أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 206 ]

وأما الروايات التي وردت في حسن الخلق

* الرواية الاولى: روي عن انس بن مالك انه قال: ” كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه اعرأبي بردائه جبذة
شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فانك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك. فسكت النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال المال مال الله، وأنا عبده. ثم قال: ويقاد منك يااعرأبي ما فعلت بي. قال: لا. قال: ولم ؟ قال: لانك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك النبي (صلى الله عليه وآله) ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر (1).

يقول المؤلف: ان ذكري لهذه الروايات في هذا المقام انما هو للتبرك والتيمن وليس لبيان حسن خلق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أو أئمة الهدى (عليهم السلام)، وذلك لان الذي يذكر الله تعالى في القرآن الكريم بخلقه العظيم، ويكتب علماء الفريقين كتبا في سيرته وخصاله الحميدة ومع ذلك فلم يحصوا معشار عشره.. حينئذ فما اكتبه هنا في هذا الباب انما يعد تسامحا.

ولقد أجاد من قال:

محمد سيد الكونين والثقلين * والفريقين من عرب ومن عجم
فاق النبيين في خلق وفى خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الديم


(1) سفينة البحار: ج 1، ص 412، والرواية عامية تجدها في: الوفا بأحوال المصطفى: ج 2، ص 421، وفي كتاب أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله) وآدابه، لابن حيان الاصبهاني: ص 80، ونقله المؤلف في كحل البصر في سيرة سيد البشر: ص 59 عن القاضي عياض في كتابه (الشفاء).

[ 207 ]

وهو الذي تم معناه وصورته * ثم اصطفاه حبيبا
بارئ النسم
منزه عن شريك في محاسنه * فجوهر الحسن فيه غير منقسم
فمبلغ العلم فيه انه بشر * وانه خير خلق الله كلهم (1)

* الرواية الثانية: روي عن عصام بن المصطلق انه قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي (عليهما السلام) فاعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب ؟ فقال: نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه. فنظر الي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. *
(خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين * واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم * ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) * (2).

ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك، انك لو استعنتنا لاعناك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لرشدناك.

قال عصام: فتوسم مني الندم على ما فرط مني. فقال: * (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) * (3)

أمن أهل الشام أنت ؟ قلت: نعم.

فقال: (شنشنة اعرفها من اخزم) (4)

حيانا الله واياك، انبسط إلينا في حوائجك،


(1) سفينة البحار: ج 1، ص 411.
(2) سورة الاعراف: الآيات 199 – 202.
(3) سورة يوسف: الآية 92.
(4) قال ابن الاثير في النهاية ج 2، ص 504: (الشنشنة: السجية والطبيعة. وقيل القطعة المضغة من اللحم. وهو مثل، وأول من قاله أبو اخزم الطائي وذلك: ان اخزم كان عاقا لأبيه، فمات =

[ 208 ]

وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنك إن شاء الله تعالى.

قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت وودت لو ساخت بي، ثم سللت منه لواذا (1) وما على الأرض أحب إلي منه ومن أبيه (2).

يقول المؤلف: نقل صاحب الكشاف في ذيل الآية الشريفة: * (لا تثريب عليكم اليوم) * (3) التي تمثل بها سيد الشهداء رواية في حسن خلق يوسف الصديق، من المناسب ذكرها هنا، والرواية هي: (ان اخوته لما عرفوه وارسلوا إليه: انك تدعونا الى طعامك بكرة وعشيا، ونحن نستحي منك لما فرط (4) منا فيك. فقال يوسف: ان أهل مصر وإن ملكت فيهم، فانهم ينظرون الي بالعين الاولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم اخوتي واني من حفدة ابراهيم (5).

* وروي أيضا انه لما اجتمع يعقوب مع يوسف (عليهما السلام) قال: ” يا بني حدثني بخبرك ؟ فقال له: يا ابت لا تسألني عما فعل بي اخوتي، واسألني عما فعل الله بي ” (6).

* الرواية الثالثة: روى الشيخ المفيد وغيره: ” ان رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى (عليه السلام)، ويسبه إذا رآه، ويشتم عليا فقال بعض حاشيته يوما: دعنا نقتل هذا


= وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وادموه فقال:
ان بني زملوني بالدم * شنشنة أعرفها من أخزم

(1) ويستخدم (لواذا) لشدة الاستخفاء والاستتار.
(2) سفينة البحار: ج 1، ص 421. وفي: ج 2، ص 705، 706، الطبعة الحديثة.
(3) سورة يوسف: الآية 92.
(4) في سفينة البحار للمؤلف بدل (لما فرطنا قبل).
(5) تفسير الكشاف للزمخشري: ج 2، ص 503، طبعة مصر.
(6) سفينة البحار: ج 1، ص 412 الطبعة الحجرية. وفي ج 2، ص 683، الطبعة الحديثة.

[ 209 ]

الفاجر. فنهاهم عن ذلك أشد النهي، وزجرهم، وسأل عن العمري، فذكر انه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه، فوجده في مزرعة له، فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا. فتوطاه (عليه السلام) بالحمار حتى وصل إليه، ونزل، وجلس عنده، وباسطه وضاحكه وقال له: ” كم غرمت على زرعك هذا ؟ قال: مائة دينار. قال: فكم ترجو أن تصيب ؟ قال: لست أعلم الغيب. قال له: انما قلت: كم ترجو أن يجيئك فيه ؟ قال: ارجو أن يجئ مائتا دينار. قال: فاخرج له أبو الحسن (عليه السلام) صرة فيها ثلاثمائة دنيار، وقال: هذا زرعك على حاله، والله يرزقك فيه ما ترجو. قال: فقام العمري فقبل رأسه، وسأله أن يصفح عن فارطه. فتبسم إليه أبو الحسن، وانصرف.
قال: وراح الى المسجد، فوجد العمري جالسا، فلما نظر إليه، قال ” الله اعلم حيث يجعل رسالته “. قال: فوثب أصحابه إليه، فقالوا له: ما قضيتك قد كنت تقول غير هذا ؟ ! قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الآن. وجعل يدعو لأبي الحسن (عليه السلام) فخاصموه وخاصمهم، فلما رجع أبو الحسن الى داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: ايما كان خيرا، ما أردتم، أم ما أردت ؟ ! انني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت به شره ” (1).


(1) البحار: ج 48، ص 102 – 103. ورواه الشيخ المفيد في الارشاد: ص 297، اعلام الورى، الطبرسي: ص 316، 307.

 

فهرس الكتاب