار، باب 28، ح 9. وفي البحار: ج 82، ص 63، ح 7.

[ 166 ]

واحذرك من عدم الاعتناء بها، وتتصور انها من اضغاث الأحلام أو من الأساطير التي تنقل للصبيان، بل تأمل فيها جيدا، فالتأمل فيها يوقض المرء ويسلب النوم من العين. فسانه ها همه خواب آورد، فسانهء من زجشم، خواب ربايد فسانهء عجبي است يعني: جميع الأساطير تنعس واسطورتي تسلب النوم من عيني، فيا عجبا من اسطورة !

 

حكاية:

نقل شيخنا ثقة الاسلام النوري (عطر الله مرقده) في دار السلام: حدثني السيد المؤيد الفاضل الأرشد الورع العالم التقي الأمير سيد علي ابن العالم الجليل والفقيه النبيل قدوة أرباب التحقيق ومن إليه كان يشد الرواحل من كل فج عميق المبرأ من كل شين ودرن الأمير سيد حسن ابن الأمير سيد علي ابن
الأمير محمد باقر ابن الأمير اسماعيل الواعظ الحسيني الاصفهاني البسه الله حلل الأمان وحشره مع سادات الجنان قال: لما توفي الوالد العلامة كنت مقيما بالمشهد الغروي مشغولا بتحصيل العلوم، وهو الآن فيه وكانت اموره (رحمه الله) بيد بعض الاخوان ولم يكن لي علم بتفاصليها ولما مضت من وفاته سبعة أشهر توفيت امي، وحملوا جنازتها الى النجف. فلما كانت بعض تلك الأيام رأيت في المنام: كأني قاعد في بيتي الذي كنت ساكنا فيه، إذ دخل علي الوالد (رحمه الله) فقمت وسلمت. فجلس في صدر المجلس، وتلطف بي في السؤال وتبين لي انه ميت. فقلت: إنك توفيت باصفهان، واراك في هذا المكان ؟ فقال: نعم، انزلونا بعد الوفاة في النجف ومكاننا الآن فيه.

[ 167 ]

فقلت: ان الوالدة عندكم ؟ فقال: لا. فتوحشت لذلك ؟ فقال: هي أيضا بالنجف ولكن في مكان آخر. فعرفت حينئذ وجه ذلك، وان العالم محله أرفع من مكان الجاهل. ثم سألته عن حاله، فقال: كنت في ضيق، والآن فالحمد لله في حال حسن، وخرج ما كان بي من الضيق والشدة. فتعجبت من ذلك، فقلت متعجبا: أنت كنت في ضيق ؟ ! فقال: نعم، إن الحاج رضا بن آغا بابا الشهير (1) ب‍ (نعلبند) يطلبني. ومن أجل طلبه ساءت حالي. فزاد تعجبي، فانتبهت من النوم فزعا متعجبا، وكتبت الى أخي الذي كان وصيه (رحمه الله) صورة المنام. وسألته أن يكتب لي: ان للرجل دينا عليه، أم لا ؟ فكتب اني تفحصت في الدفتر فما وجدت اسمه في خلال الديانين، فكتبت
إليه ثانيا: أن اسأله نفسه، فأجاب باني سألته عن ذلك فقال: نعم كان لي عليه ثمانية عشر تومانا لا يعلمه إلا الله، وبعد وفاته سألتك هل وجدت اسمي في الدفتر فأنكرت. فقلت: لو أظهرته لم اقدر على اثباته فضاق صدري لأني أقرضته بلا حجة ولا بينة وثوقا بانه يثبته في الدفتر. وانكشف لي انه تسامح في ذلك، فرجعت مأيوسا. فذكر له أخي صورة المنام، وأراد وفاء دينه، فقال: اني قد أبرأت ذمته لأجل اخباره بذلك (2).

 

حكاية:

ونقل أيضا الشيخ الأجل المحدث المتبحر ثقة الاسلام النوري نور الله مرقده


(1) يقصد (معروفا) وفي القصص المذكورة – والتي نقلناها مباشرة من دار السلام – اخطاء في التعبير لم نغير منها إلا تلك التي لا مناص من تغييرها كضمير المؤنث بدل المذكر والضمير المنفصل بدل المتصل.

(2) دار السلام: ج 2، ص 164.

[ 168 ]

في دار السلام عن العالم الفاضل الصالح الورع التقي الحاج الملا أبي الحسن المازندراني قال: كان لي صديق فاضل تقي عالم، وهو المولى جعفر ابن العالم الصالح المولى محمد حسين من أهل طبرستان من قرية يقال لها (تيلك). وكان (رحمه الله) في بلده، فلما جاء الطاعون العظيم الذي عم البلاد ولهم العباد اتفق ان خلقا كثيرا ماتوا قبله وجعلوه وصيا على أموالهم، فجباها كلها، ومات بعدهم بالطاعون قبل أن يصرف الأموال في محلها. فضاعت كلها.

ولما وفقني الله تعالى لزيارة العتبات ومجاورة قبر مولانا أبي عبد لله (عليه السلام) رأيت ليلة في المنام كأن رجلا في عنقه سلسلة تشتعل نارا. وطرفيها بيد رجلين، وله لسان طويل قد تدلى على صدره، فلما رآني من بعيد قصدني. فلما دنا مني ظهر انه المولى المزبور. فتعجبت: فلما هم أن يكلمني ويستغيث بي جرا السلسلة الى الخلف، فرجع القهقرى، ولم يتمكن من الكلام. ثم دنا ثانيا ففعلا به مثل الاولى، وكذلك في المرة الثالثة. ففزعت من مشاهدة صورته وحالته فزعا شديدا، وصحت صيحة عظيمة انتبهت منها، وانتبه من كان نائما في جانبي من العلماء. فقصصت عليه رؤياي وكان وقت النداء، وإعلام فتح أبواب الصحن والحرم الشريفين. فقلت: ينبغي أن نقوم وندخل الحضرة ونزور ونستغفر له، لعل الله يرحمه إن كانت الرؤيا صادقة.

فقمنا وفعلنا ذلك. ومضى زمان طويل يقرب من عشرين سنة ولم يتبين لي من حاله شيئا، وكان في زعمي ان تلك الحالة للتقصير الذي وقع منه في أيام الطاعون في أموال الناس. ولما من الله تعالى علي بزيارة بيته وقضيت المناسك، وقربنا من الرجوع الى المدينة المشرفة مرضت مرضا شديدا منعني عن الحركة والمشي. فلما نزلنا قلت

[ 169 ]

لأصحابي: غسلوني، وبدلوا ثيابي واحملوني الى الروضة المطهرة لعل الموت يحول بيني وبين الوصول إليها. ففعلوا، ولما دخلت الحضرة أغمي على، فتركوني في جانب ومضوا لشأنهم. فلما افقت حملوني وأتوا بي الى قرب الشباك، فزرت. ثم ذهبوا بي الى الخلف عند بيت الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، أحد المواضع التي
تزار فيها فجلست وزرت بما بدا لي، ثم طلبت منها الشفاء. وقلت لها: بلغنا من الآثار كثرة محبتك لولدك الحسين (عليه السلام)، واني مجاور قبره الشريف، فبحقه عليك ألا ما شافيتني. ثم خاطبت الرسول (صلى الله عليه وآله) وذكرت ما كان لي من الحوائج منها الشفاعة لجملة من رفقائي الذين حلوا أطباق الثرى ومزقتهم البلوى، وعددت اسماءهم الى أن بلغت الى المولى جعفر المتقدم ذكره. فذكرت الرؤيا، فتغيرت حالي، فألححت في طلب المغفرة له وسؤال الشفاعة منه (صلى الله عليه وآله). وقلت: اني رأيته قبل ذلك بعشرين سنة في المنام في حال سوء، لا أدري كان صادقا أم كان من الاضغاث ؟

وذكرت ما سنح لي من التضرع والدعاء في حقه. ثم رأيت في نفسي خفة، فقمت ورجعت الى المنزل بنفسي، وذهب ماكان بي من المرض من بركة البتول العذراء (عليها السلام).

ولما اردنا الخروج من البلد اقمنا في (أحد) يوما وكان أول منازلنا. فلما نزلنا فيه، وفرغنا من زيارة الشهداء رقدت فرأيت المولى جعفر المذكور مقبلا علي في زي حسن وعليه ثياب بيض كغرقئ (1) البيض وعلى رأسه عمامة محنكة وبيده عصا، فلما دنا مني سلم وقال: مرحبا بالأخوة والصداقة، هكذا ينبغي أن يفعل الصديق بصديقه، وكنت في تلك المدة في ضيق وشدة وبلاء ومحنة، فما قمت من الحضرة إلا وخلصتني منها، والآن يومان أو ثلاثة ارسلوني الى الحمام وطهروني من الأقذار والكثافات. وبعث الي الرسول (صلى الله عليه وآله) بهذه الثياب والصديقة


(1) الغرقى بكسر الغين المعجمة: بياض البيض.

[ 170 ]

الطاهرة (عليها السلام) بهذا العباء، وصار أمري بحمد الله الى حسن وعافية. وجئت إليك
مشيعا لك ومبشرا. فطب نفسا انك ترجع الى اهلك سالما صحيحا وهم سالمون. فانتبهت شاكرا فرحا (1).

قال الشيخ المرحوم: وعلى الفطن الخبير أن يتأمل في دقائق تلك الرؤيا فان فيها ما يزيل عن القلب العمى وعن البصر القذى (2).

 

حكاية:

وفي دار السلام أيضا نقل الشيخ الأجل الاورع الأكرم الحاج ملا علي عن والده الماجد الحاج ميرزا خليل الطهراني (رحمه الله) قال: كنت في مشهد الحسين (عليه السلام) وامي كانت في مدينة طهران، فرأيت ليلة في ما يراه النائم: ان والدتي جاءت إلي، وقالت لي: يا بني اني مت، وجاؤوا بي إليك، وهشموا انفي. فانتبهت من النوم فزعا مرعوبا. فبقيت كذلك الى أن جاءني كتاب من بعض الاخوان: ان والدتك توفيت وأرسلناها مع الجنائز. فلما أتى الجنازون قالوا: خلفنا تلك الجنازة في رباط قريب من ذي الكفل لانا زعمنا (3) انك في بلد المشهد (النجف الأشرف). فبقيت متحيرا في معنى هشموا أنفي. فلما أتوا بنعش والدتي كشفت عنها، فرأيت أنفها مكسورا، فسألت عن ذلك، فقالوا: ان هذه الجنازة كانت موضوعة فوق الجنائز، فتصادمت الخيول في الرباط، فطرحتها من أعلى الجنائز، ولم نعلم غير هذا. فجئت بها الى ساحة أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين (عليهما السلام)، فقلت: يا أبا الفضل ان والدتي لم تحسن الصلاة والصيام وهي دخيلتك، فادفع عنها الأذى


(1) دار السلام: ج 2، ص 153، 155، وقد عالجنا بعض الكلمات أيضا.
(2) دار السلام: ج 2، ص 155.
(3) لعله يقصد (لانا توهمنا أو ظننا).

[ 171 ]

يا سيدي، وعلي بضمانك خمسين سنة صوم وصلاة استنيب عنها.

فدفنتها، وبقيت مدة من الزمان، فبينا أنا نائم في ليلة من الليالي، وإذا اسمع ضوضاءا (1) في باب داري، فخرجت من الدار، فرأيت والدتي موثوقة بشجرة وتضرب بالسياط. فقلت: ما بالها، وأي ذنب لها حتى تضرب ؟ فقالوا: أمرنا أبو الفضل أن نضربها حتى تدفع مبلغا مقدرا. فذهبت الى داخل الدار، وأتيت بالدراهم، وأطلقت والدتي، وأتيت بها الى داخل الدار، واشتغلت بخدمتها فلما انتبهت رأيت المقدار الذي أخذوه مني هو مقدار خمسين سنة عبادة. فأخذت ذلك المبلغ وذهبت الى السيد صاحب الرياض (رحمه الله) وقلت: هذه قيمة خمسين سنة عبادة عن والدتي، والأمر كيت وكيت (2).

قال شيخنا الأجل صاحب دار السلام (احله الله دار السلام) وفي هذه الرؤيا من عظم الأمر وخطر العاقبة وعدم جواز التهاون بما عاهد الله على نفسه وعلو مقام أوليائه المخبتين مالا يخفى على من تأملها بعين البصيرة ونظر الاعتبار (3).

 

حكاية:

ونقل هذا الأجل أيضا عن والده الصالح: ان رجلا كان في مدينة طهران خادما في الحمام في مسلخه (4)، وكان لا يصلي ولا يصوم، وجاء يوما الى المعمار، وقال: اريد أن أبني حماما. فقال له المعمار: أنت بهذه الحالة، من أين لك الدراهم ؟ فقال له: خذ ما شئت.
فبنى له حماما معروفا باسمه، وكان اسمه (علي طالب).


(1) في المصدر: (وإذا بضوضاء اسمع).
(2) دار السلام. ج 2، ص 245 – 246.
(3) دار السلام. ج 2، ص 246.
(4) أي المنزع.

[ 172 ]

قال والدي: كنت في النجف الأشرف، فرأيت فيما يراه النائم ان علي طالب جاء الى النجف في وادي السلام. فتعجبت من ذلك. وقلت له: ما جاء بك الى هذا المكان وأنت لا تصلي ولا تصوم ؟ فقال لي: يا هذا، أنا مت، فأخذوني بالاغلال ليأخذوني الى العذاب. لكن جزى الله الحاج الملا محمد الكرمانشاهي خير الجزاء حيث انه استأجر فلان نائبا للحج، وهو فلان، واستأجر فلان للصوم، والصلاة، ودفع عني الزكاة والمظالم على يد فلان وفلان. ولم يبق شئ علي الا أداه. فخلصني من العذاب، فجزاه الله عني خير جزاء المحسنين. فاستيقظت من نومي فزعا، وتعجبت من تلك الرؤيا، فتربصت مدة، فجاء أناس من طهران، فسألت عن أحوال علي طالب، فاخبروني كما رأيت في الرؤيا بأسماء الرجال وما جرى بعد موته. فتعجب من صدق تلك الرؤيا ومطابقتها للواقع (1).

(وفي هذه الرؤيا تصديق لما استفاض عن أهل العصمة من وصول ثواب الصوم والصلاة والحج وسائر الخيرات والمبرات الى الميت، وانه قد يكون في
ضيق فيفرج عنه. وتصديق لما ورد: من انه مامن مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها إلا وحشر الله روحه الى وادي السلام. وفي بعضها: أما كأني بهم حلق قعود يتحدثون. والحاج المولى أحمد المذكور من علماء طهران الأخيار والصلحاء الأبرار) (2).


(1) دار السلام: ج 2، ص 244 – 245.
(2) دار السلام: ج 2، ص 245.

[ 173 ]


حكاية:

ونقل عن أربعينات العالم الفاضل والعارف الكامل القاضي سعيد القمي (رحمه الله) انه قال: وصل إلينا من أحد الثقات ومحل الاعتماد عن استاذ اساتيذنا الشيخ بهاء الملة والدين العاملي (قدس سره): انه ذهب في أحد الأيام لزيارة بعض أصحاب الحال، وكان يأوى في مقبرة من مقابر اصفهان، فقال ذلك الشخص العارف للشيخ: شاهدت قبل هذا اليوم في هذه المقبرة أمرا غريبا. فقد رأيت جماعة جاؤوا بجنازة ودفنوها في هذه المقبرة في الموضع الفلاني. وبعد مضي ساعة شممت رائحة طيبة لم تكن من روائح هذه النشأة، فبقيت متحيرا، فنظرت الى يميني وشمالي لاعرف من أين جاءت هذه الرائحة، فرأيت فجأة شابا جميل الصورة في لباس الملوك وهو يذهب الى ذلك القبر حتى وصل عنده، فتعجبت كثيرا من مجيئه الى ذلك القبر.

فعندما جلس عند ذلك القبر رأيته قد غاب وكأنه صار داخل القبر. فلم يمض زمن من تلك الحادثة حتى شممت رائحة كريهة انتن من كل رائحة، فنظرت فرأيت كلبا يذهب بأثر ذلك الشاب حتى وصل الى ذلك القبر واختفى. فتعجبت لذلك وما كاد تعجبي ينقضي حتى خرج ذلك الشاب بحال سيئة وهيئة قبيحة وبدن مجروح، وقد رجع من حيث أتى. فذهبت وراءه، ورجوته أن يخبرني بحقيقة الأمر فقال: انا العمل الصالح لهذا الميت، وكنت مأمورا أن اصير معه في قبره، فإذا بذلك الكلب – الذي رأيته – أتى وهو عمله غير الصالح، فأردت أن اخرجه من القبر لأفي بصحبته فعضني ذلك الكلب بأنيابه، وجرحني ومزق لحيتي كما ترى، ولم يتركني أبقى مع ذلك الشاب، فلم أقدر بعد ذلك أن أبقى معه في قبره، فخرجت، وتركته لوحده.

فعندما نقل العارف المكاشف هذه الحكاية للشيخ، قال الشيخ: ما قلته صحيح، فنحن قائلون بتجسم الأعمال وتصورها بالصورة المناسبة

[ 174 ]

بحسب الأحوال.

* يقول المؤلف: ويصدق هذه الحكاية الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق في أول أماليه وملخصه: ان قيس بن عاصم وفد مع جماعة من بني تميم الى النبي (صلى الله عليه وآله)، وطلب منه موعظة نافعة فوعظه (صلى الله عليه وآله): ومن جملة ما قال (1): ” لابد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما اكرمك وإن كان لئيما اسلمك، ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فانه إن صلح أنست به، وإن فسد
لا تستوحش إلا منه، وهو فعلك. فقال: يا نبي الله احب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب، وندخره: فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) من يأتيه بحسان. قال: (2) فأقبلت افكر فيما اشبه هذه العظة من الشعر، فاستتب لي القول قبل


(1) صدر الحديث هو: (قال قيس بن عاصم: وفدت مع جماعة من بني تميم الى النبي (صلى الله عليه وآله)، فدخلت وعنده الصلصال ابن الدلهمس، فقلت: يا نبي الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنا قوم نعبر [ نعمر خ. ل ] في البرية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا قيس ان مع العز ذلا وان مع الحياة موتا، وان مع الدنيا آخرة، وان لكل شئ حسيبا، وعلى كل شئ رقيبا، وان لكل حسنة ثوابا ولكل سيئة عقابا ولكل أجل كتابا… الحديث).

(2) أقول: في ترجمة الحديث نسب المؤلف (رحمه الله) القول الى الصلصال وكذا أبيات الشعر، ولكن في الأمالي المطبوع ليست فيه هذه النسبة. نعم وجدنا ذلك في كتاب (الاصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلاني: ج 2، ص 193 قال: (الصلصال بن الدلهمس بن جندلة المحتجب بن الاغر بن الغضنفر بن تيم بن ربيعة بن نزار، أبو الغضنفر… وقال المرزباني: يقال انه انشد النبي (صلى الله عليه وآله) شعرا. =

[ 175 ]

مجئ حسان. قلت: يارسول الله، قد حضرتني أبيات احسبها توافق ما تريد، فقلت:

تخير خليطا من فعالك انما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
ولابد بعد الموت من أن تعده * ليوم ينادى المرء فيه فيقبل
فإن كنت مشغولا بشئ فلا تكن * بغير الذي يرضى به الله تشغل
فلن يصحب الانسان من بعد موته * ومن قبله إلا الذي كان يعمل
الا انما الانسان ضيف لاهله * يقيم قليلا بينهم ثم يرحل (1)

* وروى الشيخ الصدوق (قدس سره) عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” مر عيسى بن مريم (عليه السلام) بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابل فإذ هو ليس يعذب. فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام، فإذا هو ليس يعذب ؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا روح الله انه ادرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه ” (2).


= وذكر ابن الجوزي: ان الصلصال قدم مع بني تميم وان النبي (صلى الله عليه وآله أوصاهم بشئ فقال قيس بن عاصم: وددت لو كان هذا الكلام شعرا نعلمه أولادنا، فقال الصلصال: انا انظمه يارسول الله، فانشده أبياتا. واوردها ابن دريد في أماليه عن أبي حاتم السجستاني عن العتبي عن أبيه قال: قال قيس بن عاصم وفدت مع جماعة من بني تميم، فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقال قيس: يارسول الله عظنا عظة ننتفع بها، فوعظهم موعظة حسنة، فقال قيس: احب أن يكون هذا الكلام أبياتا من الشعر نفتخر به على من يلينا وندخرها، فامر من يأتيه بحسان، فقال الصلصال: يارسول الله قد حضرتني أبيات احسبها توافق ما أراد قيس فقال هاتها فقال:…. الخ).

(1) الأمالي للشيخ الصدوق: ص 12 – 13.
(2) الأمالي للصدوق: ص 414.

 

فهرس الكتاب