أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

كتاب منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

ويدخل كتاب (منازل الاخرة) للعلامة الثقة المحدث الشيخ عباس القمي (قدس سره) في ضمن الكتب الأخلاقية المهمة التي تحدثت عن العوالم التي سوف يلاقيها الانسان بعدما ينتهي من هذه الحياة الدنيا التي عاشها، وقد أجاد المؤلف (رحمه الله) في استقصائها بشكل منظم ومرتب ابتداءا من سكرات الموت، وانتهاءا بدخول الجنة أو النار، خصوصا انه اعتمد فيها على ما جاء عن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وقد حاول جاهدا أن يبتعد عن ما نقله الآخرون من خرافات الصوفية أو قصص الاسرائيليات والوضاعين التي شحنت بها الكتب الأخلاقية المؤلفة بهذا المجال ككتاب الاحياء، وغيره. كما أن المؤلف القمي (رحمه الله) أجاد عندما لم يطنب بالتخويف بل أوجز بما يؤدي الغرض الوعظي والتأديبي وانه أحسن كثيرا عندما أضاف (المنجيات) من تلك
المصاعب والأهوال الى جنب الأهوال التي سوف يقع بها الانسان في الآخرة.

ويتبين بموضوع المنجيات بنحو من الأنحاء ما بيناه سابقا عندما تحدثنا عن الطريقة العرفانية بفهم عوالم الآخرة بانها أحوال القيامات التي يراها الانسان في قياماته الأنفسية في الاولى وقبل الدخول في الآخرة.

وان المؤلف (رحمه الله) قد استخدم الاسلوب الصحيح في موعظته حينما استفاد من الخوف والرجاء الذي ورد في الروايات وأكدت عليه الأحاديث الشريفة بضرورة توفرهما جميعا بقلب المؤمن ليحصل على النجاة بسلوكه الرباني منها: ما رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: ” كان أبي (عليه السلام) يقول: انه ليس من عبد مؤمن إلا في قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء،

[ 33 ]

لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا ” (1).

وروى الكليني أيضا في الكافي الشريف بإسناده عن الحسن بن أبي سارة قال: ” سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو ” (2).

قال المجلسي (رحمه الله): (لابد أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء لا يغلب أحدهما على الآخر إذ لو رجح الرجاء لزم الأمن لا في موضعه، وقال تعالى: *
(أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) * (3).

ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك كما قال سبحانه: * (انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) * (4).

وقيل: يستحب أن يغلب في حالة الصحة الخوف، فإذ انقطع الأجل يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه إذ هو سبحانه الرحمن الرحيم،
ويحب الرجاء. وقيل ثمرة الخوف: الكف عن المعاصي، فعند دنو الأجل زالت تلك الثمرة فينبغي غلبة الرجاء. وقال بعضهم: (الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة، وانما هو من الامور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي، وفعل الطاعات مادامت في دار العمل. وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه. وأما الرجاء فإنه باق أبدا الى يوم القيامة لا ينقطع، لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشد لأن خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لاتبيد ولا تنقص..) (5).


(1) الكافي: ج 2، ص 67.
(2) الكافي: ج 2، ص 70.
(3) سورة الاعراف: الآية 99.
(4) سورة يوسف: الآية 87.
(5) مرآة العقول للعلامة المجلسي: ج 8، ص 32.

[ 34 ]

وقد علق المجلسي (رحمه الله) بقوله: (والحق أن العبد مادام في دار التكليف لابد له من الخوف والرجاء. وبعد مشاهدة امور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها) (1).

* ولكن مع ذلك فإن المؤلف (رحمه الله) قد خالف طريقته حيث ركز في آخر الكتاب على الخائفين وامثلتهم، ولم يذكر من أحوال الرجاء والجنة ووصفها شيئا ليتوازن الخوف بالرجاء، ولذلك ارتأينا ان نذكر مقتطفات من المأثور في الرجاء
والجنة ليكون قلب القارئ مستقيما في ميزانه. خصوصا انك قد قرأت قبل قليل ما نقله العلامة المجلسي (رحمه الله) عن بعضهم انه كان يقول: (يستحب أن يغلب في حالة الصحة الخوف، فإذا انقطع الأجل يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه إذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء… الخ) (2).

وقد رأينا ان الأنسب أن نلحق تلك الروايات حول الجنة بفصل في آخر الكتاب تحت عنوان (ذكر عدة اخبار في وصف الجنة ونعيمها). هل للآخرة منازل ؟ ان للآخرة منازل تبتدئ من منزل الموت ثم القبر وأحواله والبرزخ والحشر والنشور والحساب والعرض والصراط والميزان والشفاعة ومنازل النيران ومنازل الجنة وما الى ذلك.

وقد فصل العلامة السيد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107 أو 1109 ه‍. ق الحديث عن جميع تلك المنازل وغيرها في كتابه معالم الزلفى. أما المؤلف القمي فانه اختصر تلك المنازل في كتابه الكريم (منازل الآخرة)، وأجاد بجمعها وعرضها بما يمكن لكل انسان أن يقرأ ويتعرف على تلك العوالم


(1) المصدر السابق.
(2) راجع نهج البلاغة: ج 2، ص 183، تحقيق محمد عبدة، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 11، ص 5. الارشاد للشيخ المفيد: ج 1، ص 234، الطبعة المحققة. ونقله المجلسي في البحار: ج 73، ص 106، ح 102. وفي: ج 73، ص 134، ح 138.

[ 35 ]

ويستفيد منها بشكل مختصر مفيد. وقد استلهم المؤلف (رحمه الله) عنوانه هذا من الروايات الشريفة التي تحدثت عن تلك العوالم، منها ما ذكره هو في مقدمة هذا الكتاب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان
ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم للمنام، بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس ” تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل، واقلوا العرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد فان امامكم عقبة كؤودا ومنازل مخوفة مهولة لابد من الورود [ المرر. خ. ل ] عليها والوقوف عندها [ عليها. خ. ل ] “.

والمنزل جمعه منازل وهو مكان النزول ويطلق على الدار أيضا، وقد سميت أماكن نزول القوافل والمسافرين منازل أيضا، كما انها تطلق على مسافة معينة من الطريق.

فهرس الكتاب