أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 249 ]

 

في ذكر قصص الخائفين

 

* القصة الاولى:

روى الشيخ الكليني بسند معتبر (1) عن الامام علي بن الحسين (عليه السلام): ان رجلا ركب البحر بأهله فكسر بهم، فلم ينج ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل، فانها نجت على لوح من ألواح السفينة حتى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق، ولم يدع لله حرمة إلا انتهكها، فلم يعلم إلا والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسية أم جنية ؟ فقالت: إنسية.

فلم يكلما كلمة حتى جلس منها مجلس الرجل من أهله، فلما إن هم بها،
اضطربت، فقال لها: مالك تضطربين ؟ فقالت: أفرق من هذا – وأومأت بيدها الى السماء. قال: فصنعت من هذا شيئا ؟


(1) الكافي: ج 2، ص 69 بإسناده عن علي بن ابراهيم عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن الحسين عن محمد بن سنان عن أبي سعيد المكاري عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما (قال):… الحديث والسند صحيح على الظاهر فان الحسن بن الحسين هو اللؤلؤي الذي وثقه النجاشي ومحمد بن سنان ثقة من أصحاب أسرار أهل البيت كما هو رأي الوحيد البهبهاني وغيره، وقد خدش به البعض ولهذا توقف المؤلف في تصحيح السند واكتفى باعتباره.

[ 250 ]

قالت: لا، وعزته، قال: فأنت تفرقي منه هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئا، وانما استكرهك استكراها، فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف، وأحق منك. قال: فقام، ولم يحدث شيئا، ورجع الى أهله، وليست له همة إلا التوبة والمراجعة فبينما هو يمشي إذ صادفه راهب يمشي في الطريق، فحميت عليهما الشمس، فقال الراهب للشاب: ادع الله يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس. فقال الشاب: ما اعلم ان لي عند ربي حسنة فاتجاسر على أن أسأله شيئا. قال: فادعو أنا، وتؤمن أنت، قال: نعم. فاقبل الراهب يدعو، والشاب يؤمن، فما كان بأسرع من أن اظلتهما غمامة، فمشيا تحتها مليا من النهار، ثم تفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة، وأخذ الراهب في واحدة، فإذا السحابة مع الشاب، فقال الراهب: أنت خير مني، لك استجيب ولم يستجب لي، فاخبرني ما قصتك ؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غفر لك ما مضى، حيث دخلك الخوف، فانظر كيف
تكون فيما تستقبل (1).

 

* القصة الثانية:

روى الشيخ الصدوق: دخل معاذ بن جبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) باكيا فسلم، فرد (صلى الله عليه وآله) ثم قال: ما يبكيك يا معاذ ؟ فقال: يارسول الله ان بالباب شابا طري الجسد نقي اللون، حسن الصورة يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ادخل علي الشاب يا معاذ. فادخله عليه، فسلم فرد (صلى الله عليه وآله) ثم قال: ما يبكيك يا شاب ؟ قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوبا إن أخذني الله عز وجل ببعضها ادخلني


(1) الكافي: ج 2 ص 69. ورواه عنه المجلسي في: ج، 7، ص 10361.

[ 251 ]

نار جهنم، ولا أراني إلا سيأخذني بها، ولا يغفر لي أبدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل أشركت بالله شيئا ؟ قال: أعوذ بالله أن أشرك بربي شيئا. قال: أقتلت النفس التي حرم الله ؟ قال: لا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي. قال الشاب: فانها أعظم من الجبال الرواسي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق. قال: فانها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها
من الخلق.

فقال: النبي (صلى الله عليه وآله) يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها، ومثل العرش والكرسي. قال: فانها أعظم من ذلك. قال: فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) كهيئة الغضبان، ثم قال، ويحك يا شاب اذنوبك أعظم، أم ربك ؟ فخر الشاب لوجهه وهو يقول: سبحان الله ربي، ما شئ أعظم من ربي، ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فهل يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم ؟ قال الشاب: لا والله يارسول الله. ثم سكت الشاب: فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك ؟ قال: بلى، اخبرك، اني كنت أنبش القبور سبع سنين، أخرج الأموات، وانزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار، فلما حملت الى قبرها ودفنت

[ 252 ]

وانصرف عنها أهلها، وجن عليهم الليل أتيت قبرها، فنبشتها، ثم استخرجتها، ونزعت ماكان عليها من أكفانها، وتركتها متجردة على شفير قبرها، ومضيت منصرفا، فأتاني الشيطان، فأقبل يزينها لي ويقول: أما ترى بطنها وبياضها، أما ترى وركيها، فلم يزل يقول لي هذا، حتى رجعت عليها، ولم أملك نفسي حتى جامعتها، وتركتها مكانها، فإذا بصوت من ورائي يقول، يا شاب ! ويل لك من ديان يوم الدين، يوم يقفني وإياك، كما تركتني عريانة في عساكر الموت، ونزعتني من حفرتي، وسلبتني أكفاني، وتركتني أقوم جنبة الى حسابي، فويل لشبابك من النار.

فما اظن اني اشم ريح الجنة أبدا، فما ترى لي يارسول الله ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) تنح عني يا فاسق، اني أخاف أن احترق بنارك، فما أقربك من النار. ثم لم يزل (صلى الله عليه وآله) يقول، ويشير إليه حتى أمعن من بين يديه.

فذهب فأتى المدينة، فتزود منها، ثم أتى بعض جبالها، فتعبد فيها، ولبس مسحا، وغل يديه جميعا الى عنقه ونادى: يا رب هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا رب أنت الذي تعرفني، وزل مني ما تعلم سيدي يا رب اني أصبحت من النادمين، وأتيت نبيك تائبا فطردني، وزادني خوفا، فاسألك باسمك وجلالك، وعظمة سلطانك أن لا تخيب رجائي: سيدي ولا تبطل دعائي، ولا تقنطني من رحمتك فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة تبكي له السباع والوحوش. فلما تمت له أربعون يوما وليلة رفع يديه الى السماء وقال: اللهم ما فعلت في حاجتي، إن كنت استجبت دعائي، وغفرت خطيئتي، فاوح الى نبيك. وإن لم تستجب لي دعائي، ولم تغفر لي خطيئتي، واردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني، أو عقوبة في الدنيا تهلكني، وخلصني من فضيحة يوم القيامة.

فانزل الله تبارك وتعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله): *
(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها

[ 253 ]

الأنهار خالدين فيها ونعم اجر العاملين) * (1).

فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج وهو يتلوها ويبتسم. فقال لأصحابه: من يدلني على ذلك الشاب التائب ؟
فقال معاذ يارسول الله بلغنا انه في موضع كذا وكذا، فمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه حتى انتهوا الى ذلك الجبل، فصعدوا إليه يطلبون الشاب، فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه الى عنقه، وقد اسود وجهه، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء، وهو يقول: سيدي قد أحسنت خلقي، وأحسنت صورتي، فليت شعري ماذا تريد بي أفي النار تحرقني، أم في جوارك تسكنني ؟ اللهم انك قد أكثرت الاحسان إلي، وانعمت علي، فليت شعري ماذا يكون آخر أمري ؟ الى الجنة تزفني ؟ أم الى النار تسوقني ؟ اللهم ان خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم، فليت شعري تغفر خطيئتي، أم تفضحني بها يوم القيامة.

فلم يزل يقول نحو هذا، وهو يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وقد أحاطت به السباع، وصفت فوقه الطير، وهم يبكون لبكائه. فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطلق يديه من عنقه، ونفض التراب عن رأسه وقال: يا بهلول ! أبشر فانك عتيق الله من النار.

ثم قال (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: هكذا تداركوا الذنوب، كما تداركها بهلول. ابشر فانك عتيق الله من النار. ثم تلا عليه ما انزل الله عز وجل فيه، وبشره بالجنة) (2).


(1) سورة آل عمران: الآية 135 و 136. وفي المصدر وردت ألفاظ الآيتين الشريفتين مع التفسير، ويبدو ان التفسير من الراوي، وقد تركه المؤلف رحمه الله تعالى، وبما ان التفسير ورد عن غير المعصومين (عليهم السلام) فقد رأينا تركه أسلم.

(2) رواه الصدوق في الأمالي: ص 45 – 47، المجلس 11، ح 3. ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 6، ص 23 – 26، ح 26.

[ 254 ]

* يقول المؤلف: قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في (عين الحياة) في ذيل هذا الخبر ما ملخصه: ليعلم ان للتوبة شروطا ودوافع:

الأول: من الأشياء التي تحرك الانسان للتوبة هو أن يفكر في عظمة الله تعالى الذي عصاه وكذلك في كبر تلك المعاصي التي ارتكبها، وفي عقوبات تلك الذنوب وآثارها السيئة في الدنيا والآخرة التي وردت في الآيات والأخبار، ومن ثم سوف يكون هذا التفكير باعثا لندامته، وسوف تصير هذه الندامة باعثا له على ثلاثة أشياء تتركب منها التوبة: الأول منها: مرتبطة بحاضره وهو أن يترك تلك الذنوب التي ارتكبها بالحال.

الثاني: متعلق بالمستقبل وهو أن يعزم جازما على أن لا يعود الى تلك الذنوب الى آخر العمر.

والثالث: متعلق بالماضي، وهو أن يندم على ما مضى، ويتدارك ما فات منه إذا كان مما يتدارك.

 

واعلم ان الذنوب التي يتاب منها على عدة أقسام:

الأول: أن يكون ذنبا لا يستلزم حكما آخر غير العقوبة الأخروية كلبس الحرير ولبس خاتم الذهب للرجال فانه يكفي للتوبة منها نفس الندم والعزم على عدم العود وبهما يدفع العقاب الاخروي.

الثاني: أن يستلزم حكما آخر وهو على عدة أقسام: فأما أن يكون حقا لله، أو حقا للخلق. وأما حق الله، فهو إما مالي: مثل أن يذنب ما يلزمه عتق رقبة فانه إذا كان قادرا عليه، فلا يرفع عنه العذاب بمجرد الندم، بل يجب عليه أن يؤدي تلك الكفارة.
أو حق غير مالي: مثل الصلاة أو الصيام الذي يفوته فانه يجب عليه أن يقضي ما فاته.

[ 255 ]

أو أن يعمل عملا قد شرع الله تعالى له حدا مثل شرب الخمر، فما لم يثبت عند الحاكم الشرعي فهو مختار إن شاء ستره بينه وبين الله ولا يظهر ذلك لأحد. وإن شاء أن يقر عند الحاكم ليقيم عليه الحد، وعدم الاظهار أحسن (1).


(1) أقول روى الشيخ الكليني رحمه الله تعالى في الكافي الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، انه أتاه رجل بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين اني زنيت فطهرني. قال: ممن أنت ؟ قال: من مزينة. قال: اتقرأ من القرآن شيئا ؟ قال: بلى. قال: فاقرأ. فقرأ، فاجاد. فقال: أبك جنة ؟ قال: لا. قال: فاذهب حتى نسأل عنك. فذهب الرجل، ثم رجع إليه بعد، فقال: يا أمير المؤمنين اني زنيت فطهرني. فقال: ألك زوجة ؟ قال: بلى. قال: فمقيمة معك في البلد ؟ قال: نعم.
قال: فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) فذهب وقال: حتى نسأل عنك. فبعث الى قومه فسأل عن خبره، فقالوا: يا أمير المؤمنين صحيح العقل. فرجع إليه الثالثة، فقال له مثل مقالته. فقال: له اذهب حتى نسأل عنك. فرجع إليه الرابعة، فلما أقر قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لقنبر: احتفظ به. ثم غضب، ثم قال: ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أفلا تاب في بيته، فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد…. الحديث. الكافي الشريف: ج 7، ص 188، ح 3. وروى أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رجل أقر على نفسه الزنا في حديث قال (صلى الله عليه وآله) في ذيله: (لو استتر ثم تاب كان خيرا له). =

[ 256 ]

وأما لو كان حقا للناس: فإن كان حقا ماليا فيجب عليه أن يوصله لصاحب الحق، أو وارثه.

وأما إذا لم يكن حقا ماليا، فإن كان قد أضل انسانا فيجب عليه هدايته. وإن كان حدا مثل قول الفحش فإن كان ذلك الشخص عالما باهانته له، فعليه أن يمكنه من الحد من نفسه. وإن لم يكن عالما ففيه خلاف بين العلماء، ويرى الأكثر إن كان اخباره يوجب أذاه واهانته، فلا يلزم الإخبار لذلك. وكذلك الحكم إذا استغاب انسانا، انتهى (1).


= الكافي: ج 7، ص 185، ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب: ج 10، ص 8، ح 22.

(1) أقول: من المناسب في هذا المقام جدا أن انقل الرواية الشريفة التي رواها السيد الرضي رضي الله تعالى عنه في (نهج البلاغة) في باب المختار من قصار كلماته (عليه السلام): ج 4، تحت رقم
402، ص 97، شرح محمد عبده. وقال (عليه السلام) لقائل قال بحضرته، استغفر الله ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار ؟ ! الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على سته معان: أولها: الندم على ما مضى.

والثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا.

والثالث: أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة.

والرابع: أن تعمد الى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.

والخامس: أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.

والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول استغفر الله. وقد عقد الميرزا العارف الكامل العامل آية الله الشيخ جواد الملكي التبريزي – قدس الله روحه الطاهرة – فصلا جليلا في كتابه الشريف (السير الى الله) حول المعصية، نحيلك عليه لما حوى ذلك الفصل من الآداب المهمة والمطالب الجليلة. السير الى الله، تأليف الميرزا الملكي التبريزي، ترجمة وشرح صاحب هذه السطور: ص 147 – 177، الطبعة الاولى، دار التعارف بيروت. كذلك يستحسن مراجعة ما كتبه الشيخ السالك العارف الواصل الشيخ البهاري =

[ 257 ]


* القصة الثالثة:

روى ابن بابويه قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ جاء رجل فنزع ثيابه، ثم جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة، وبطنه مرة، وجبهته مرة،
ويقول: يانفس ! ذوقي فما عند الله عز وجل أعظم مما صنعت بك، ورسول الله ينظر الى ما يصنع، ثم ان الرجل لبس ثيابه، ثم اقبل، فأومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله) بيده، ودعاه، فقال له: يا عبد الله ! لقد رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه، فما حملك على ما صنعت ؟ !

فقال الرجل: حملني على ذلك مخافة الله عز وجل، وقلت لنفسي: يانفس ذوقي، فما عند الله أعظم مما صنعت بك. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لقد خفت ربك حق مخافته، وان ربك ليباهي بك أهل السماء. ثم قال لأصحابه: يا معاشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم.

فدنوا منه، فدعا لهم، وقال لهم: ” اللهم اجمع أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا ” (1).

* القصة الرابعة:

روي عن الامام محمد الباقر (عليه السلام) قال: خرجت امرأة بغي على شباب من بني اسرائيل فأفتنتهم. فقال بعضهم: لو كان العابد فلانا رآها افتنته.


= الهمداني قدس الله روحه الطاهرة في كتابه (تذكرة المتقين). ويستحسن أن تقرأ ما كتبه الخواجه نصير الدين الطوسي في كتاب (أوصاف الأشراف). فراجعها واستفد.

(1) رواه الصدوق (رحمه الله) في الأمالي: ص 279 – 280، المجلس 54، ح 26، ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 70، ص 378، ح 23.

[ 258 ]

وسمعت مقالتهم، فقالت: والله لا أنصرف الى منزلي حتى أفتنه.
فمضت نحوه في الليل، فدقت عليه. فقالت: آوي عندك، فأبى عليها. فقالت: ان بعض شباب بني اسرائيل راودوني عن نفسي، فإن ادخلتني، وإلا لحقوني وفضحوني. فلما سمع مقالتها، فتح لها، فلما دخلت عليه، رمت بثيابها، فلما رأى جمالها، وهيئتها وقعت في نفسه. فضرب يده عليها، ثم رجعت إليه نفسه، وقد كان يوقد تحت قدر له، فأقبل حتى وضع يده على النار. فقالت: أي شئ تصنع ؟ فقال: احرقها لأنها عملت العمل. فخرجت حتى أتت جماعة بني اسرائيل، فقالت، الحقوا فلانا، فقد وضع يده على النار. فاقبلوا، فلحقوه وقد احترقت يده (1).
* القصة الخامسة:

روى ابن بابويه عن عروة بن الزبير انه قال: كنا جلوسا في مجلس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتذاكرنا أعمال أهل بدر، وبيعة الرضوان. فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اخبركم بأقل القوم مالا، وأكثرهم ورعا، وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا: من ؟


(1) رواه الراوندي في قصص الأنبياء: ص 183، الباب 9، الفصل 3، ح 222، ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 14، ص 492، ح 11، وفي ج 70، ص 387، ح 52.

[ 259 ]

قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام). قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه، ثم أنتدب له رجل من الأنصار ؟ فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها. فقال أبو الدرداء: يا قوم اني قائل ما رأيت، وليقل كل قوم منكم ما رأوا. شهدت علي بن أبي طالب (عليه السلام) بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل فافتقدته، وبعد علي مكانه، فقلت لحق بمنزله. فإذا أنا بصوت حزين، ونغمة شجية، وهو يقول: إلهي كم من موبقة حلمت عني فقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.

(الهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك). فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه، فاستترت له، وخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع الى الدعاء والبكاء، والبث، والشكوى، فكان مما به الله ناجى ان قال: ” الهي افكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم اذكر العظيم من اخذك فتعظم علي بليتي “. ثم قال: ” آه إن إنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء “.

ثم قال: (آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات لظى).

[ 260 ]

قال: ثم انغمر في البكاء، فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اوقظه لصلاة الفجر. قال أبو الدرداء: فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب (عليه السلام). قال: فأتيت منزله مبادرا انعاه إليهم. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبا الدرداء ما كان من شأنه، ومن قصته ؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله – يا أبا الدرداء – الغشية التي تأخذه من خشية الله. ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق، ونظر الي وأنا أبكي، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت: مما اراه تنزله بنفسك. فقال: يا أبا الدرداء ! فكيف لو رأيتني، ودعي بي الى الحساب، وايقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد اسلمني الاحباء، ورحمني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية. فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1).

يقول المؤلف: رأيت من المناسب أن انقل هذه المناجاة عنه (عليه السلام) بنفس الفاظها التي كان يقرأها، ليقرأها من شاء في قلب الليل في وقت التهجد، كما عمل
ذلك شيخنا البهائي (رحمه الله) في كتاب (مفتاح الفلاح).

* وهذه المناجاة الشريفة هي: ” الهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك (2) وكم من جريرة تكرمت عن


(1) رواه الصدوق بالإسناد الى عروة بن الزبير في الأمالي: ص 72 – 73، المجلس 18، ح 9، ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 41، ص 11 – 12، ح 1، وفي: ج 87، ص 194، ح 2.

(2) بنعمتك: خ، ل.

[ 261 ]

كشفها بكرمك، الهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما انا مؤمل (1) غير غفرانك، ولا انا براج (2) غير رضوانك

* الهي افكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم اذكر العظيم من اخذك فتعظم علي بليتي

* آه ان قرأت في الصحف (3) سيئة انا ناسيها وانت محصيها فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لاتنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته

* آه من نار تنضج الاكباد والكلى

* آه من نار نزاعة للشوى

* آه من غمرة من لهبات لظى (4).

* القصة السادسة:

روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى بالناس الصبح، فنظر الى شاب من الأنصار (5) وهو في المسجد يخفق، ويهوي رأسه، مصفر لونه، نحيف جسمه، وغارت عيناه في رأسه. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أصبحت يا فلان. فقال: أصبحت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) موقنا.

فقال: فعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قوله، وقال له: ان لكل شئ حقيقة، فما حقيقة يقينك ؟
قال: ان يقيني يا رسول الله هو أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري. فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني انظر الى عرش ربي وقد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم. وكأني انظر الى أهل الجنة يتنعمون فيها، ويتعارفون، على الارائك متكئين.


(1) بمؤمل: خ، ل.
(2) راج: خ، ل.
(3) الصحيفة: خ، ل.
(4) مفتاح الفلاح: للشيخ البهائي، ص 307.
(5) روى البرقي (رحمه الله) في المحاسن رواية اخرى وقال (استقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حارثة بن مالك بن النعمان فقال له: كيف أنت يا حارثة الحديث…). المحاسن: ص 246، (كتاب مصابيح الظلم من المحاسن)، باب 29، ح 147.

[ 262 ]

وكأني انظر الى أهل النار فيها معذبون يصطرخون. وكأني أسمع الآن زفير النار يعزفون في مسامعي (1).

قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: هذا عبد نور الله قلبه للإيمان. ثم قال: الزم ما أنت عليه. قال: فقال له الشاب: يارسول الله ! ادع الله لي أن ارزق الشهادة معك. فدعا له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك. فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي (صلى الله عليه وآله) فاستشهد بعد تسعة نفر، وكان هو العاشر (2).


(1) في الكافي بدل (يعزفون في مسامعي) (يدور في مسامعي).
(2) رواه الكليني (رضي الله عنه) في الكافي: ج 2، ص 53، ح 2 ورواه البرقي في المحاسن: ص 250،
ح 265 (كتاب مصابيح الظلم من المحاسن)، باب 29. ونقله المجلسي في البحار: ج 22، ص 146، ح 139، عن (نوادر الراوندي)، وفي ج 67، ص 299، ح 25، وفي ج 67، ص 313، ح 46، وفي ج 70. وراجع معاني الأخبار للصدوق: ص 187، باب معنى الاسلام والإيمان، وفي ج 5. ص 159، ح 17 وفي ج 70، ص 174، ح 30. ولا يكاد ينقضي عجبي من قوم دخلاء على أحاديث بيت العصمة والطهارة يتجرؤون ويتجاسرون على أهل البيت (عليهم السلام)، وهم يدعون انهم من شيعتهم فينسبون لأهل البيت (عليهم السلام) ما يعجبهم من الأخبار ويروون عنهم مالا يفهمون ولا يفقهون، وكأنهم أولياء عليهم لا أولياء لهم. اعاذنا الله تعالى من أقوالهم. وعليه فيصححون بعض الأخبار بحسب عقولهم وسليقتهم، وينفون غيرها بذلك، كما عمل ذلك بعض من علق على بحار العلامة المجلسي أعلى الله تعالى مقامه فهم: أولا: لا يعرفون ان السند إذا صح كان حجة على العباد لأن خبر الثقة حجة. وإن لم يصح لا يجوز رده لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيت (عليهم السلام) فيكون ردا عليهم كما ورد في الخبر الشريف عن الامام الباقر (عليه السلام) الذي رواه الكليني في الكافي الشريف في باب الكتمان عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (والله ان احب أصحابي الي اورعهم وافقههم واكتمهم لحديثنا وان أسوأهم عندي حالا وامقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله اشمأز منه وجحده، وكفر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا اسند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا). وفي البصائر روى الشيخ الثقة محمد بن الحسين الصفار بإسناده عن أحدهما (عليهم السلام)

[ 263 ]


= قال: (لا تكذبوا بحديث اتاكم به أحد فانكم لا تدرون لعله من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه). والروايات في هذا المعنى قد بلغت استفاضتها حد التواتر.
وثانيا: ان الدين لا يقاس بعقول الرجال كما ورد في الأخبار المستفيضة إن لم يدع التواتر على النهي بالعمل بالرأي والقياس والاستحسان حتى صار ذلك من ضروريات المذهب كما ادعاه كثير من الأساطين أهل التحقيق، وهو الصحيح، فمنها ما رواه المفيد بإسناد صحيح عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر بن علي (عليهم السلام): يا زرارة إياك وأصحاب القياس في الدين، فانهم تركوا علم ماوكلوا به، وتكلفوا ما قد كفوه، يتأولون الأخبار ويكذبون على الله عز وجل…) ” الوسائل: كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب 6، ح 43 “. وفي رواية عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) قال: (.. إياك عن خصلتين تهلك فيهما الرجال: أن تدين بشئ من رأيك، أو تفتي الناس بغير علم ” الوسائل كتاب القضاء: أبواب صفات القاضي، باب 4، ح 29. وانما أوجب الأئمة (عليهم السلام) الرجوع إليهم والعمل برواياتهم وقد بحث علماؤنا ذلك في علوم خاصة. وثالثا: بطلان حجة اولئك الذين لم يفهموا شيئا من الأخبار، وإليك المثال هذا، حيث علق على هذا الحديث الشريف بقوله: (الظاهر أن هذا الحديث من سفاسف المتصوفة المتزهدة، خصوصا بملاحظة ما في بعضها انه كان في المسجد يخفق ويهوي برأسه، فانه من شعار المتصوفة). هامش البحار: ج 70، ص 175، 176. ويجاب عليه – ولو اني لا أرى حاجة للجواب لولا تكرر هذه الخزعبلات منه في عدة مواضع من الكتاب الشريف – بعدة اجوبة منها: أولا: متى كان الخفق من شعار المتصوفة ؟ وفي أي كتاب يوجد هذا الشعار ؟ ! وهو أمر طبيعي لمن يقضي ليله بالعبادة وسهر التهجد أن تخفق عينه بالنهار. نعم الذين لم يعرفوا التهجد، ولم يرزقوا احياء الليل في العبادة، يعتبرون ذلك
أمرا غريبا. وثانيا: ما هو تحديد معنى الصوفي ؟ فهل أن كل عابد زاهد فهو صوفي في رأيه ؟ أم ان الصوفية مذهب خاص له افكاره وآراؤه ونظرياته في الوجود والواجب والمعاد والسير الى

[ 264 ]


= الله تعالى والسلوك إليه، والوسيلة إليه وغير ذلك. وهل أن كل ما عند الصوفية فهو قبيح سئ غير مقبول، حتى لو كان السهر في العبادة. انه لأمر غريب من اولئك الدخلاء. ولكن الأعجب منه ما يفعله بعض التجار بطبع تلك الخزعبلات وترويجها. والله تعالى هو المنجي الخلق من جهل الجاهلين وانتحال الضالين. وثالثا: أليست تلك الحقائق التي ذكرها الشاب العارف مذكورة في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أوصاف المتقين ؟ وإليك الخطبة لتعرف مطابقتها لمضامين الخبر: (فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم. ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت انفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا الى الثواب، وخوفا من العقاب، عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وانفسهم عفيفة. صبروا أياما قصيرة اعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم. ارادتهم الدنيا فلم يريدوها، واسرتهم ففدوا انفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا يحزنون به انفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا انها نصب اعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف
اصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا ان زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون الى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار اتقياء، قد برأهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم إلا القليل ولا يستكثرون الكثير… الخطبة الشريفة). ورابعا: هل يحق لكل أحد أن يستظهر ما يشاء كيف يشاء وما يشاء كما يذهب إليه ذلك القائل دون أن يحاسب عن الدليل والسبب. ان الاستظهار (وهو أن يقول القائل: الظاهر، والأظهر وما شابهها من العبارات) لابد وأن يكون مبتنيا على أساس علمي ودليل منطقي.

[ 265 ]

 

فهرس الكتاب