أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

كلمة المترجم
حول: موضوع الكتاب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

عندما نريد التعرف على الرؤية الاسلامية للكون والانسان والحياة فإننا لابد وأن ننطلق من أحد طريقين أولهما الطريق الأتم والأكمل الذي يبدأ الحركة النزولية بالنفوس النزولي من المبدأ الى الانسان، لأن الرؤية الاسلامية تؤكد على دور الانسان من الخلق والوجود بحيث اعتبرته خليفة الله عز وجل وأن الله تعالى
خلقه على صورته ولا يتم الإيمان بالله عز وجل وتوحيده إلا بالإيمان بالانسان الكامل (وهو النبي والأوصياء (عليهم السلام)).

والرؤية الثانية صعودية حيث تنطلق من الانسان لمعرفة الله عز وجل والتقرب إليه، وهذه الطريقة هي الاسلوب العام لهداية البشر، فقد بعث الله تعالى الانبياء وتبعهم بالائمة والاوصياء (عليهم السلام) وجعلهم القدوة للعالمين (1)، ويمكن لعامة الناس أن يتبعوا الرسل وأوصياءهم (عليهم السلام) ويقتدوا بهم ليتوصلوا الى القرب بعد


(1) قال تعالى في سورة
الاحزاب آية 21:
*
(لقد كان لكم في رسول الله اسوة
حسنة)

*. وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 4:
*
(قد كانت لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه)
*. وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 6:
*
(لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله
واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)
*.

[ 12 ]

المعرفة للحق تعالى: (من أراد الله بدأ بكم) (1).

والرؤية الاسلامية واحدة بكلا الطريقين، فإن المعادلة الفلسفية الكونية الاسلامية ترتكز على فهم العلاقة بين الله تعالى والانسان سواء كان انسانا كليا كاملا – وهم كمل الخلق – أو كان انسانا عاديا في طريق الكدح الى الله تعالى صعوديا أو تسافليا. والصعودي هم المؤمنون الذين يسعون جاهدين لارتقاء مدارج الكمال والتسافل (2) مختص بمن سلك الطريق المعاكس لاولئك السالكين. وفي الرؤية الاسلامية الكونية أن لموقع الانسان الكوني المركزي والمهم صار الانسان خليفة الله تعالى وصار حرا بسلوكه الفكري والحركي ومسؤولا عن عقائده وأعماله وتصرفاته وحركاته وسكناته. ولهذا الموقع المهم للانسان اهتمت العقيدة الاسلامية بتربيته ليكون أهلا
للمسؤولية الكبرى التي وقعت على عاتقه بادارة كثير مما خلق الله تعالى لأنه عز وجل سخر كل شئ له وجعله رهن ارادة الانسان وحركته كما نصت على ذلك كثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى: *
(ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) * (3).

ومنها قوله تعالى: * (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) * (4).

ومنها قوله تعالى: * (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين) * (5).

ومنها قوله تعالى: * (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره الى الارض التي


(1) الزيارة الجامعة الكبيرة / التهذيب: ج 6، ص 99. الفقيه: ج 2، ص 596.
(2) قال تعالى في سورة التين الآية 4 – 6: *
(لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) *.
(3) سورة لقمان: الآية 20.
(4) سورة الجاثية: الآية 13.
(5) سورة الانبياء: الآية 79.

[ 13 ]

باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين) * (1).

ومنها قوله تعالى متحدثا عن داود (عليه السلام): *
(إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب) * (2).

ومنها قوله تعالى متحدثا عن سليمان (عليه السلام): * (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * واخرين مقرنين في
الاصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)
* (3).

والانسان مجمع العوالم ومظهر الكمالات وقد صدق من قال:

وتحسب انك جرم صغير وفيك * انطوى العالم الأكبر (4)

وقد ساعدت العقيدة الاسلامية الانسان للتعرف على كيفية ترقيه الكمالي ليكون مؤهلا للتصدي الى موقعه الطبيعي الذي اراده الحق تعالى من خلقه له. كما أن الرؤية الاسلامية قد وضحت للانسان مفهوم الحياة التي اكسبته القدرة والحيوية والحركة والفعل، لأن الانسان بدون حياة غير قادر على الفعل والاختيار وغير قادر على القيام بالمهمات الكبرى وغيرها. إذ أن الحياة هي الجهاز المحرك للانسان.

ولكن: هل معنى ذلك أن مهمة الانسان ودوره سوف ينتهي بموته ؟ وينهدم كل شئ بناه عندما كان يتحرك وعندما كانت حياته معطاءة ؟

وهنا توضح الرؤية الاسلامية أن الانسان هو مركز التلقي للارادة الإلهية إما مباشرة – وهم الانبياء والرسل والمحدثون – وإما بواسطة، وهم باقي الناس. وتوضح أيضا أن الانسان هو مركز الحركة الكونية.


(1) سورة الانبياء: الآية 81.
(2) سورة ص: الآية 18 – 20.
(3) سورة ص: الآية 36 – 39.
(4) نسب هذا البيت من الشعر للامام علي (عليه السلام).. راجع الديوان المنسوب للامام علي (عليه السلام) جمع وترتيب عبد العزيز الكرم: ص 57.

[ 14 ]

كما أنها توضح أيضا أن الانسان خلق ليتحرك ويدير المركز الحركي الكوني بمعنى من المعاني الصحيحة التي لا مجال الى بيان تفصيلها في هذه العجالة، بل
بينت الرؤية الاسلامية – طبق نظام تفصيلي – المركز الحركي الكوني للانسان الكامل والانسان العادي، والعلاقات الكونية بالانسان وغير ذلك. كما أن النظام التفصيلي تعرض لشرح مفهوم الحياة للانسان باعتباره فاعل الحركة الكونية الكبيرة. وذكرت أن الانسان خلق ليبقى وأنه لا ينتهي ولا يفنى بمجرد أن تنتهي مهمته في هذه الدنيا (1) التي تشكل اولى المراحل الحياتية له.

واكدت على أن هذه الحياة مهمة في طريقه الحركي نحو الصعود والتكاثر، لأنها المكان الذي يستطيع أن يبني الانسان فيه موقعه في العوالم الاخرى التي سوف تلي هذه الدنيا التي يعيش فيها. ومن الفوارق الأساسية بين هذه الدنيا والعوالم الاخرى، هو أن الانسان جاء الى هذه الدنيا بغير اختياره وبدون طلب أو ارادة منه، ولكن سكناه في هذه الدنيا وبقاءه فيها انما هي بارادته. وأما العوالم الاخرى فانه سوف يعمرها ويدخلها بارادته ويختار موقعه في تلك العوالم بارادة تامة منه. وللانسان أن يبني تلك العوالم وهو في هذه الدنيا لأن (الدنيا مزرعة الآخرة) (2).


(1) روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه علل الشرائع: ج 1، ص 11 باب 9، ح 5 بسند صحيح عن مسعدة بن زياد. قال: قال رجل لجعفر بن محمد: يا أبا عبد الله، إنا خلقنا للعجب ؟ ! قال: وما ذاك، لله أنت. قال: خلقنا للفناء ؟ ! فقال: مه، يابن أخ ! خلقنا للبقاء، وكيف تفنى جنة لا تبيد، ونار لا تخمد، ولكن قل: انما نتحرك من دار الى دار. وروى الشيخ الطوسي في أماليه ج 1، ص 220، المجلس 8، ح 27 بإسناده الى أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في كلام له (عليه السلام): (أيها الناس إنا خلقنا واياكم للبقاء لا للفناء، ولكنكم من
دار الى دار تنقلون، فتزودوا لما انتم صائرون عليه وخالدون فيه).

(2) عوالي اللآلي لابن أبي جمهور: ج 1، ص 267، الفصل 10، ح 66.

[ 15 ]

فقد يولد الانسان في هذه الدنيا وبدون اختيار منه في عائلة غنية أو فقيرة، ولكنه قادر على أن يغير طريقة حياته في هذه الدنيا بارادته على ضوء حركته الذاتية فإنه *
(ليس للانسان إلا ما سعى) * (1) و *
(فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) * (2) وقال تعالى: *
(ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا) * (3).

وقال تعالى: *
(إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) * (4) وكذلك فان الانسان يولد في العوالم الاخرى بارادته ويحدد المكان والبيئة والموقع الاجتماعي فيها باختياره وهو في الدنيا، فان العوالم الاخرى انما تبنى بأعمال الانسان في هذه الدنيا التي يعيش فيها.

روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: جاء رجل الى أبي ذر، فقال: يا أبا ذر مالنا نكره الموت ؟ فقال: لانكم عمرتم الدنيا، وأخربتم الآخرة، فتكرهون ان تنقلوا من عمران الى خراب. فقال له: فكيف ترى قدومنا على الله ؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسئ فكالآبق يرد على مولاه… ” (5). *

وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: ” دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره، فقلت: يا أمير
المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئا مما يحتاج إليه البيت ؟ فقال (عليه السلام): ” يابن غفلة ! أن اللبيب العاقل لا يتأثث في دار النقلة، ولنا دار أمن


(1) سورة النجم: الآية 39.
(2) سورة الملك: الآية 15.
(3) سورة الاسراء: الآية 19.
(4) سورة طه: الآية 15.
(5) الكافي: ج 9، ص 458، ح 20.

[ 16 ]

قد نقلنا إليها خير متاعنا، وإنا عن قليل إليها صائرون.. ” (1).

وعلى ضوء الرؤية الاسلامية للانسان وللحياة وللكون فان حياة الانسان سوف لا تنتهي بموته، بل بالعكس فان هذه الحياة الاولى التي يعيش فيها ضيقة وصعبة، وسوف يتخلص من كثير من صعوباتها وضيقها بانتقاله الى العوالم الاخرى ولكن ذلك يعتمد على ما يبذله من جهد في بناء مواقعه الحياتية في العوالم الاخرى وهو في الدنيا. كما أنه سوف يعاني الامرين والأشد في تلك العوالم فيما إذا لم يهتم في هذه الدنيا ببناء عوالمه تلك لأنه قد يمكنه تجاوز كثير من الأخطاء العمدية في هذه الحياة الدنيا، ويمكنه أن يتخلص بالتواءاته من كثير من المواقف الحرجة والحسابات القانونية والاجتماعية، لأن هذه الدنيا هي دنيا العمل بلا حساب، وأما تلك العوالم فهي بالعكس تماما فلا ينفعه دهاؤه ولا تنفعه حيله، لأن تلك العوالم حساب بلا عمل، اضافة الى أن هذه الدنيا يحكمها الغموض ويسيطر عليها قانون التمويه لاختفاء الحقائق وراء مظاهر لا تمثلها ولا تمت إليها بصلة، ولكن العوالم الاخرى بعكس ذلك فهي عوالم الحقائق *
(فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم
حديد)
* (2).

وذلك اليوم * (يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون) * (3) والحقائق تكشفت، فيسعى الانسان جاهدا الى أن يتحرك ويعمل ليعوض عما سبق ويتخلص من الورطات الجديدة التي وقع فيها ولكنه لا يستطيع. ولذلك ففي الرؤية الاسلامية أن الحياة الحقيقية هي تلك الحياة التي سيعيشها الانسان بعد انتقاله إليها بعد بالموت، وقد عبر القرآن الكريم عن تلك الحياة *
(وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * (4) أي أن الانسان في تلك العوالم


(1) عدة الداعي لابن فهد الحلي: ص 109، باب 2. وعنه في البحار: ج 70، ص 321، 322.
(2) سورة ق: الآية 22.
(3) سورة القلم: الآية 42.
(4) سورة العنكبوت: الآية 64.

[ 17 ]

مملوء حياة وحركة، فإن لفظة الحيوان على وزن فعلان الذي يتضمن الكثرة والفوران، فالحياة الحقيقة المملوءة حيوية وحركة انما هي بعد الموت. ولو قرأت الروايات التي تحدثت عن تلك العوالم لرأيت أحداثا كثيرة جدا لابد له أن يمر عليها. الانسان وهو في هذه الدنيا يجهل تلك الأحداث والعوالم والمنازل، لأنه بعيد عنها مكانا وزمانا، فان المكان الذي يعيشه في هذه الحياة الدنيا يختلف عن المكان الذي سوف يعيشه في تلك العوالم *
(يوم تبدل الارض غير الارض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار) * (1).

وان الزمان الذي يحكمه في هذه الدنيا يختلف كليا عن الزمان الذي يكون في تلك العوالم فمن تلك الأيام ما تطول فتكون خمسين ألف سنة كما في قوله
تعالى: * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) * (2).

ومنها ما يقصر فيكون ألف سنة كما في قوله تعالى: * (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) * (3).

وقال تعالى: * (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * (4).

ولأهمية تلك الأحداث في حياة الانسان فقد جد للتعرف عليها بشتى الطرق والوسائل العلمية، وقد أثرت أهداف كل باحث في انتخاب طريقته الخاصة به للتعرف على تلك العوالم، فالفيلسوف مثلا يحاول أن يبحث بأدواته العلمية للتعرف على تلك العوالم لتتم في عقله ونفسه الصورة العقلية والفكرية عن الانسان والحياة والعوالم الغيبية الاخرى التي لم يدركها ببصره وحواسه. بينما ينهج الاخلاقي بدراسة تلك العوالم لأجل أن ينذر أو يبشر نفسه والآخرين الذين يهتم بوعظهم وصلاحهم، فيحسنوا ويصلحوا أحوالهم وأعمالهم.


(1) سورة ابراهيم: الآية 48.
(2) سورة المعارج: الآية 4.
(3) سورة الحج: الآية 47.
(4) سورة السجدة: الآية 5.

[ 18 ]

ومهما اختلف القوم فالمسألة ليست داخلة ضمن معدودات الترف الفكري، بل انها من المسائل الحياتية المهمة جدا سواءا نوقشت بالطريقة الفلسفية أو بالطريقة الأخلاقية أو غيرها.

وبما أن بداية العوالم الاخرى تبتدأ بالموت وتنتهي بالمعاد فلذلك كانت مسألة الموت والمعاد من المسائل المهمة التي عولجت بعدة طرق من البحث، فقد
اهتم بها الفكر الاسلامي والعقيدة الاسلامية فعدت خامس اصول الدين بعد التوحيد والعدل والنبوة والامامة، ولأهميتها فقد اهتم بها الفكر الفلسفي والكلامي الاسلامي وقد نوقشت قضايا المعاد لإثبات النشأة الآخرة وحشر الاجسام ونشر الأرواح والنفوس، والمعاد الجسماني، أو الروحاني، والبحث في بقاء النفوس وتجردها والنفوس التي تحشر والنفوس التي لاتحشر، وهل أن الاجسام التي ترزق المعاد هي تلك الاجسام التي أحسنت في الدنيا، وهي التي عصت الحق تعالى فيها، أم انها أجسام اخرى لم تكن في الدنيا ولم تحسن فيها ولم تسئ فيها.

وقد اتفق العلمان في بعض مسائلهما وقد اختلفا في مسائل اخرى كما هو ديدنهما، ولكن كالعادة لكل منهما طريقته بالاستدلال والبرهنه – وليس هنا محل الاطالة والاطناب والتفصيل – ولكن الشئ الذي لابد من الاشارة إليه هنا هو ان العلمين قد ناقشا قضايا الموت والمعاد من وجهة عقائدية طبق قوانين الاثبات، يعني أن قضايا الموت والمعاد التي نوقشت في هذين العلمين – وإن اختلف الحجم الكمي للمسائل أو الاسلوب الاستدلالي وطريقته – ولكنهما حصرا البحث بمقدار ما يرتبط بالاثبات أو النفي لما يراد معرفته، أو بما يتعلق بالعقيدة الاسلامية.

أما الفكر العرفاني الاسلامي فقد ركز اهتماماته على مسائل الموت والمعاد باعتبار أن بها يتحقق الوصول الى وطن سلوك العارفين (1)، وأن الموت وما بعده


(1) الوطن عند العرفاء هو محل هبوط الحقيقة التي تهوي إليها النفوس الكلية، وهو دار هجرة السالكين في طي منازل السلوك واعظمها هجرتهم من وجودهم الاعتباري والرحيل الى الوطن الحقيقي فيكون بالله بعد أن يفنى في الله تعالى.

[ 19 ]

غاية تجوهر نفوسهم ووصولها الى الغاية القصوى بلقاء الله تعالى. فان للسالك غايتان أقربهما غاية تجوهر النفس بقطعها وطيها المراحل
الاولى التي هي مقدمة الغاية القصوى، ولا يمكنه أن يحصل الغاية القصوى إلا بعد حصوله على الغاية الاولى والغاية القصوى هي لقاء الله تعالى. بينما الغاية الاولى هي لقاء أعماله وما كسبته يداه وتتم بالموت والمعاد، قال عز وجل: * (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا) * (1)

وصار الموت والقبر وما بعده والمعاد غاية اولى، لأن الانسان سوف يبعث كما مات لما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) انه قال: ” كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون “، وفي الخبر عنه (صلى الله عليه وآله): ” يبعث كل عبد على ما مات عليه ” وفي الخبر الآخر عنه (صلى الله عليه وآله): ” يموت الرجل على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه “.

وغاية السالك أن يبذل جهده لتقوم عليه قيامته وقد تحققت تمام انسانيته ليحشر يوم القيامة وهو انسان مبصر وقد ذكر أهل المعرفة انه لا يمكن للسالك أن ينال غايته القصوى بلقاء الله عز وجل إلا بعد ان تقوم عليه قيامات، وكلما تقوم عليه قيامة من قياماته في الاولى (2) فقد تمت له حركة من حركاته السلوكية – وذلك إذا امكنه أن يحافظ على مقامها أو يرتقي الى الأعلى منها الى حين تقوم عليه قيامته بموته الطبيعي – وانقضى عنه مقام من مقامات القرب، وإذا لم يتمكن السالك من طي تلك المقامات فإنه سوف يطويها – إن وفقه الحق تعالى وكان ذلك العبد محسوبا عنده تبارك وتعالى من السالكين – في الآخرة ولكنه سوف يطويها بالقهر والقوة والغلبة، بينما طويه لها في الاولى – لو وفق لها بلطفه تعالى وتوفيقه العبد للمجاهدات وقطع فيافي السلوك – سوف تكون على نحو آخر وقد يكون التوفيق الالهي نصيبه بأنه يطويها أو يطوي بعضها وهي خامدة باختلاف أحوال


(1) سورة الكهف: الآية 49.
(2) (الاولى) بالاصطلاح أوسع مفهوما من (الدنيا)، فإن الانسان السالك قد يكون في الاولى ولكنه لا يكون في هذه الدنيا ولا عكس.

[ 20 ]

السائرين ومقاماتهم. وتبتدئ القيامات بالقيامات الأنفسية وهي القيامة الأنفسية الصغرى ثم الوسطى، ثم الكبرى، وتنتهي بالقيامات الآفاقية (1)، وقد عبر الشيخ الكاشاني عن القيامة بمعناها العام انها: (الانبعاث بعد الموت الى حيوات أبدية) (2)، ويشير ب‍ (الحيوات) الى تعدد الحياة بعد تعدد القيامة، فإنه بعد كل قيامة حياة غير الحياة التي عاشها قبل قيامته تلك.

وقد قسمها الكاشاني الى ثلاثة أقسام:

أولها: الانبعاث بعد الموت الطبيعي الى حياة أحد البرازخ العلوية أو السفلية بحسب حال الميت في الحياة الدنيوية لقوله (عليه السلام): ” كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون “. وهي القيامة الصغرى المشار إليها في قوله (عليه السلام): ” من مات فقد قامت قيامته “.

وثانيها: الانبعاث بعد الموت الارادي الى الحياة القلبية الأبدية في العالم القدسي، كما قيل مت بالارادة تحيا بالطبيعة. وهي القيامة الوسطى، المشار إليها في قوله تعالى: *
(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا…) * (3).

وثالثها: الانبعاث بعد الفناء في الله الى الحياة الحقيقية عند البقاء بالحق. وهي القيامة الكبرى المشار إليها بقوله تعالى *
(فإذا جاءت الطامة الكبرى) * (4) (5).

فالقيامة لا تبتدأ عند أهل المعرفة من موت الانسان الطبيعي وانما هي معه في


(1) قد وضحنا ذلك في شرحنا على رسالة السير والسلوك المنسوبة الى الآية العظمى السيد
محمد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم (قدس سره): 1155 – 1212 ه‍ ق.

(2) اصطلاحات الصوفية للشيخ كمال الدين عبد الرزاق القاشاني: ص 146.
(3) سورة الانعام: الآية 122.
(4) سورة النازعات: الآية 34.|
(5) اصطلاحات الصوفية للقاشاني: ص 146.

[ 21 ]

الحياة الدنيا، ووفقا لهذا القانون الكوني فإنهم يثبتون ان الجنة والنار تلازم صاحبها في هذه الدنيا ابتداءا من جنة الأعمال ونار الأعمال ولكن قد حجبتهما الحجب الظلمانية عند الانسان فلا يراهما إلا بعد الممات، وذلك لأنه يتخلص من الحجب الظلمانية واغلظها الجسم العنصري الذي حبس روحه ونفسه وعقله فيه فلم ير الحقائق إلا بعد أن يتخلص منه وينطلق في العوالم الاخرى التي تسكن إليها وفيها الأرواح والنفوس فتنكشف لها بعض الحقائق الكبرى طبق المواصفات النسبية مع التكامل الروحي والنفسي لكل إنسان. وأما نار الأعمال وجهنمها في هذه الدنيا وكذلك جنة الأعمال وفردوسها فهي محجوبة عن الناس إلا النفوس الكلية والنفوس القوية التي منحها الحق تعالى قدرة رؤية تلك الحقائق. واستشهد على هذه الحقيقة بعدة آيات منها قوله تعالى: *
(يستعجلونك بالعذاب وان جهنم لمحيطة بالكافرين) * (1)

وقوله تعالى: *
(احاط بهم سرادقها) * (2).

فالمقصود بالاحاطة هي الاحاطة المطلقة ابتداءا من هذه الدنيا الى ذلك العالم الآخر والعوالم التي تلي عالم الحياة الدنيا. كما ان هناك نصوص كثيرة جدا تشهد على هذه الحقائق يحتاج تفصيلها الى بحوث مستقلة.
ولم ينكر أهل المعرفة تلك العوالم التي يلاقيها الانسان بعد موت جسمه بل العكس من ذلك فإنهم يعتبرون أن الارواح عندما تتجرد عن أجسامها تكون أقدر على معرفة تلك الحقائق الثابتة، وحينئذ فمن الطبيعي أن تكون النفوس التي قطعت القيامات الأنفسية أقدر على ادراك القيامات الافاقية، ولذلك فهي تكون أسرع في قطع القيامات التي قطعتها في الاولى، وسوف تمر بها كالبرق الخاطف، وقد أشارت الى هذه الحقائق مجموعة من الروايات الشريفة فمنها الروايات التي


(1) سورة العنكبوت: الآية 54.
(2) سورة الكهف: الآية 29.

[ 22 ]

وردت لأخذ الاستعداد والتهيؤ لدخول القبر، لأن الانسان قادم على عالم لم يدخله من قبل ولم يتعرف عليه. *

روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن محمد بن عجلان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ” لا تفدح ميتك بالقبر ولكن ضعه أسفل منه بذراعين، أو ثلاثة، ودعه يأخذ اهبته ” (1). *

وروى عنه بإسناده عن يونس قال: حديث سمعته عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ما ذكرته وأنا في بيت إلا ضاق علي، يقول: ” إذ أتيت بالميت شفير قبره فامهله ساعة فانه يأخذ اهبته للسؤال ” (2). *

وروى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في تهذيب الأحكام بمضمرة أبي عطية قال: ” إذا أتيت بأخيك الى القبر فلا تفدحه، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ اهبته ثم ضعه في لحده… ” (3).

وذكر الصدوق (رحمه الله) في الفقيه قال: ” وإذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لأن للقبر أهوالا عظيمة ويتعوذ حامله بالله من هول المطلع، ويضعه قرب شفير
القبر، ويصبر عليه هنيئة ثم يقدمه ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ثم يقدمه الى شفير القبر ” (4).

والرواية صريحة بان روح الميت المجردة تدرك ما لم تدركه في هذه الحياة الدنيا. وقد يكون الانسان قد تعرف على هذا المنزل من خلال مجاهداته ورياضاته النفسية والروحية، ولكنه يبقى غير واصل الى مقام حساب منكر ونكير فلذلك فعليه ان يستعد لحسابهما، وأما لو كان ذلك الانسان قد جاهد نفسه وقطع ذلك


(1) الكافي: ج 3، ص 191، كتاب الجنائز، باب (في وضع الجنازة دون القبر)، ح 1.
(2) الكافي: ج 3، ص 191، كتاب الجنائز، باب (في وضع الجنازة دون القبر)، ح 2.
(3) تهذيب الاحكام للطوسي: ج 1، ص 312، باب 13، ح 75، ورقم الحديث العام 907.
(4) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج 1، ص 107، تحت الرقم 44، والرقم 497، باب 25 (الصلاة على الميت).

[ 23 ]

المنزل بمجاهداته في الاولى فحينئذ يكفى حسابهما كما دلت عليه الروايات التي أشارت بعضها الى الأعمال التي تدفع هول حساب منكر ونكير (1).

وهكذا بالنسبة للمنازل البرزخية الاخرى، وحتى هول يوم القيامة وما فيه من مواقف يمر بها الانسان فإن كان قطعها في الاولى فإنه يكفاها في الآخرة، وقد وضحت هذه الحقيقة مجموعة من الروايات منها التي وردت في الصراط فانه ان كفيه الانسان في الاولى فانه يمر عليه يوم القيامة كالبرق الخاطف. وحتى جهنم ولزوم المرور عليها والورود فيها الذي نص عليه القرآن الكريم بقوله تعالى: *
(وان منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) * (2)، فان هناك من لا يمر عليها بالآخرة، لأنه مر بها وعليها في الاولى، كما ورد عن جابر بن عبد الله
الانصاري (رحمه الله) ان النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عنه (3) فقال: ” إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا ان نرد النار ؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة ” (4).


(1) منها ما رواه الصدوق
(رحمه الله) في كتاب (فضائل الشيعة): ص 46، ح 1، بإسناده عن ابن عمر قال: سألنا
النبي (صلى الله عليه وآله) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فغضب (صلى الله عليه
وآله) ثم قال: والحديث الشريف طويل، الى ان يقول: ” ألا ومن أحب عليا بعث الله إليه
ملك الموت كما يبعث الى الانبياء، ودفع الله عنه هول منكر ونكير، وبيض وجهه، وكان
مع حمزة سيد الشهداء.. الحديث “. وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله) قال: ” ألا
ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير.. “. رواه الزمخشري في
الكشاف: ج 4، ص 220، في تفسير الآية 23 من سورة الشورى. ونقله المجلسي في البحار: ج
23، ص 233، وفي: ج 27، ص 111، عن الكشاف نقله الرازي في تفسيره، والسيد ابن طاووس
في الطرائف، وفي البحار: ج 68، ص 137، ح 76، عن جامع الاخبار.

(2) سورة مريم: الآية 71.
(3) يعني سئل عن قوله تعالى: *
(وان منكم إلا واردها
كان على ربك حتما مقضيا)
*.
(4) تفسير البيضاوي: ج 3، ص 61، في تفسير الآية 71 من سورة مريم. ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 8، ص 250.

[ 24 ]

* وروى الفيض الكاشاني (رحمه الله): لما سئل بعض أئمتنا (عليهم السلام) عن عموم الآية المذكورة فقال: ” جزناها وهي خامدة ” (1).

واما إذا لم يقطع الانسان تلك المنازل في الاولى فانه مضطر لا محالة الى
قطعها بعد تجرد روحه وموته وانقطاعه عن الجسم العنصري، لأنه حين انكشاف ماغطي عليه، ويرى كل ماكان يسمع به كما قال تعالى: *
(فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) * (2) فعندما تقوم قيامته الصغرى وقيامته الكبرى فسوف يرى تلك المنازل – التي لم يقطعها ولم يتعرف عليها أو لم يصدق بها – رأي العين، وعليه أن يقطعها ولكنه يتحمل صعوبة ومشاق كسله في الاولى، أو جهله، أو عناده وكفره، فسوف يمر عليها جاهلا ويقع فيها مظلما، لأنه لم يهيئ لسفره هذا نورا يمشي به وفيه عندما يدخل الآخرة فلذلك تجده أعمى بلا هادي ولا دليل كما قال تعالى: *
(ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى واضل سبيلا) * (3).

وقال تعالى: * (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى * قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) * (4).

وقال تعالى: * (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * (5).

والعرفاء الصالحون اعتبروا قطع تلك المنازل في الاولى السبب الاساس لقطع تلك المنازل في الآخرة بيسر وسهولة، لأنهم رأوا من أخبر به النص الشريف من ضرورة الاعداد لسفر الآخرة ومنازله ومواقفه، ولا يتم ذلك الاعداد إلا بمعرفة السفر ومعرفة مراحله ومنازله وأخذ العدة لكل مرحلة ولكل منزل ثم يسير تلك المنازل منزلا فمنزلا وموقفا فموقفا وقطعها في الاولى بالمجاهدات والرياضات كما اخبر به الهادي، وان اتباع الهادي في الاولى سوف يؤمن وجوده في الآخرة


(1) علم اليقين: ج 2، ص 971، المقصد الرابع، الباب 9، الفصل 2 (في معنى الصراط).
(2) سورة ق: الآية 22.
(3) سورة الاسراء: الآية 72.
(4) سورة طه: الآية 123 – 126.
(5) سورة النور: الآية 40.

[ 25 ]

ويقطع تلك المراحل بهديه وهدايته وبنوره وحضوره كما دل عليه العقل والنص الشريف المتواتر عند جميع طوائف المسلمين بوجوب طاعة النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة الاثني عشر من بعده (عليهم السلام). وليس معنى ذلك أنه لا يوجد عذاب القبر ولا يوجد حساب القبر وضغطته والبرزخ وغير ذلك، بل العكس تماما فعلى المؤمن أن يؤمن بالموت الحقيقي وعذاب القبر ومسألة منكر ونكير والمعاد الجسماني. قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ” اعتقادنا في المسألة في القبر انها حق ” (1).

وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): ” جاءت الآثار الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم ” (2).

ولكن لكل واحد من تلك الامور مقامات وحالات تختلف باختلاف مقامات وحالات الانسان نفسه الذي يمر بها. وطريقة العرفاء بمعرفة أحوال الموت وما بعده انما هي شرح للأحاديث الشريفة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، وليس فيها أكثر من ذلك. وإذا وجد في كلام أحد منهم – اعوذ بالله تعالى – غير ذلك فهو غير صحيح قطعا وانما هو من تخيلاته. فانك تجد المعارف الجليلة التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) مشروحة عند من رزقه الله تعالى تلك المعارف. ولا يصح لأي عارف أن يحصل على تلك المعارف والعلوم إلا من طريق أهل البيت (عليهم السلام) ” من أتاكم نجى ومن لم يأتكم هلك الى الله تدعون وعليه تدلون وبه تؤمنون وله تسلمون وبامره تعملون والى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون، سعد من والاكم، وهلك من عاداكم
وخاب من جحدكم، وضل من فارقكم، وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم، وسلم من صدقكم، وهدي من اعتصم بكم، من اتبعكم فالجنة مأواه، ومن خالفكم فالنار مثواه، ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك، ومن رد عليكم في اسفل


(1) تصحيح الاعتقاد: ص 77.
(2) المصدر السابق.

[ 26 ]

درك من الجحيم.. ” (1).

وكذلك: ” من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم.. ” (2).

نعم ان طريقة أهل المعرفة تختلف عن طريقة الفلاسفة والأخلاقيين بفهم الحقائق، لأنهم يعتمدون على المشاهدة الصحيحة التي تحصل بعد المجاهدات السلوكية فتنكشف لهم الحقائق ويرونها بالضبط كما وردت عن الشارع الحكيم سلام الله عليه، وهي نفس النتائج التي يحصل عليها الفيلسوف عندما يستخدم القوانين العقلية والاسس المنطقية، ولكن الفرق بينهما هو في الاقناع العقلي والمشاهدة العقلية والتي تسمى بالمشاهدة القلبية أيضا. وألطف بيان لهذه الحقيقة


(1) لا تغفل ان توحيد الحق تعالى الصرف لا يتوفر إلا لمحمد وآل محمد (عليهم السلام) كما ورد في الروايات المستفيضة. منها ماروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): ” يا علي ما عرف الله إلا انا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وانا “. مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن الحلي: ص 125. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: ” يا علي، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري “. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج 3، ص 267 – 268، في (فصل: في المفردات). ونقله المجلسي في البحار: ج 39، ص 84.
وانتبه وتدبر واعرف واعلم ان أركان التوحيد هي معرفتهم صلوات الله عليهم جميعا كما ورد في الروايات المستفيضة منها: ما رواه الصدوق بسند صحيح في معاني الأخبار عن أبي حمزة الثمالي عن سيد العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل قال فيه: ” ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سره “. وروى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن الامام الرضا (عليه السلام): “.. فإنهم معادن كلماتك وأركان توحيدك.. ” مصباح المتهجد: ص 366. ورواه السيد ابن طاووس في جمال الاسبوع: ص 506 – 511، الطبعة الحجرية. وفي: ص 512 – 519. ورواه الكفعمي في المصباح: ص 548 الطبعة الحجرية.

(2) راجع الزيارة الجامعة المروية عن الامام الهادي (عليه السلام) في التهذيب للشيخ الطوسي: ج 6، ص 98. وفي من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج 2، ص 372. ورواها الصدوق في عيون أخبار الرضا: ج 2، ص 274. ونقلها المجلسي في البحار: ج 102، ص 129، 130.

[ 27 ]

ما نقل عن ابن سينا وأبي سعيد (ان الرجلين تلاقيا في موضع، فلما افترقا، سئل كل منهما عن صاحبه، فقال الشيخ أبو سعيد: ما أنا اراه هو يعلم. وقال الشيخ أبو علي: ما اعلمه هو يراه..) (1).

وأما اختلاف طريقة أهل المعرفة عن طريقة الأخلاقيين ان اولئك يشرحون أحوال الانسان وسلوكه وفق ما جاء به التنزيل وطبق قوانين السير والسلوك النظري والعملي بتكميل قلب الانسان ليصل بالأحوال والمقامات بحيث يكون قادرا على تلقي الفيوضات الالهية والمعارف الكلية لتطهير روحه وقلبه وعقله من كل غريب ونجس واخلاص نفسه للتوحيد الصرف ولقاء الحق عز وجل، وعرفوا قوانين الوجود التكوينية ورأوا رأي العين وادركوا خفاياها وأسرارها، وكلها خفايا وأسرار. والعرفان فلسفة كاملة فيها جميع الاجوبة الثبوتية عن كل شئ ولا يوجد العرفان في ورق ولا في كتاب وانما هو في قلب العبد
المؤمن كما ورد في النص الشريف في الحديث القدسي: ” لم تسعني سمائي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ” (2).

كما أن العرفان العملي هو المدرسة السلوكية للانسان الطالب أو السالك أو الواصل لايصاله الى غايته الاولى والقصوى، ولا يتم له ذلك بالنظري قطعا وانما لابد من العمل والكدح كما ورد في الروايات المستفيضة عن الامام الصادق (عليه السلام): ” العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه وإلا ارتحل عنه ” (3).

وعن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ” ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا ” (4).

وعن الامام السجاد (عليه السلام) انه قال: ” مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم


(1) روضات الجنات: ج 3، ص 184.
(2) راجع المحجة البيضاء: ج 5، ص 26، وفيه (أرضي ولا سمائي). البحار: ج 58، ص 39.
(3) الكافي: ج 1، ص 44، (باب استعمال العلم)، ح 2.
(4) المصدر السابق.

[ 28 ]

مالا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدد من الله إلا بعدا ” (1).

وأما طريقة الأخلاقيين فانها تعتمد على الأساليب الوعظية والتنبيهية ويستفيدون من القصة كاسلوب خطابي يشد السامع أو القارئ الى تذكر الله عز وجل، كما انهم يستشهدون بالروايات والآثار والمنقولات والمسموعات لأجل تلك الغاية الكريمة. وطريقة الأخلاقيين مفيدة جدا للعامة لتقويمهم وارجاعهم الى الطريق
المستقيم وتعريفهم بالصحيح والخطأ، ولكنها غالبا ما تكون مؤقتة بزمان الموعظة وما بعدها بفترات محدودة باختلاف حالات السامعين والقارئين، لأن طريقة الأخلاقيين لا تدخل الى عمق الانسان وتعرف مقامه ثم ترقيه مرقاة فمرقاة وتزيل الملكات الظلمانية وتحييه بالملكات النورانية وترقيه في مدارج الكمال كما تفعله الطريقة العرفانية. اضف الى ذلك أن الأخلاقيين غالبا ما يستخدمون اسلوبا واحدا في الوعظ لمجاميع مختلفين في الأحوال والملكات والمقامات بل غالبا ما يستخدمون اسلوبا واحدا مع الانسان في جميع أحواله وملكاته بينما أن لكل انسان واردات واحوال ومقامات تختلف باختلاف مجاهداته.

وعلى كل حال فاننا لا نريد هنا أن نبين جميع خصوصيات الطريقة العرفانية وطريقة الأخلاقيين، وانما أردنا أن نوضح ان هناك فوارق عدة بين الطريقتين، وكليهما مفيدة بل أن العرفاء وأهل السير والسلوك لا يستغنون عن استخدام الاسلوب الاخلاقي في تكميل النفوس خصوصا في مخاطباتهم للعامة، فانه أجدى لمثل ذلك المقام عند الخطاب لعامة الناس وأنفع. ولكن هناك مؤاخذة اخرى على الاسلوب الاخلاقي لفهم قضايا الموت والعالم الآخر اضافة للملاحظة السابقة بانه يهتم بالجانب التحذيري والتخويفي بذكر الأهوال، والمصاعب التي سوف يلاقيها الانسان ابتداءا من سكرات الموت


(1) المصدر السابق.

[ 29 ]

فما بعدها، مما يولد عند الانسان السامع أو القارئ حالة من الرهبة والخوف فتعكس على شخصيته فتؤدي في أحيان كثيرة الى حالة تشاؤمية وقد توقعه بالانعزال عن الحياة العامة وتعميق الشعور الفردي وإلانزوائي واللاابالية عنده فيخرج من قانون السلوك المتوازن الى حالة التطرف الواحدي.
وبالتأكيد فان أي باحث موضوعي لا يمكنه أن يطرح الأحكام بشكل قطعي وعمومي في مثل هذه الحالات التي تتعرض لموضوع واسع وشائك، فإن الاسلوب الأخلاقي يختلف من شخص لآخر، وقد تكون الملاحظة المتقدمة ظاهرة عند أغلب الأخلاقيين ولكنها لا تصلح أن تبقى بلا استثناء، مع اني أظن ان الملاحظة لم تخلو من مبالغة وتضخيم وإن كانت بشكل عام لم تخلو من واقعية، بل ان الاسلوب التخويفي للانسان المكلف ضروري لتقويمه واعادته لجادة الصراط المستقيم، وقد رأينا الكتاب الكريم قد هدد العباد وحذرهم وأوعدهم بما يجري عليهم بعد هذه العوالم منها قوله تعالى: *
(واياي فارهبون) * (1).

وقال تعالى: *
(ويحذركم الله نفسه والى الله المصير) * (2).

وقال تعالى: * (قل اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم) * (3).

وكذلك كان موقف السنة المطهرة فقد روى الكليني (رحمه الله) في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ” من خاف الله أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شئ ” (4).

وروى أيضا بإسناده عن اسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ” يا اسحاق خف الله كأنك تراه وان كنت لا تراه فانه يراك، فان كنت ترى انه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك ” (5).


(1) سورة البقرة: 40.
(2) سورة آل عمران: الآية 28.
(3) سورة الانعام: الآية 15.
(4) الكافي: ج 2، ص 68، كتاب الإيمان والكفر، باب (الخوف والرجاء)، ح 3.
(5) المصدر السابق.

[ 30 ]

وروى أيضا بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ” المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف ” (1).

وأجاد العلامة المازندراني في شرح معنى الخوف الذي ورد في هذه الروايات الشريفة حيث قال: (الخوف حالة نفسانية موجبة لتألمها بسبب توقع مكروه سببه ممكن الوقوع أو توقع فوات أمر مرغوب فيه، ولو كان وقوع سببه معلوما، أو مظنونا ظنا غالبا يسمى ذلك انتظار المكروه أيضا كما يسمى خوفا، والتألم فيه أزيد. وأما الخوف والتألم بسبب توقع مكروه علم قطعا عدم وقوع شئ من أسبابه فذلك وسواس وماليخوليا… وسبب الخوف من الله معرفته، ومعرفة جلاله، وعظمته، وكبريائه، وغنائه عن الخلق، وغضبه، وقهره، وكمال قدرته على الخلق، وعدم مبالاته بتعذيبهم واهلاكهم، ومعرفة عيوب نفسه، وتقصيره في الطاعات والأخلاق، والآداب مع التفكر في أمر الآخرة وشدائدها. وكلما زادت تلك المعارف زاد الخوف وثمرته في القلب والبدن والجوارح، إذ بالخوف يميل القلب الى ترك الشهوات، والندامة على الزلات، والعزم على الخيرات، ويخضع ويراقب، ويحاسب، وينظر الى عاقبة الامور، ويحترز من الرذائل كالكبر والحسد والبخل، ويذبل البدن، ويصفر اللون من الغم والسهر، وتشتغل الجوارح بوظائفه ويحصل له بترك الشهوات العفة والزهد، وبترك المحرمات التقوى، وبترك ما لا يعني الورع والصدق والاخلاص، ودوام الذكر والفكر، ويترقى منها الى مقام المحبة، ثم منه الى مقام الرضا…) (2).


(1) المصدر السابق ص 71.
(2) شرح اصول الكافي وروضته للعلامة محمد صالح المازندراني المتوفي سنة 1081 ه‍ أو 1086 ه‍: ج 8، ص 205 – 206.

[ 31 ]

(والخوف غير القنوط) (1).

وان الاشكال المتقدم انما هو على القنوط وليس على الخوف، لأن الخوف لم يترك الأمل وهو الرجاء، بل يقف الى جانبه يوازنه، لأن الأمل – الرجاء – بلا خوف معناه الغرور والحماقة. وعلى كل حال فالخوف اسلوب مطلوب لتأديب النفس ولكنه لابد وأن يلازمه الرجاء ليتوازن ميزان النفس فلا افراط ولا تفريط، فكلما ازداد الخوف ازداد الرجاء والأمل. وعلى السالك أن ينتبه الى حالة الخوف أن لا تكون ملكة نفسانية عنده، وكذلك الرجاء، بحيث يكونا الداعي الى عبادته تعالى، كما يلزم المرشد أن ينتبه في وعظه وارشاده وهديه أن لا يكون تأكيده على الخوف والرجاء بحيث تكونا ملكة عند من يرشده ويعظه. فان حالة الخوف وحالة الرجاء مع أهميتهما لاستقامته ولكنهما ليستا غايتين تامتين، وانما الغاية التامة أن يكون السالك يعبد الحق لغاية اسمى وهي ارادته للحق عزوجل ومعرفة معنى العبودية والمعبود والعابد والعبادة ليتم معنى الشكر كما في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام): ” الهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا طمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ” (2).

وفي رواية اخرى عنه (عليه السلام): ” ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ” (3).

وفي نهج البلاغة عنه (عليه السلام) قال: ” ان قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة
التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار ” (4). z z z


(1) المصدر السابق.
(2) راجع البحار: ج 41، ص 14.
(3) راجع البحار: ج 7، ص 186. وفي: ص 197. وفي: ص 234. وفي: ج 72، ص 278.
(4) نهج البلاغة شرح محمد عبده: ج 4، ص 53.

[ 32 ]

وعلى كل حال فقد أصاب بعض الباحثين عندما جمع بين الطرق الثلاثة – الفلسفية والعرفانية والأخلاقية – في عرض تلك العوالم المهمة من حياة الانسان، فان لكل طريقة خصوصياتها المتميزة التي تساعد الانسان للتعرف عليها.

 

 

فهرس الكتاب