أخبار عاجلة
الرئيسية » المكتبة الإسلامية » مكتبة الأخلاق الإسلامية » منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

Print Friendly, PDF & Email

[ A+ ] /[ A- ]

[ 37 ]

ضرورة ذكر الموت:

اضافة الى أن طريقة أهل البيت (عليهم السلام) ألزمت المؤمن – كما توضحه الروايات الشريفة – أن يعيش الموت ويديم ذكره له ليعد ليومه ذلك الذي ينتظره لا محالة، فان انحراف الانسان عن الجادة المستقيمة ينشأ من الطغيان الذي يعتريه، وقد يصل به الى مستوى بحيث يعمى عن كل الحقائق وما يحيط به، ولا تنفعه لتخفيف نسبة طغيانه وغروره كل النصائح والتوجيهات لأن طغيانه قد يكبر عليها ولكنه يصطدم بصخرة تتكسر عليها كل مراتب الطغيان والغرور وهي صخرة الموت وما بعد الموت، وقد صور كتاب الله المجيد هذه الحقيقة بقوله تعالى: *
(ان الانسان ليطغى * ان رآه استغنى * ان الى ربك الرجعى) * (1).

فمهما اعتور الانسان الموحد (2) من الطغيان والغرور والانحراف عن الأوامر


= ص 97، المجلس 23، ح 8. ونقله عنه في البحار: ج 71، ص 263، ح 1). * وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في خطبة خطبها بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بتسعة أيام: ” وان من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، لن ينجو من الموت غني بماله، ولا فقير لاقلاله.. ” (الامالي للصدوق: ص 263 – 264، المجلس 52، ح 9. ونقله عنه في البحار: ج 71، ص 263، ح 2). * وروى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن أبي اسحاق الهمداني قال: لما ولى أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) محمد بن أبي بكر مصر واعمالها كتب له كتابا، وامره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصاه به فيه… وكان من جملة ما جاء فيه: ” يا عباد الله ان الموت ليس منه فوت، فاحذروه قبل وقوعه، واعدوا له عدته، فانكم طرد الموت، إن اقمتم له اخذكم، وإن فررتم منه ادرككم، هو الزم لكم من ظلكم.. ” (الأمالي للطوسي: ص 27. ونقله عنه في البحار: ج 71، ص 264، ح 6.

(1) سورة العلق: الآية 6 – 8.
(2) أما الانسان الملحد فإن رؤيته لله وللاخرة لا تقل عن رؤية الموحدين لأنه يحس بفطرته وجود عالم آخر بعد انتهائه من رحلته في عالم الدنيا كما أن جميع القوانين العقلية تنص عليه. ومهما أنكر الملحد بطغيانه حقائق الوجود والعلة فانه يعترف أن لحياته نهاية، ولكنها نهاية لمشوار قطعه وعرف شيئا من مجرياته، وبقيت الغازه واسراره تحتاج الى توضيح وشرح وهو يقر بباطن نفسه أن لتلك الالغاز والاسرار اجوبة، ولا يوجد لغز أو سر يبقى في الكتمان وانما لابد له من يوم يظهر ويعرف، ولذلك فهو يقر بقرارة نفسه أن هناك يوما =

[ 38 ]

الالهية فهو يعلم جازما انه لا محالة من موته ورجوعه الى الحق عز وجل وسوف يحاسبه على جميع القضايا التي صدرت منه سواءا كانت كبيرة أو صغيرة، فلذلك ورد في الحديث الشريف: ” كفى بالموت واعظا ” (1).

وحبا بالانسان ورأفة به فقد جاءت الأخبار المتظافرة ناصحة الانسان الموحد أن يديم ذكر الموت، منها:

* روى الحسين بن سعيد الاهوازي: بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك حدثني بما انتفع به. فقال: ” يا أبا عبيدة، اكثر ذكر الموت فما اكثر ذكر الموت انسان إلا زهد في الدنيا ” (2).

* وروى الصدوق بإسناده الى أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في حديث الأربعمائة: “… اكثروا ذكر الموت، ويوم خروجكم من القبور، وقيامكم بين يدي الله عز وجل تهون عليكم المصائب.. ” (3).

* وروي في مصباح الشريعة عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال:


= تنكشف فيه تلك الحقائق. فليس الموت نهاية الانسان، وانما فيه اسرار وألغاز سوف تنكشف له بعد موته. وهذا التصوير يفسر الدليل العقلي الذي يقيمه علماء الكلام على ضرورة وجود الآخرة والمعاد، فإن الظلم في الدنيا لابد له من حكم عدل وإن مات الظالم على ظلمه فليس من العدل اسدال الستارة على ظلمه الى الابد، وانما يحكم العقل بضرورة وجود ذلك اليوم.

(1) رواه الكليني في الكافي: ج 3، ص 275، ح 28. وقريب منه في: ج 2، ص 85، ح 1. والطوسي في الامالي: ج 1، ص 27، المجلس 1، ح 31. ونقله المجلسي في البحار في عدة مواضع منها: ج 6، ص 132، ح 30. وفي: ج 33، ص 545، ح 720. وفي: ج 64، ص 29، ح 8. وفي ج 71، ص 209، ح 21. وفي: ج 71، ص 264، ح 4، وفي ج 71، ص 325، ح 20. وفي 73، ص 342، ح 25. وفي 77، ص 139، ح 1. وفي ج 77، ص 390، ح 11.

(2) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي: ص 78، باب 14، ح 210. وعنه في البحار: ج 6، ص 126. وفي: ج 71، ص 266.

(3) الخصال: ص 616. ونقله عنه في البحار: ج 6، ص 132.

[ 39 ]

” ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقطع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفئ نار الحرص، ويحقر الدنيا، وهو معنى ما قال النبي (صلى الله عليه وآله): فكر ساعة خير من عبادة سنة، وذلك عندما تحل
اطناب خيام الدنيا، وتشدها في الآخرة، ولا يشك [ ولا يسكن نزول على ذكر. خ. 7 ] بنزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة. ومن لا يعتبر بالموت، وقلة حيلته، وكثرة عجزه، وطول مقامه في القبر، وتحيره في القيامة، فلا خير فيه “.

قال النبي (صلى الله عليه وآله): ” اذكروا هادم اللذات. فقيل: وما هو يارسول الله ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): الموت. فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا، ولا في شدة إلا اتسعت عليه. والموت أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدينا، فطوبى لمن اكرم عند النزول بأولها، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها. والموت أقرب الأشياء من بني آدم وهو يعده أبعد، فما أجرأ الانسان على نفسه وما أضعفه من خلق. وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين، ولذلك اشتاق من اشتاق الى الموت، وكره من كره. قال النبي (صلى الله عليه وآله) من أحب لقاء الله احب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ” (1).

* وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: ” أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت. وأفضل العبادة ذكر الموت. وأفضل التفكر ذكر الموت، فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة ” (2).


(1) مصباح الشريعة: ص 171 – 172. ونقله في البحار: ج 6، ص 133.
(2) جامع الاخبار: ص 165، الفصل 131. ونقله عنه في البحار: ج 6، ص 137، ح 41.

[ 40 ]

وفي نفس الوقت فان الحق تعالى يطلب من الانسان التوازن في تفكيره، وحياته، وشخصيته، وفهمه لجميع الأشياء الكونية. فهو يأمر الانسان بتعمير الأرض والسعي الجاد، قال تعالى: *
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * (1).

وقال تعالى: * (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم) * (2).

وقال تعالى: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (3).

وقال تعالى: * (انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) * (4).

وقال تعالى: * (انا لا نضيع أجر من أحسن عملا) * (5).

وقال تعالى: * (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش) * (6).

وقال تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله)
* (7).

وقال تعالى: * (وجعلنا النهار معاشا) * (8). *

وروى الكليني في الكافي، والطوسي في التهذيب بإسنادهما عن المعلى بن خنيس قال: ” سأل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل وأنا عنده، فقيل له قد اصابته الحاجة. قال: فما يصنع اليوم ؟ قيل: في البيت يعبد ربه عز وجل. قال: فمن أين قوته ؟ ! قيل: من عند بعض اخوانه. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): والله للذي يقوته أشد عبادة منه ” (9).


(1) سوره التوبة: الآية 105.
(2) سورة المؤمنون: الآية 51.
(3) سورة هود: الآية 7.
(4) سورة الكهف: الآية 7.
(5) سورة الكهف: الآية 30.
(6) سورة الاعراف: الآية 10.
(7) سورة الجمعة: الآية 10.
(8) سورة النبأ: الآية 11.
(9) التهذيب: ج 6، ص 324، باب 22، ج 10. الكافي: ج 5، ص 78، ح 4.

[ 41 ]

* وروى الصدوق في الفقيه عن الامام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” عليكم بالطلب، ثم قال: اني لأبغض الرجل فاغرا فاه الى ربه يقول: ارزقني، ويترك الطلب ” (1).

* وروى الكليني في الكافي بإسناده عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: ” اني لأبغض الرجل، أو أبغض للرجل أن يكون كسلانا عن أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن آخرته أكسل ” (2).

* وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها ” (3).

* وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: ” من غرس غرسا فأثمر أعطاه الله من الأجر قدر مايخرج من الثمرة ” (4).

* وروي عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال: ” إن الله حين اهبط آدم الى الارض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كده.. ” (5).

ومع اهتمام الرؤية الاسلامية من خلال نصوص الشريعة بتعمير الأرض
والعمل لبناء الحضارة والمدنية الانسانية الصالحة، فان الاسلام يؤكد على تعمير الآخرة وبنائها كما تقدمت بعض النصوص الشريفة المؤكدة لهذه الحقيقة، لأنها تكشف أن الحياة الحقيقية هي الحياة الخالدة والتي تكون بعد الموت، ولذلك فان عمران الدنيا لابد وأن ينسجم بالتوازي مع عمران الآخرة مع ملاحظة أخذ الشرط


(1) الفقيه: ج 3، ص 192، ح 3721.
(2) الكافي: ج 5، ص 85، ح 4.
(3) مستدرك الوسائل للشيخ النوري: ج 13، ص 460 كتاب المزارعة والمساقاة باب: 1، ح 5 وعنه في جامع أحاديث الشيعة: ج 18، ص 431، أبواب المزارعة والمساقاة باب: 1، ح 10.

(4) مستدرك الوسائل: ج 13، ص 460، أبواب المزارعة والمساقاة، باب 1، ح 4. وعنه جامع احاديث الشيعة: ج 18، ص 431، أبواب المزارعة والمساقاة، باب 1، ح 9.

(5) مستدرك الوسائل: ج 54، ص 475 باب: 18، ح 5203. جامع احاديث الشيعة: ج 18، ص 434 أبواب المزارعة والمساقاة باب: 5، ح 2. تفسير العياشي: ج 1، ص 40، ح 24.

[ 42 ]

الغائي في العمران الدنيوي وهو الآخرة، قال تعالى: *
(وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) * (1).

وبما أن هدف الآخرة لا ينسجم مع الانسياب وراء الدنيا واغراءاتها فلذلك كان الموقف العقائدي والأخلاقي الاسلامي أن يحدد السعي الدنيوي، وليس هذا التحديد من حيث الكم، وانما هو من حيث النوع والنية والأهداف. وهو المعبر عنه في كثير من النصوص الاسلامية بطول الأمل، وحب الدنيا. وأهم الفوارق بين التحديد الكمي والتحديد النوعي هو أن الاسلام العظيم يشجع على العمران والبناء الحضاري بمختلف أوجه النشاط المتعلق به ضمن قانون (العمل الصالح).

ولكنه يشترط في ذلك العمل أن يكون لخدمة الأهداف الالهية، ولأجل رقي الحضارة الانسانية وتقدمها واصلاح نقاط الخلل في البنى الاجتماعية الانسانية والحضارية. وأما الأهداف الشخصية فانها محددة بالكم، يعني أن لا يركض الانسان وراء هدف صغير بجمع المال لنفسه وأهله الخاصين به، بل لابد وأن تكون حركته في هذا المجال محدودة بمقدار الحاجة، وعليه ان يصب جل اهتماماته بالخدمة العامة.

ونكتفي بهذا المقدار من توضيح معالم الرؤية الاسلامية المقدسة لهذا الموضوع الفكري والحياتي المهم. مع التأكيد على أن ما سجلته هنا بهذه الأوراق لا يعدو عن أكثر من طرح الخطوط العامة لهذا الموضوع الفكري والعقائدي المهم، وقد يرزقنا الله تعالى التوفيق لتفصيله بموضوع مستقل من جهة المفهوم الاسلامي للعالم.


(1) سورة القصص: الآية 77.

 

 

فهرس الكتاب